محاولة لفهم ظاهرة الشتيمة لدى الإسلام السياسي

أحمد عمر زعبار: شاعر وإعلامي تونسي مقيم في لندن
قبل البدء
ظاهرة لفتت انتباهي منذ فترة شبابي الأولى أيّام كنت منتميا بحماس ايماني وفكري كبير إلى مشروع الإسلام السياسي هي ظاهرة الشتائم في خطابات الإسلامويين ومناقشاتهم مع مخالفيهم، فأنت لا تكاد تختلف مع أحدهم في أبسط المفاهيم أو المواقف حتى تُنعت بعدو الإسلام والحاقد على الدين وعدو التراث والجاهل والسطحي والحاقد والمنبتّ والعميل إضافة إلى مئات الشتائم المقذعة الأخرى جنسية وغير جنسية تصل في كثير منها إلى شتم كل ما ينتمي إلى المؤنث في حياتك (الأم، الأخت، الزوجة، الابنة، الجدّة….). أذكر أني نشرت سنة 2012 قصيدا بعنوان “طلع الجهل علينا” لاقى القصيد انتشارا واسعا جدا وكُتبت عنه مقالات صحفية بجرائد عربية منها الأهرام والشعب المصريتين، اتهمني بعضها بالصهيونية والماسونية والعمالة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية كما عارض البعض القصيد بأبيات تشتم والدتي المتوفية (شتائم جنسية طبعا) وكانت كل الردود على القصيد سردا للشتائم لا أكثر.. أذكر أيضا أن الدكتورة وفاء سلطان كانت في حوار مع أحد شيوخ الدين وسألته أين البلاغة في قول الله ” والخيل والبغال والحمير لتركبوها” فأجابها الشيخ وقد كان الحوار متلفزا: “نعم قال الله لتركبوها ولم يقل لتناقشوها” إجابة الشيخ هذه التي لم تحترم المرأة المحاورة ولا الجمهور وناقضت مبادئ الإسلام وناقضت كل سلوك حضاري لاقت استحسانا ونشوةً من الإسلامويين تمثلت في انتشار المقطع كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي بتأييد اعتبر الرد الهمجي والمتخلف والتعاطي الغير حضاري والغير إسلامي نصرا للإسلام والمسلمين، ومع توسع فضاء الإنترنت ومواقع التواصل الافتراضي، استفحلت ظاهرة الشتائم في المحادثات الإلكترونية بين الإسلامويين ومخالفيهم إذ يشعر نشطاء الإسلام السياسي أن المنصات الافتراضية أصبحت منفذًا سهلًا لتفريغ الكبت من خلال ما يرونه مناسبا من شتائم دون مواجهة مباشرة مع (الخصم) فأصبحت التعليقات مليئة بالسباب والتجريح الشخصي دون ضوابط. ويرجع محللو السلوك ذلك إلى إحساس المستخدم بحرية غير مشروطة على الإنترنت وغياب الرقيب، مما يغري البعض بإخراج أسوأ ما لديهم من عدوانية لفظية، ويرصدُ كلُّ من يتابع منصّات التواصل الاجتماعي أنّ أيَّ نقاشٍ أو محاولةٍ للحوار مع المنتمين إلى الفكر السياسي الإسلامي تتحول غالبا إلى إساءاتٌ وشتائم موجَّهة إلى المخالفين، بدلًا من تبادل الحجج والمعطيات. هذه الظاهرة، الواضحة لمن يتابعها عن كثب، تفرض نفسها على مشهد النقاش العام. ورغم أنّ هذه الصفحات افتراضيّة، فإنّها لا تنفصل عن الواقع الاجتماعي؛ بل تنقل آراءً حقيقيّة لفئاتٍ واسعة وتكشف مستويات الخطاب السائدة. وعليه، تبدو منصّات التواصل مرآةً مُكبِّرة للمجتمع، ترصد نبضه وتعيد إنتاجه، لا مجرّد فضاءٍ رقميٍّ عابر، والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يدفع أفرادًا أو جماعات تزعم الانتماء إلى الله إلى اتخاذ الشتم قاعدةً للحوار، خلافًا لقول القرآن: “وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ” + «وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن»؟ وخلافا للسنة النبوية “ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء” + ” سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر” هل هي الرغبةٍ في احتكار الحقيقة وتوظيف الدين سياسيًا، وضعف الحجة أم الضغوطٌ الاجتماعية والنفسية التي غالبا ما تُنتج خطابًا انتقاميًا؟
في فهم ظاهرة الشتائم
تسعى هذه المقالة إلى تقديم مفهومٍ اللشتيمة وأسبابها النفسية مع بعض الإشارات إليها كظاهرة اجتماعية، اعتمادًا على ما انتهى إليه علم النفس… هذه الشروحات خلاصةُ دراساتٍ علميةٍ نفسية معاصرة وليست مواقف أو آراء انطباعية.
