بيان الثّورة الثقافية لإنقاذ أدب الطفل العربي – حسين عبروس

– صرخة في وجه الرّداءة… واستغاثة باسم الطفولة
– “حين تموت الكلمة الجميلة في كتاب الطفل… تموت معها أمةٌ كاملة بعد سنوات.”
-المقدمة
– ليس من المبالغة أن نقول إنّ أخطر مؤامرة تُحاك ضد ّالأمة العربية اليوم ليست سياسية ولا اقتصادية، بل ثقافية. إنّها المؤامرة التي تستهدف عقل الطفل العربي، وتعبث بلغته، وتصادر خياله، وتقتل فيه شغف القراءة، ثم تُقنعنا أن ما يحدث إنجازٌ ثقافي. وما أشد قسوة هذه الخديعة حين يرتدي العبث ثوب الإبداع، ويتكلم الجهل باسم الثقافة، ويعتلي المتطفلون المنابر بينما يُقصى أصحاب الرسالة.
– لقد أصبح أدب الطفل في أجزاء واسعة من الوطن العربي ساحةً مفتوحة لكلّ من عجز عن إثبات حضوره في ميادين الأدب الأخرى، فظنّ أنّ الكتابة للطفل أقلّ شأنًا وأسهل طريقًا، فإذا به يزرع في عقول الناشئة لغةً مكسورة، وخيالًا مشلولًا، وقيمًا مضطربة، وأفكارًا سطحية. وهكذا تحوّلت الطفولة، وهي أنبل مراحل الإنسان، إلى ضحية لاستسهال لا يعرف ضميرًا، ولتخاذل لا يعرف مسؤولية.
– إن الكارثة الحقيقية لا تكمن في وجود نصوص ضعيفة؛ فالرّداءة وُجدت في كل العصور. لكن الكارثة أن تصبح الرداءة معيارًا، وأن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن يُقدَّم العبث للأجيال على أنه أدب، ويُزيَّن لهم على أنه إبداع.
كم من قصيدة للأطفال لا تعرف من الشّعر إلا القافية! وكم من قصة لا تحمل حبكة، ولا شخصية، ولا فكرة، ولا رسالة! وكم من مسرحية تُضحك الكبار على سذاجتها قبل أن تُمتع الصغار! وكم من رواية كُتبت لأن الكاتب أراد أن يضيف لقبًا جديدًا إلى سيرته الذاتية، لا لأنه يحمل مشروعًا تربويًا أو ثقافيًا.
– إنّ الكتابة للطفل ليست لعبًا بالكلمات، وليست مجموعة من العبارات الموزونة، ولا رسوماتٍ زاهية تخفي فراغ النص. إنها علم، وفن، وتربية، وفلسفة، ومسؤولية أخلاقية. فالكاتب الحقيقي للأطفال لا يكتب بعينيه فقط، بل يكتب بعقل عالم النفس، وبذائقة الأديب، وبحكمة المربي، وبخيال الفنان، وبضمير الإنسان الذي يدرك أنه يخاطب بذرة المستقبل.
ومع ذلك، تُترك السّاحة اليوم لكلّ من شاء أن يقتحمها بلا إعداد، ولا دراسة، ولا تجربة. يكفي أن يمتلك صفحةً على وسائل التواصل، أو أن يطبع كتابًا على نفقته الخاصة، حتى يتحول بين ليلة وضحاها إلى “كاتب أطفال”، ثم تبدأ حفلات التكريم، وتنهال الألقاب، وتتكرر المجاملات، وكأن الثقافة أصبحت سوقًا للمظاهر لا ميدانًا للكفاءة.
