قرأت لك
قراءة موجزة في مجموعة “دنا فتدلّى…”د. آمنة بلّعلى- حسين عبروس

- مدخل
تُعدّ مجموعة “دنا فتدلّى” للدكتورة آمنة بلّعلى و الملاحظ أنّ عنوان المجموعة “دنا فتدلّى”يلتقي مع عنوان سبق أن استعمله الرّوائي المصري جمال الغيطاني، غير أن هذا التّوافق لا يمكن اعتباره دليلًا على سرقة أدبية، لأنّ العبارة مستمدّة من النّص القرآني في سورة النجم، وهي من التّراكيب المتداولة في الثّقافة العربية والإسلامية، ولذلك يبدو الأمر أقرب إلى التّناصّ مع مرجعية دينية وثقافية مشتركة منه إلى الاقتباس المباشر من عمل أدبي سابق، خاصة أن عالم آمنة بلّعلى النّصي ورؤيتها الشّعرية يختلفان في طبيعتهما وأهدافهما عن التّجربة السّردية والفكرية التي قدّمها الرّوائي المصري جمال الغيطاني في توظيفه للعنوان نفسه. – هذه تجربةً أدبيةً تنفتح على أكثر من جنس تعبيري، فهي لا تستقرّ نهائيًا في فضاء القصيدة النّثرية، ولا تلتزم ببناء قصيدة التّفعيلة، كما لا تنتمي إلى الخاطرة بمعناها التقليدي، بل تتحرك في منطقة وسطى تتجاور فيها الشّعريّة مع التّأمل، والبوح مع الرّمز، واللّغة مع الرّؤيا. ولهذا تبدو نصوص المجموعة أقرب إلى كتابة ذاتية تنبع من الدّاخل، وتتشكّل عبر تدفّق وجداني يحرص على الإيحاء أكثر من حرصه على الإفصاح.
وتضم المجموعة نصوصًا عديدة منها: سرّ السماء، يقظة، حال، العمر، الفراشة، يقين، السرّ، الغريب، هوية، سرنا معًا، كأنك أنت، يقول لي، بينة حرفها أنا، خطأ، واتسعت الرؤيا، الكلمات، كأنه الصدى، الوجه القديم، في غمرة التدلي، الطريق، أمسي وأنا، الكاف، نميل ولا ننكسر، كأنه يدنو… وهي عناوين تكشف منذ الوهلة الأولى عن هيمنة المعجم الصّوفي والوجودي والنّفسي، حيث تتكرّر مفردات الرّؤيا والسرّ واليقين والهوية والنّداء الداخلي.
وربما تقترب هذه الكتابة في بعض جوانبها من نثرية غادة السمان، غير أنّها تختلف عنها في طبيعة البوح؛ فغادة السّمان تميل إلى المكاشفة المباشرة، بينما تختبئ آمنة بلّعلى خلف طبقات كثيفة من الرّمز والإيحاء. - بين القراءة النفسية والقراءة الصوفية
لقد ذهب بعض الدارسين إلى قراءة المجموعة قراءة صوفية، غير أنّ النّصوص نفسها تفتح بابًا آخر لا يقل أهمية، هو الباب النّفسي. فالكاتبة لا تبدو منشغلة بتجربة الكشف الصّوفي بقدر
انشغالها بحركة الذّات وهي تبحث عن اكتمالها الداخلي.ويتجلى ذلك في نص «سرّ السماء» حين تقول: - هذا الذي يسيل بين أضلعي
- هذا الطالع من بين جنبي
- هذا الذي ينام بين جفني
- هذا الذي يصدح بالغامض والسري
- إيقاعك المجنون أم دمي أم نبض نائم
- أم حلم طائر بري
- أم وحي نبي
- أم مخمور بالشوق امتدّ إليّ
- وأيقظ البنفسج البري في روحي
- ثم استوى بين يدي
- وقادني إليّ.»
هذا المقطع يقوم على تكرار اسم الإشارة «هذا»، وهو تكرار لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، بل يعكس حالة البحث عن ماهية شيء غامض يسكن الذات. فالمتكلمة لا تعرف حقيقة ما تشعر به؛ ولذلك تتوالى الأسئلة: - أم دمي؟
- أم نبض نائم؟
- أم حلم طائر بري؟
- أم وحي نبي؟»
- إنّها رحلة بحث عن تعريف الشّعور لا عن الشّعور نفسه. ولهذا فإنّ النّص لا يقدّم تجربة صوفيّة مكتملة بقدر ما يكشف عن قلق داخلي عميق. فالذات لا تصل إلى اليقين إلا في النهاية حين تقول:
- «وقادني إليّ»
وهنا تبلغ الصّورة ذروتها؛ إذ يصبح الوصول إلى الذات هو الغاية النهائية للرحلة كلّها.
