السيدة التي ابتلعها السراب – أحمد عمر زعبار
كان حبّا؟؟
كانت خطأ ارتكبهُ القلبُ
إذن؟
لا شيء.. كانت خطأ، لم تكن ذنبا… الآن أعوضها بخطأٍ أجمل منها
هكذا انتهى حواره مع نفسه… بعد وقت قصير من الأخذ والرد
تعلّم منذ أيّام شبابه الأولى محاورة ذاته بمنطق.. لا يلومها.. لا يخاصمها.. يُحدّثها وتحدثه يستمع إليها ويسعى لفهم وتفهم منطقها… كان مراهقا حين بدأ يدرك أن لوم النفس واتهامها تخريب لذاته.. تعلّم من الكتب ثم من الحياة أن احتقار النفس مرض وأنها ليست أمّارة بالسوء..
قال: أمّارة بالحياة واعتناق البهجة.. اقتنع..
حواره مع ذاته ينتهي غالبا بتوازن غير مربك.. كرّر نعم كانت خطأ ارتكبه القلب.. أعجبه المعنى، يشبه مطلع قصيدة.. يتردد منذ أسبوع في إرساله إليها، لكن، لماذا؟؟ ما فائدة ذلك ما دامت لم تعد موجودة ولم يعد لها معنى.. ستظن إن راسلها أنه لازال يذكرها، تخطر على باله او أنها مازالت تمر بمشاعره بين حين وآخر كذكرى أو كألم أو كحسرة، هو لا يريد أن تكون لها مكانة أو ذكرى أو حتى مجرد عبور سريع بين خواطر عديدة… ليست سوى خطأٍ لا أكثر، خطأٍ سيئ وقاسٍ… صفحتها يجب أن تحرق من ذاكرته ويذرّي رمادها بعيدا، بعيدا جدا حتى لا يشوّه الهواء الذي يتنفسه.. هو لا يريد أن يذكرها أو يتذكرها لا بسوء ولا بخير ولا بحياد
-أستاذ أحمد هاتفك
أشارت النادلة إلى هاتفه.. ابتسم لها في ود.. بينهما ما يشبه صداقة غير معلنة.. وربّما مَيْل خجول ما زال يتحسس طريقه إلى القلب.. جميلة تختصر ملامح الجمال العراقي الأنثوي.. في نهاية العشرينات من عمرها.. ابتسامتها شرفة مفتوحة على الربيع، عينان واسعتان سوادهما يضيء القلب يحرسهما حاجبان كثيفان، بشرة حنطية دافئة ولمّاعة وشعر شديد السواد متموج وشفتان مكتنزتان تصرخان جاذبية
أمسك الهاتف، على الشاشة رقم ناشر كتبه يريد مناقشة بعض التفاصيل.. كان قد قرر منذ مدة أن يعيد طباعة ونشر كتبه في تونس وليس في بيروت.. أخبر الناشر أنه يعمل على تنقيح الطبعات الأولى وطلب منه أن يمهله يومين أو ثلاثة أيّام للمراجعة.. كان قد قرر منذ رسالتها الأخيرة ولقائهما بعد ذلك بأيام أن يقطع كل صلة بها، أن يلغيها تماما من حياته، من حاضره ومن ماضيه أيضا، أن يقطع جذور تلك العلاقة كأنها لم تكن، حتى الجذور الميتة لا بد أن يتخلص منها، أرادها أن تصبح عدما لا مجرّد ذكرى ميتة، ليس كافيا أن تصبح ذكرى مية.. كان قد بدأ في تغيير عناوين وكلمات القصائد والمقالات التي كُتبها لها أوعنها أو من وحيها أو التي تشير إليها ولو من بعيد… أسبوعان قضاهما في تفريغ كتبه مما يشير إليها.. أحس براحة.. بقي أمر واحد عالقا، كيف يطلب منها دون التواصل معها أن تحذف المقدّمة التي كتبها لديوانها الأخير…
لم يسأل نفسه لماذا يريد محوها من ذاكرته ووجوده… تعوّد أن لا تكون تصرفاته ردّات فعل، كثيرا ما اعتبر ردات الفعل سلوكا غير عقلاني ومن علامات التهور والتخلف أيضا.. لماذا إذن؟ ربّما لأنها أرادت أن تهينه وبما أنه لا يحب مثل هذه الممارسات ولا يريد أن يسقط في حضيض الفعل ورد الفعل فالأفضل أن يمحوها ويمحو كل ما يتعلّق بها من ذاكرته ومن وجوده.
عادت إليه نادلة المقهى، استأذنته وجلست، قالت وابتسامة تشبه الاعتذار تسبق كلامها، إنها أدركت منذ حضوره أول مرّة للمقهى أنّه شاعر وأنها سمعت، دون قصد، بعض أطراف حديثه مع ناشر كتبه وأنها يسعدها أن تشتري منه دواوينه، فهي من هواة الشعر وكانت لها محاولات أيام دراستها في العراق بعضها نُشر..
بتهور لم يعهده في نفسه قال كلّنا في مراهقتنا شعراء أو مشاريع شعراء.. ثم استدرك وكأنه يعتذر
-يسعدني أن اقرأها إن كنت مازلت تحتفظين بها…
التقطت عينها بعض ما خط على دفتره..
تسمح؟
تفضلي
قرأت:
أغتسلُ منكِ لا كمن يتطهر من ذنبٍ
أغتسل منك كمن يكتشف جسدهُ من جديد
أغتسل منك كتائهٍ يعود إلى ذاته بعد غياب
كانت الرغبة: احتراق المسافة لا احتراق الروح
لكن المسافة الآن مضاءة بالغياب الجميل
هناك نشوة أن تمتلئ بالحياة لا بامرأة كل ما فيها مُزيّفٌ ومؤقت.
قالت وكأنها تتحسس أعماقه:
جميل وعميق وعن تجربة
تأمل كلماتها.. عميق وعن تجربة.. كادت تظهر على وجهه ابتسامة حزينة، نعم، هي تجربة عميقة لم يدرك تفاصيلها إلا بعد أن نخرته من الداخل، أحرقت روحه ولم تترك إلا الرماد.. كيف لم يقرأ ما بين السطور من استخفاف بصداقته وإهانة لمشاعره.. أعماه حبه عن رؤية حقيقتها.. حتى وصلته رسالتها الأخيرة فعاد إلى رسائلها القديمة يبحث فيها عن معنى ما ورد في رسالتها من استهتار وإهانة أو عن مؤشرات كان حبّه يمنعه من رؤيتها… أدرك وهو يقرأ الكم الهائل من الرسائل التي تبادلاها أنها لم تحترم صداقته إلا في بداياتها قبل أن تبدأ في ممارسة ما سمّاه لعبة السراب، لم تكن ماء ولا ارتواء.. كانت سرابا، تمنحه إحساسا بالقرب والوصول وكلّما اقترب أو ظن أنّه يقترب ابتعدتْ منتشية بغرورها وازداد هو عطشا إليها…. تغرق هي في غرور أنوثتها وامتلاء وهمي ويغرق هو في جفاف حوله وفيه فتزداد حاجته للارتواء وتقوى حاجته إليها ورغبته فيها، هل كان الضحية الوحيدة، لا يعتقد.. تتقن اللعبة جيدا.. تقمّصت الدور حتى انصهرت فيه.. لم تعد ترى نفسها غير ذلك السراب، المُغري… انصهرت فيه وغابت حقيقتها.. اختفت داخل اللعبة، داخل الدور الذي امتلأت به حتى ابتلعها.. وصارت مع تقدّم السن السيدة التي ابتلعها السراب.
قال: التجربة درسٌ قاسٍ ومتأخر نتعلّمه دائما بعد فوات الأوان
يوم قرّر الفراق دوّن في دفتره، في أعماقها ثقب أسود يصرخ دائما هل من مزيد.. من طلب امتلاءه في الناس، بقي فارغاً وإن انتفخ بهم ومن لم يجد سكينته في أعماقه لن يجدها في وجوه الآخرين.. قد يوقظ الآخر فينا صدى معينا لكن الصوت المُخلّصَ يبقى دائما صوتنا نحن صوت أعماق أعماقنا التي لا يصل إليها أحد غيرنا ومن لم يكتشف كنزه الداخلي، صوته ومعناه، يعيش يتسوّل المعنى عند الآخرين ولن يجده، تلك هي مأساتها ولعنتها.. ولم يصرح لنفسه، ربّما كانت تلك لعنتي ومأساتي أيضا، حين أحببتها.
قال بحزن تحتاج ضوءا يكون مرآة ترى فيها وجهها مضاء بنظرات الإعجاب ولم أكن أنا ذلك الضوء.. هذا كل ما في الأمر… المسألة بسيطة جدا، أخطأتُ في تقديرها وأخطأَتْ في تقديري هذا كل ما في الأمر..
كانت تلك الصداقة خطأً قاسياً، علّمته أن يميّز بين اليد التي تُصافح لتلمس الروح واليد التي تُصافح لتترك جرحا.
أتته النادلة بفنجان قهوة لم يطلبه وبيدها قصاصات من صحف قديمة
-هذه نسخ مصوّرة من محاولاتي المنشورة ايّام الدراسة بالعراق، لا تقرأها الآن، خذها معك.. أريد رأيك.. أضافت مازحة تسبقها ضحكة فيها سخرية خفيفة غير حقيقية، هل ابيع المقهى وأعود للشعر؟
تفاجأ.. هي صاحبة المقهى إذن..
-بالمناسبة ميسون اسم اعتمدته عند دخولي إنجلترا لأسباب قد أخبرك بها يوما، اسمي فتون كما في القصاصات..
فوجئ. توقف تنفسه للحظات.. يا للصدفة القاسية اللعينة.
غادر المقهى وصاحبة المقهى للمرّة الأخيرة، ليتها بقيت ميسون التي يعرفها وليس فتون الاسم المشحون في ذاكرته ودمه بجراح وطعنات مسمومة.. عاد مشيا إلى منزله، يحب التفكير والتأمل ماشيا ببطيء وهدوء، يريحه ذلك… نظر إلى قصائدها في يده.. رماهم في الطريق.. واصل سيره.. بدأت القصة تتضح معالمها في رأسه.. وصل إلى منزله كتبها وأرسلها للنشر.