ترتبط الشتيمة ارتباطًا وثيقًا بالانفعالات، تنشأ غالبًا كردّ فعل عفوي لحالة غضب أو ألم أو توتر شديد ويرى علماء النفس أنّ إطلاق السُّباب يكون غالبا محاولة ورغبة في تنفيسٍ انفعالي يخفّف من حدّة التوتر الداخلي. يستخدم الأفراد كلمات نابية كوسيلة لتفريغ شحنة الغضب (أو الألم) بدلًا من كبتها، وبحسب علم النفس فإن الشتائم تمنح قائلها إحساسًا وهميا بالقوة والسيطرة في المواقف السلبية حيث يشعر الفرد أنه استعاد شيئًا من زمام الأمور بمجرّد تلفظه بكلام بذيء، بدل البقاء في موقع المنهزم أو الضحية المستسلمة، وبهذا المعنى، يعتقد الشاتم واهما أنّه كسر حالة العجز خصوصا أنّه كثيرا ما يُنظر إلى السبّ والشتيمة كنوع من التأكيد الانفعالي أو التعبير الصريح عن الذات دون مواربة ودون تحفظ أو مراعاة للضرورات الاجتماعية
الشتيمة كآلية تعويضية عن النقص
تناول علم النفس ظاهرة الشتم بوصفها آلية دفاعية لدى البعض لتعويض مشاعر النقص أو انعدام الأمان إذ يُلاحظ أن الأشخاص الذين يكثرون من إهانة الآخرين ووصفهم بنعوت سلبية قد يكونون في الحقيقة يعانون انخفاضًا في تقديرهم لذواتهم، ويلجؤون للهجوم الكلامي كوسيلة لإخفاء عيوبهم أو نقاط ضعفهم الشخصية، ويرى علماء النفس أن الفرد ينسب للآخرين صفات مذمومة موجودة فيه أو يخشى وجودها فيه عبر نسبة تلك الصفات إليهم وإسقاطها عليهم، فعلى سبيل المثال، قد يلجأ شخص يشعر بالغباء في قرارة نفسه إلى شتم الآخرين ونعتهم بالغباء على نحو متكرر. إلى جانب مفهوم الإسقاط يشير علماء النفس كذلك إلى مفهوم التعويض (Compensation) فالفرد الذي يعتريه إحساس بالنقص في جانب ما قد يبالغ في سلوك عدواني لفظي كي يظهر تفوّقه الموهوم ويستعيد محاولة توازنه وثقته بنفسه فهو بخطابه المهين يخيّل إليه أنه أظهر شخصيته القوية، ولكنه في الحقيقة لجأ لذلك ليخفف عن نفسه شعوره بالإحباط أو لينفس عن ضغوط نفسية يمر بها كما يرى الأخصائيون أن هذه السلوكيات قد ترجع أيضًا إلى ضعف النضج الفكري واضطراب التحكم بالنفس وعجز الفرد عن كبح النزعة العدوانية تجاه الآخرين، وبناءً على ذلك، يمكن فهم سلوك الشتم عند البعض بأنه تعويض نفسي يهدف إلى ستر الهشاشة الداخلية وراء ستار من العدائية الظاهرية. فالمُهاجم لفظيًا قد يبدو واثقًا قويًا، لكن دافعه العميق ربما يكون حماية ذاته من شعور بالدونية أو الفراغ النفسي وهذا قد يفسّر سلوك بعض الفاشلين باستهداف الناجحين والمتفوقين بشتمهم فذلك يمنح الشاتم راحة مؤقتة من مواجهة إحساسه بالفشل أو الحسد. وباختصار يمكن من خلال ما سبق القول إن السبّ درع زائف يلجأ إليه ضعيفو الثقة بالنفس، وهو أشبه ما يكون بمن يحاول إخفاء جرحه بالصراخ في وجوه الآخرين.
الوظائف الاجتماعية والثقافية للشتائم
قد تُوظَّف الشتائم كسلاح اجتماعي لتأكيد العلاقات غير المتكافئة، إذ يكون السباب أداة لترهيب الطرف الآخر أو تأديبه اجتماعيًا واستغلال الشتيمة لإظهار السيطرة ودفع الآخر إلى الخضوع. هذا الاستخدام العدواني يندرج ضمن ما يسمى الإيذاء اللفظي، ويرى عدد من علماء الاجتماع أن الشتم هو انتهاك متعمد للتابوهات بقصد صدمة السامع أو استفزازه
وهكذا تظهر ظاهرة الشتيمة كتقاطع معقّد بين النفسي والمجتمعي. فمن جهة نفسية، للشتم جذور في التركيبة الإنسانية كوسيلة للتعبير عن الانفعالات الحادة وتفريغ المكبوتات العدوانية والتعويض عن نقائص الذات. وهو سلوك يحمل في طياته فوائد آنية للفرد مثل تخفيف الألم والتوتر أو إشعاره بالقوة والسيطرة، لكنه في الوقت نفسه قد يدل على صراعات داخلية كامنة أو آليات دفاعية كالإسقاط والتعويض عن الشعور بالنقص.
من البديهي الواضح أن الأشخاص الذين ينفعلون ويشتمون عند الاختلاف لا يمتلكون القدرة على احترام الآخر ولا قبول رأيه، ولا القدرة على تقبل مبادئ الديمقراطية وهم ليسوا قادرين على التعامل أو التفاعل حضاريا مع الآخر لأن من يتصور أنه المالك الوحيد والحصري للحقيقة المطلقة ويرفض مجرد رؤية مغايرة، ويضطرب عند السؤال أو النقد، إنما يكشف عن انغلاق ذهني وضعف في شخصيته لا عن قوة حجته. إضافة إلى أنّه لا يحترم دينه ولا أخلاق دينه، فالسلوك العدواني لدى المتدينين الإسلامويين وفي أنماط التدين السياسي عمومًا ليس دليل قوة، بل مؤشر واضح على التوتر الداخلي والهشاشة الفكرية وتعبير عن ضعف في القدرة على التفاعل مع متطلبات العصر، إذ أن اللجوء إلى الشتائم بدلاً من الحوار المنطقي يكشف رفضًا للآخر وعدم استعداد للقبول بالتعددية باعتبارها شرطًا من شروط الممارسة الديمقراطية. كما يعكس هذا النمط من التدين عجزًا عن فهم متطلبات الدولة الحديثة وإدارتها، لأن الانغلاق الإيديولوجي يحول دون أي تفاعل إيجابي مع مفاهيم العقلانية والمؤسسات والقانون. وهذا كله يمثل دليلًا إضافيًا على عدم فهمهم لمتطلبات العصر ولا حتى لجوهر الدين إذ لم يتجهوا إلى الدين بوصفه فضاءً لتطوير الذات والارتقاء الأخلاقي، بل استدعوه ليغطي هشاشتهم النفسية ونقائصهم الشخصية وتوتراتهم الداخلية، فحوّلوا التدين إلى قشرة دفاعية بدل أن يكون منظومة قيمية تبني الإنسان وتنفتح على العالم.
ملاحظة1
ربّما إلقاء نظرة سريعة على تجارب الإسلام السياسي في حكم وإدارة الدول التي سيطر عليها قبل (الربيع العربي) كأفغانستان وبعده تؤكد لنا بعض جوانب ما ذكر في هذا المقال فمن اعتمد على الإقصاء والرفض والشتائم والتخوين والإبعاد بدل الحوار والمؤسسات كانت نتيجة سياسته انهيارًا للدولة وتمزقًا للمجتمع، لأن خطابًا يرفض الآخر لا يستطيع بناء نظام حديث أو إدارة دولة معاصرة.
ملاحظة2 (علمية):
لاحظ العلماء أن الأشخاص الذين يتعرضون لإصابات في مناطق الدماغ المسؤولة عن اللغة قد يفقدون القدرة على الكلام العادي بينما يستمرّون في القدرة على السبّ بطلاقة مذهلة مما يشير إلى أن الشتائم تُخزَّن أو تُعالج في الدماغ بطريقة مختلفة عن اللغة العادية ربما في مراكز انفعالية أكثر بدائية
المصادر:
news.harvard.edunews.harvard.edu.
psychologytoday.com.
aljazeera.net.