-رمزية الاقتراب في نص «كأنّه يدنو»
-أما نص «كأنّه يدنو»الذي يحمل عنوانا صمن نصوص المجموعة فيمثل مفتاحًا دلاليًا لفهم التّجربة كلّها، إذ تقول: - كأنّه يدنو
- أرى على الجبين الأفق
- جناحه يرفّ
- وخطوه يدنو
- أحسّ دفأه يشملني
- يلفّ حقل القمح في صدري
- سنابل وراء سنابل
- الباب والمعنى والنشيد والأحلام
- والفارس المخفي
- والظلال الخضراء
- والغزالة السجينة.»
- النّص هنا مبني على فعل واحد هو «يدنو»، وهو فعل يحمل معنى الاقتراب دون الوصول.
ولذلك تظل الذات معلقة بين التحقق والانتظار،فالكاتبة لا تقول إن القادم قد وصل، بل تكتفي
بالإحساس بحركته. ومن هنا تنبع شعرية النّص.وتتوالى الرّموز بصورة لافتة:
-حقل القمح: رمز للحياة والخصب والنماء.
-الفارس المخفي: رمز للخلاص أو القوة الكامنة.
-الغزالة السّجينة: رمز للرّوح المقيدة أو الحرّية المؤجّلة.
-الأفق: رمز الحلم والانفتاح.
وتكشف هذه الرّموز مجتمعة عن ذات تتطلّع إلى التّحرّر من قيودها الداخلية، وتنتظر اكتمال حضور شيء ما يمنحها المعنى.
ثم تقول: - ويأتي إلى منفاي موحدًا
- وشاهدًا على أسراري
- فكل كائن يدنو إلى سواه
- ومن فضاء العالم الكلي.»
وهنا تتجاوز التّجربة حدود الذات الفردية لتصبح تجربة إنسانية عامة، فالدنو ليس فعلًا شخصيًا، بل قانون وجودي يحكم الكائنات جميعًا.
الجوانب الفنّية في التجربة - يمكن رصد عدد من الخصائص الفنّية البارزة في هذه المجموعة:
1- هيمنة الرّمز
فاللّغة لا تصرّح بمعانيها مباشرة، بل تمر عبر شبكة من الرموز والصور والإشارات.
2- التّكرار الإيقاعي
يتكرر اللّفظ أو التركيب لإنتاج موسيقى داخلية، كما في: - «هذا الذي… هذا الذي… هذا الذي…»
- وكذلك:«يدنو… يدنو…»
3- التّناسل الصّوري
فالصّورة الواحدة تلد صورة أخرى دون توقف، وهو ما يمنح النّص طاقة تخييلية عالية.
4- النّزعة التّأملية
النصوص لا تروي حدثًا بقدر ما تستكشف حالة شعورية أو فكرة وجودية. - 5- تداخل الأجناس الأدبية
إذ يصعب أحيانًا التّمييز بين الخاطرة والقصيدة النّثرية والتأمل الوجداني.
ملاحظات لغوية وفنية
رغم جمال اللّغة وثراء المخيلة، يمكن تسجيل بعض الملاحظات حول تلك الهفوات اللّغوية التي
تشتمل عليها نصوص المجموعة مثلما:ورد في النّص:
-سنابلا وراء ورا سنابل - والأقرب لغويًا: سنابل وراء سنابل
كما أن بعض النّصوص تعاني أحيانًا من تراكم الرّموز دون خيط دلالي واضح يربط بينها، ممّا قد يدفع القارئ إلى الإحساس بالغموض أكثر من الإيحاء.
خاتمة - تكشف مجموعة “دنا فتدلّى” عن تجربة أدبية ناضجة تنطلق من أعماق الذّات لتطرح أسئلة الهوية واليقين والبحث عن المعنى. وهي تجربة تتأسس على لغة مشحونة بالرّموز والإشارات، وتستمدّ قوتها من قدرتها على تحويل المشاعر الداخلية إلى صور شعرية كثيفة. وإذا كانت بعض النصوص تميل إلى الإفراط في الغموض الرّمزي، فإنّ ذلك لا يحجب ما تمتلكه الكاتبة من حسّ شعري ورؤية تأمليّة عميقة تجعل من هذه المجموعة تجربة جديرة بالقراءة والتأمل والنقاش النّقدي وهنا نلفت عناية الكاتبة إلى الأنتباه إلى وضع حد فاصل بين الخاطرة والقصيدة النثرية وقصيدة التفعلة.



