مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
السرد الأدبي

في رثاء صداقة منتهية✍أحمد عمر زعبار

رجل يجلس على طاولة أثناء مناقشة أو مؤتمر، يرتدي قميص أبيض ويحمل ساعة على معصمه، بجانبه زجاجة ماء وكوب بلاستيكي.

يبدو أن صداقتنا بلغت منتهاها.

تدركين كما أدرك أن ما بقي منها ،تحياتنا الصباحية، فقدت معناها… أصبحت تشبه حالة لاعب في التسلل في لعبة كرة القدم…

أصبحت إما مجاملة أو ما يشبه تظاهرا متفقا عليه بأننا مازلنا (على العهد) أو أن خيط أملٍ يجب أن يبقى.

تعرفين كما أعرف أنني (كما أنت) أمقت التظاهر ولا أحب المجاملات لأنها تشويه للحقيقة، قد تُبَهرجنا وتُزيننا بما ليس فينا، وقد ترسم عنّا صورة غير تلك التي هي نحنُ… ما كان بيننا كان أسمى من المجاملات، أنظف، أنقى، أرقى وأجمل… أجمل بكثير من كلمات تقال للمجاملة، ما كان بيننا، كان جمالا مكتملا، مكتفيا بذاته لا يحتاج إلى تجمل أو…. مجاملة

معك لا انصاف حلول أو أنصاف مواقف أو انصاف صداقات… أنت لا تُقبلين إلا كما أنت بكمالك.

كيف تسلل إلينا الروتين والصدأ فانكفأ الأمل وانكفأ الفرح العفوي البريء الصافي…؟ كيف ومتى تعطّل ذلك الشوق وأصابه العطب ولم يعد أيّ منا يستشعرُ ما في أعماق الآخر حتى دون كلام…؟ كنا نسمع صمت بعض.. نفهمه ونستجيب له بوِدٍّ ومحبة

ثمّ… صرت أسمع صمتك ولا تسمعين صمتي

كان صمتي

لغة هو أنت

وتحول وجعا هو أنت، لكنّك أدركت منه المعنى الخطأ

كانت صداقة ولم تكن حبّا

كنت أخاف أن أحبك وكنت ترفضين أن أحبّك… أنا أخاف أن أحبك ليس لأن الحب خطأ أو خطيئة بل لأن صداقتي فيها من الحب والمحبة والعناق الروحي ما يتجاوز ويسمو عن أي حب بين ذكر وأنثى.

لم أحبك ذلك الحب المرعب الذي كنت ترفضينه وربّما تخافينه، كل ما تجرّأ خيالي أن يتمنّاه من “رومنسية” هو أن نكون جالسين في مكان عام، شاعري وجميل، أن أقول لك بتلقائية طفولية: أنت أروع وأنقى وأرقى وأجمل إنسانة على هذا الكوكب… أن أتجرّأ وأقول لك: أنت هدية الحياة لنا لنحب الحياة أكثر ثم أقف ويداي ورائي… أقبلك من رأسك محبة واحتراما واعتزازا وهو شرف لم تنله قبلك إلا والدتي.

تلك الصداقة لم تكن لحظة عابرة ولا خاطرة أو فكرة، كانت مرحلة دقيقة جاءت لتنقذ حياتي من روتين بطعم الصدأ وتمنحها معنى آخر، ولذة أخرى وفرحا غامضا ليس في المطلق والعموم فقط بل وفي أدق تفاصيلها أيضا، منحتها معنى الجمال والمحبة والإبداع.. معنى أن أكون واضحا مع نفسي وأمامها، واضحا وعاريا إلا من الصدق، معنى أن تكون صداقتك مرآة أعماقي… في ضحكتك أراني وفي أمانيك أراني، في آمالك في فرحك في قلقك في غضبك في صدق إنسانيتك… صداقتك كانت لحظة ولادة جديدة وطَيِّ بل تمزيق صفحات رمادية تسمى حياة، صداقتك كانت نهاية ماضٍ بطعم واحد ولون واحد رمادي باهت، إلى أن ظهرتِ لا كمعجزة، لا كوحي بل كروح بِكرِ تُنفخ في روح غير بكر فكنت كل ذلك وأكثر… كنت الصديقة الحُلم… ربّما كنتِ (أنا الآخر) الذي أنهكني البحث عنه، أو ربّما كنت نقيضي الذي كشف لي سيئاتي وخلصني بمحبته الطاهرة منها.. لكن الأكيد المُؤكد أني بفضل جمال حضورك وصفاء روحك وأناقة صداقتك تطهرت مما تراكم في أعماقي وفي لاشعوري من سواد غير مرئي ومن هفوات كادت أن تصبح طباعا… الآن يدرك هذا الأنا أنّه كان قبل أنتِ على الهامش…. هامش المعنى الحقيقي للصداقة، للفرح للمحبة، لكنه رأى من خلالك الدنيا كهدية وليست كروتين صفحات مكررة لا جديد فيها أو كإطار يضبط ويحاصر أيّاما تمر بل هدف أو معنى حقيقين.

كل ما هو جميل ينتهي بسرعة أو هكذا يقنعنا الواقع ورغبتنا في لانهائية حال النشوة والنيرفانا التي تغمرنا في حضرة من نحب أو تَحقُّقِ ما نسعى إليه، ولأن النهايات حتمية بالضرورة ولا مفرّ منها، أتمنى أن تُنسى تلك المشاعر، تلك الصداقة لا أن تتعفن وتموت.. لا أن تنتهي كجثة عفنة في الذاكرة.. أتمنى أن تكون نهايتها كنهاية أوراق الورد بين دفتي كتاب، تعطره رغم جفافها الشبيه بجفاف صداقتنا.. تعطره رغم الزمن ورغم السنين…

لن أتهم الظروف… في صداقتنا كنّا نحن الظروف صنعناها وعشناها… لن أتهم أحدا، لا انا ولا أنت، ربما كانت هذه المحبة/الصداقة أكبر مني ومنك وأكبر منّا مجتمعين لذلك لم نتحمّلها وتركناها دون وعي ودون إحساس تلفظ أنفاسها أمامنا وفي أرواحنا…

مازلت أجد لك الأعذار دون عناء بحث (ربّما هي المحبة) لن أقول أنّك لا مبالية أو مستهترة بصداقتنا سأقول أنّك لم تفهمي معنى أن تكون صداقة امرأة توازي صداقة الحياة في أعلى درجات فرحها

كانت أكثر من صداقة كانت حياةً وكل حياةٍ إلى نهاية محتومة

هل أفقد بعضا مني بموت صداقتنا…؟ هل أفقد بعضا مني بفقدانك…؟ دون شك… بعض الخسارات يُحتملُ… ما لا يُحتملُ أن يخسر الإنسان ذاته.. يقف أمام المرآة فيتقزز مما يرى تلك هي الخسارة الكبرى

شاعر وإعلامي تونسي مقيم في لندن

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading