رسم في لوحة ونزيف في القلب✍️أحمد عمر زعبار

شاعر وإعلامي تونسي مقيم في لندن
الطريق إلى العاصمة لا يتجاوز الساعتين، السيّارة مريحة ومكيفة والرفيقة مشتهاةٌ، تسبق كلماتها نظرة حنونة وابتسامة طفولية رقيقة، ساعتان في الطريق السريعة من بلدته إلى العاصمة وهو منتشٍ بحضورها، حديثهما مليء برغبة لا تخفى، تنطق بها العيون وبعض لمسات تدّعي البراءة، لم ينقطع حديثهما إلا فترات قصيرة، يجول نظره في الحقول على جانبي الطريق السريعة… يجد نفسه دون وعي يعيش احدى الذكريات القديمة.. الذكريات جميعها ذكرياتها بكل تفاصيلها.. أين اختفت السنوات الخمس الماضية، لا يكاد يتذكر منها شيئا كل ما يذكره متعلّق بمن كانت حبيبته.. أعاد كلمة كانت، نعم كانت.. منذ أيّام وهو ينظر في تفاصيل تعاملها معه، تعليقاتها، الجافة، عدم الاهتمام برسائله، نسيانها لما يطلب منها، اهتمامها بغيره… اكتسبت بعض شهرة ألغت مكانته وأهميته، أدرك أن ما بينهما انتهى، أن علاقتهما تترنح وأنها تزفر أنفاسها الأخيرة، لم يلمّح لها بذلك، ربّما لأنه ظل يتمنى في أعماق لاشعوره ألاّ يفقدها… أمعن في لوم نفسه ثمّ قرّر أن يعيد تحديد علاقته بها… الخطوة الأولى أن يلتقيها ليلمس عن قرب نكرانها له، من هنا كانت رحلته إلى العاصمة حيث تقيم… رفيقته في رحلته فنّانة تصغره بربع قرن، تحبه كطفلة وتعشق كل تفاصيله.. هل كان يسعى إلى سندٍ عاطفي حين طلب منها مرافقته؟ لم يخبرها بما في روحه من شك وخراب ومرارة وهو في طريقه ليتأكد من المؤكد، ليعيد رسم علاقته مع حبيبته وربّما قطعها نهائيا.
وصلا في الموعد المحدد، ترك رفيقته في مرسمها في شقة صغيرة ونزل للقاء حبيبته في مقهى جميل لا يبعد إلا خطوات عن الشقة… كتب قبل أن تصل: في القلب إيقاع امرأة، إيقاع ضحكتها، إيقاع لمستها، إيقاع صوتها، حتى صار نبض قلبه متناغما تماما مع إيقاع نظرتها وابتسامتها كأن دقّات قلبه نغم هي من يحدد ايقاعه وانسيابه.. نظر إلى الورقة بمرارة، تساءل هل كتب ما كتب رغبةً في التخلص من آخر ما تمنى أن يقوله لها أم هو محاولة يائسة للتشبث بها حتى كفكرة.. مجرّد فكرة لا أكثر؟ ابتسم ساخرا من محاولته التحايل على نفسه.. هل لامرأة في جمالها وسطوة حضورها أن تصبح مجرّد فكرة؟
المقهى عصري، جميل، مسيج بالبلور من جوانبه الثلاثة ما أضفى عليه مسحة الإحساس بالراحة بخلاف الأماكن المغلقة التي قد توحي بملاحقة روحك وتشعرك بالضيق… لا ضيق في حضرتها، رحّبت بتلقائية ومحبّة أو هكذا أراد أن يقنع نفسه، عليه أن يكون حذرا، ألا تجره ابتسامتها إلى ما تريد… شيء فيها يهزمه بسرعة، يفقد توازنه وينساق كأبله إلى فضاءاتها… لكنّه قاوم.. قبل الاندحار إلى نقطة الفناء فيها تماسك واستعاد توازنه، عليه ألا ينسى غرضه من لقائها.. ذكّر نفسه، لم آت لمتعة الذوبان في سحر ابتسامتها أو لترميم ما قد انكسر… هناك انكسارات لا تُرمّم، هذه العلاقة بلغت حدّها الأقصى، بلغت منتهاها… كان قد أحس منذ أشهر أن تهافت الأصدقاء عليها والاهتمام الذي حظيت به قد أغراها وغيّرها… تساءل، هل تغيّرت بهذه السهولة أم أنها كانت منذ البداية تختفي خلف قناع متقن إلى أن حققت مبتغاها، وتحققت أمنيتها القديمة بتحقيق شهرة تشفي غرورها المخفي وتهيل التراب على ما في النفس من فراغ وطوق إلى الانتفاخ وامتلاك السطوة؟ تحقق لها ذلك فأسقطت القشرة، لم تعد تحتاج إلى مساحيق… منذ بداية ظهورها في الصحف والمواقع خامره إحساس أن ما بينهما بدأ يفقد أسباب وجوده، وأن ما كان صلبا أصبح رخوا، بعض الأحاسيس بدأت تجف، تتيبّس قبل أن تموت.
الآن مع سقوط الأقنعة واتضاح الرؤية بعد أن تطهر من حبه لها بدم جراحه كتب لها: عندما نفقد التعلق العاطفي بشخص ما، ندرك كم هو عادي… حُبّنا له يجعله يبدو مميزًا وفريدًا، عين المحب تضفي الخارق على العادي وتمنحه هالة حسن وإغراء وجاذبية ليست فيه، الآن أراك بلا مساحيق.
لم يرسل لها ما كتب ربّما لأنه كتبه لنفسه وليس لها، كتبه بغرض إفراغ شحنة الغضب التي فاضت في كيانه.
سار معها إلى حيث تركت سيّارتها، ودّعها، عاد إلى المقهى، اختار نفس المقعد، كان قد اتخذ قراره حتى قبل مغادرتها، شعر برغبة في كتابة رسالة أخيرة لها أو لروحه المخنوقة بالفراغ.. كانت روحه وأحلامه… أحبها بلا مخلفات ولا انتظارات ولا شروط ظاهرة أو نائمة أو مترصدة في اللاشعور لم يحس مطلقا برغبة في جسدها ولا حتى مرّ ذلك بخاطره، رغم أنّه أحبها كما يحب الحياة بشغف لانهائي، لم يفكّر لحظة في امتلاكها، نحن لا نملك الحياة كان يقول، ولا نحصرها أو نسجنها، كان يراها بحجم الحياة وأكبر ويؤمن إيمانا لا يتزعزع أنها التجسيد البشري للجانب المشرق في الحياة… كان مقتنعا ومسكونا بحضورها، جاهزا أن يمنحها حياته لو اقتضت الضرورة، يتبرع لها بإحدى كليتيه، يهبها قلبه، الغريب أنّ أمواجا من الفرح تغمره وهو يتخيل ذلك، يقول عشت بما فيه الكفاية، أحببت الحياة وأحبتني خبرتها وخبرتني وتصالحنا.. عشت بما فيه الكفاية وأكثر ولن أضيف إلى هذا العالم شيئا سأكون عبئا عليه لكن حياتها تضيف الى الوجود جمالا.. الحياة بها أجمل وأروع… لكن للأقدار وجهة نظر أخرى لا تستشيرنا ولا تعبأ بنا، وهو لا يعرف أنصاف الحلول، انتهى ما بينهما ولا جدوى من المجاملات والنفاق لن يسمح لها حتى بعبور خواطره وأفكاره، ذلك ألم لا يطيقه ووهم ينزف وجعا وأسى ورغم أنه وعدها قبل الوداع الأخير بإعادة مخطوطات قصائدها وما نشر منها إلّا أنه ربّما للمرة الأولى منذ وعى على الدنيا قرر أن يخل بوعده.. أوجد لنفسه المبرر المقنع… الانسانة التي وعدتها بذلك لم تعد موجودة، لعلها لم توجد أصلا، اختلقتُها حلما، غيبا سحريا، طيفا من خيالٍ، صحوتُ فكانت دخانا تبخر واندثر، المرأة التي وعدتها غير موجودة، هذه امرأة غير التي وعدتُ احداهما نسخة مزيفة عن الأخرى.