لكن السؤال الذي يؤلم أكثر هو: أين المبدعون الحقيقيون؟
أين الذين أفنوا أعمارهم في دراسة أدب الطفل؟ أين الشّعراء الذين يعرفون أن الكلمة الأولى قد تصنع قارئًا مدى الحياة؟ أين الروائيون الذين يدركون أن القصة ليست وسيلة لتزجية الوقت، بل لبناء العقل؟ أين النقاد الذين يحملون مشرط المعرفة، فيميزون بين النص الحي والنص الميت؟ لماذا اختار كثير منهم الصمت، وكأن انهيار الذائقة لا يعنيهم؟
إنّ الصمت في لحظات الانهيار ليس حيادًا، بل تخلٍّ عن الواجب. فالمبدع الذي يرى الرداءة تغزو عقول الأطفال ثم يلوذ بالصمت، يترك الميدان لمن لا يستحقه. والناقد الذي يجامل على حساب الحقيقة، يشارك في تضليل المجتمع. والناشر الذي يطبع كل ما يُعرض عليه دون تحكيم علمي، لا يبيع كتبًا، بل يوزّع أوهامًا. والمؤسّسة الثّقافية التي تكتفي بالمهرجانات والصوّر والاحتفالات، بينما تهمل صناعة المحتوى، إنّما تخدع نفسها قبل أن تخدع الناس.
ثم ماذا عن جامعاتنا؟ ماذا عن وزارات الثقافة؟ ماذا عن وزارات التربية؟ ماذا عن اتحادات الكتّاب؟ ماذا عن المجلات المتخصصة؟ أين المشاريع الوطنية لاكتشاف كتّاب الأطفال وتأهيلهم؟ أين المختبرات البحثية التي تدرس أثر النصوص في النمو اللغوي والنفسي والقيمي؟ كيف نقبل أن تُبنى مناهج تعليمية بمئات الخبراء، بينما يُترك أدب الطفل، وهو الشريك الأول للمدرسة والأسرة، دون رؤية علمية واضحة؟
-إنّ الطفل العربي لا يعاني فقط من فقر القراءة، بل يعاني من فقر ما يُقرأ. وهذه حقيقة يجب أن نملك شجاعة الاعتراف بها. فليست كثرة الإصدارات دليلًا على النهضة، وليست كثرة الجوائز دليلًا على الجودة، وليست كثرة المهرجانات دليلًا على ازدهار الثقافة. إن المقياس الحقيقي هو:هل أصبح الطفل أكثر حبًا للغته؟ أكثر قدرة على التفكير؟ أكثر اتساعًا في خياله؟ أكثر تمسكًا بقيمه الإنسانية؟
-إنّ الأمة التي تبخل على أطفالها بالأدب العظيم، ستدفع ثمن ذلك جهلًا، وتطرفًا، وضعفًا في التفكير، وانهيارًا في الذوق، وعجزًا عن الإبداع. فالعقل الذي لا يتربى على الكلمة الجميلة، يسهل أن يقع فريسة للكلمة الزائفة.
– الخاتمة…
-إنّنا لا نكتب هذه الكلمات لنجلد أحدًا، ولا لنصنع خصومات، وإنما لنوقظ الضمائر قبل أن يفوت الأوان. فالطفولة ليست ميدانًا للمجاملات، ولا منصةً للباحثين عن الشهرة، ولا مختبرًا لتجارب الهواة. إنها الوديعة التي سيحاسبنا عليها التاريخ.
أيّها الكتّاب… اكتبوا للطفل كما لو كنتم تكتبون لمستقبل أمة.
أيّها النقاد… لا تخافوا من قول الحقيقة، فالمجاملة تقتل الثقافة.
أيّها الناشرون… اجعلوا الجودة معياركم قبل الربح.
أيّها المسؤولون… لا تُشيِّدوا معارض الكتب قبل أن تُشيِّدوا مشروعًا وطنيًا لصناعة قارئ متميّز في المستقبل.
وأخيرًا…
إذا ماتت لغة الطفل، ماتت لغة الوطن.
وإذا مات خيال الطفل، ماتت قدرة الأمة على الابتكار.
وإذا فسد أدب الطفل، فسدت البذرة التي سيخرج منها مفكر الغد، وشاعر الغد، وعالم الغد، وقائد الغد.
“فأنقذوا الطفل… قبل أن نضطر يومًا إلى إنقاذ أمةٍ بأكملها.” Voir moins