عاد إلى مرافقته، كانت بانتظاره جسدا وروحا، اتحد الجسدان أمّا روحه فكانت في مكان آخر.
قضت النهار بين ألواحها ورسوماتها وقضّاه موزعا بين الماضي والحاضر، بين أحاسيسه وأفكاره، بين وضوح القرار وغموض المعنى، بين الحزن واللاشيء، بين الحضور والتلاشي… المؤكد، عليه الآن أن يتخلّص منها ينزعها من روحه كما تنزع قطعة ثياب قديمة عن الجسد.
للأنثى غرور فطري وشكّ مركّب…..
ليلا وهما في عتمة نور خافت يضفي حميمية دافئة سألته رفيقته وجسدها كقطعة مرمر عارٍ أمامه، مبلل بحبات ماء لم تجف بعد، جسدها لمّاع يضيء يطلق رغبة ويوقد نارا:
مازلت تحبها؟ تغيب أحيانا، تراني ولا تراني.
قال في صمت كيف لا أرى هذا الجسد؟ همس وهو يضع شفتيه على شفاه مكتنزة بالرغبة:
هي خيال عابر وأنت واقع حي أجمل من الخيال، هي ماضٍ يتعفن في الذاكرة مع كل يوم يمر، أنت فرح متدفق بالحياة… أضاف وهو يغوص في نار لذة حامية:
ربّما نشكرها معا على غدرها، لولا أنانيتها وغدرها لبقيت ألفّ وأسبحُ أعمى في فلكها..
خيوط الضياء ما زالت لم تنبئ بعد بابتسامة الفجر، لم ينم إلا ساعة أو أكثر قليلا، لكنه لم يحس بتعب النوم أو خذلان الجسد، جسدها عارٍ كنجمة مضيئة، تركها، جلس في غرفة الجلوس في صمت مع إضاءة خفيفة، أحس بدفء روحه متناغما مع دفء المكان… الورقة والقلم جاهزان دائما.. كتب: لا شيء يعجبني سوى
جسد امرأةٍ يشعلني ويشتعلُ..
أكمل كتابة القصيد قبل أن يصحو الجسد العاري النائم في الغرفة المقابلة، هل كتبها إيمانا أم انتقاما؟ لا يدري.. أرسلها للنشر، فتح باب الشقة.. خرج يبحث عن إجابة أم لشراء بعض الأغراض؟ لا يدري بالضبط.. فوضى وخصام بين حواسه وفوضى وخصام وتشتت في أفكاره وفتنة لا يعرف كيف يُرتّبها.
عاد وبيده عدد من الكتب والمجلات.. أربع ساعات قضّاها في التسكع بين المكتبات والمقاهي.. دخل الشقة، لم تكن في غرفة الجلوس ولا في غرفة النوم، أغراضها على المنضدة، خمّن أنّها في المرسم، غرفة بلا نافذة حوّلتها إلى مرسم صغير، بلا إضاءة إلّا ما يضيء أعماقها ولمبة صغيرة تضفي على المكان حميمية شاعرية ورغبة في الاختلاء بالنفس والتأمل.. مغلقة على أفكارها ومشاعرها تتجسد حياتها في أمرين متساويان في الأهمية، الرسم وصهيل الجسد، تمارس الجنس بلذة وشبق جامح ونشوة عنيفة أحيانا كأنها تريد احراق العالم وبلين أحيانا أخرى كأنها من ورق الورد.
قرب المرآة لفت انتباهه رسم غير مكتمل لم يكن موجودا قبل خروجه.. الوجه وجهه، الملامح ملامحه والنظرة نظرته عميقة وبريئة وتكاد تنطق.. الجسد يشبهه حتى في تفاصيل التواءاته… ابتسم ابتسامة عريضة، اقترب ليتأكد.. اتسعت ابتسامته.. مكان القلب قنبلة، الأمعاء والعروق أسلاك شائكة..
يا الاهي، نطق بها دون أن يشعر، ثم صاح بأعلى صوته مجنونة وأطلق ضحكة من أعماقه..





