د. نهال أحمد يوسف – مسرح كاشف المستور

في ليلة ارتدت فيها القاهرة وشاح السكون، وتلألأت أنوار مسرح سنبل كنجوم بعيدة، خُضت وعائلتي غمار تجربة فنية لم تكن مجرد عرض مسرحي، إنما كانت رحلة عميقة في جوهر الفن الأصيل ومرآة شفافة تعكس أوجاع أمة وآمالها. لم تكن تلك الليلة سوى لقاء حميم مع روح المسرح المصري المُلتزم على يد فارسه الأخير، الأستاذ محمد صبحي، الذي وَصف مسرحه وعمله في مقدمة صوتية مؤثرة قبل أن تُرفع الستار “إنه مسرح يتمسك بجذوره”. وبالفعل، هو تجسيد حي لمعنى الفن الحقيقي، لدوره المجتمعي، ولأهدافه السامية التي باتت تتوارى خلف ضباب عصر يركض نحو الاستهلاك والابتذال. غمرني شعور لا يوصف بالبهجة وأنا أرى جمهور الحاضرين وبه صغار السن يغوصون في بحر هذا النوع من الفن الهادف. فن بوسعه أن يُرسّخ في وجدانهم معاني الأرض والانتماء والوطن، في زمن تٌحاول فيه تيارات الاغتراب أن تستقطب كل ما هو ليس مِنّا. هذه التجربة لم تكن مجرد لحظات عابرة من المتعة، لكن كانت شرارة أيقظت في داخلي تساؤلات عميقة حول حال الفن المصري الراهن، وعن تلك القيم الراسخة التي بدأت تتلاشى مع كل نجم أصيل يغرب عن سمائنا، تاركاً فراغاً لا يملؤه سوى سؤال مؤرق: من سيحمل الراية بعد الرواد؟
لطالما كان المسرح المصري في أزهى عصوره نبضاً حياً للضمير الوطني، ومرآة تعكس تحولات المجتمع وتطلعاته. لم يكن مجرد وسيلة للترفيه، إنما كان منبراً للفكر، ومعملاً للأفكار، ومساحة آمنة لطرح القضايا الشائكة بجرأة وعمق. كان الفن والمسرح على وجه الخصوص، بمثابة الذاكرة الجمعية للأمة، يحفظ تاريخها، ويسجل آلامها، ويُحيي أمجادها. لقد شهد مسرحنا قامات فنية وفكرية استطاعت أن تُحدث فرقاً حقيقياً في الوعي العام، وأن تُشكل جزءاً لا يتجزأ من هويتنا الثقافية والفكرية. إلا أن هذا الإرث العظيم يواجه اليوم تحديات جمّة. ففي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتغير فيه أولويات الفن ليصبح سلعة تُقاس قيمتها بمدى ربحيتها وجماهيريتها السريعة، نكاد نفقد بوصلة الفن الهادف والعميق. في خضم هذا المشهد الذي يزداد ضبابية، يَبُرز اسم محمد صبحي بمثابة صوت لا يزال يَصْدَحُ بصدق الفن ورسالته النبيلة. هو ليس مجرد فنان، لكن هو حارس أمين لمعبد المسرح الذي يتمسك بتقاليده وقيمه الراسخة، رافضاً الانسياق خلف موجة الابتذال والتسطيح. يُمَثل صبحي استمراراً لنهج فني يؤمن بأن الفن مسؤولية، وأن الكلمة على خشبة المسرح لها وزنها وثقلها.
لم تكن “فارس يكشف المستور” مجرد مسرحية جديدة في رصيد صبحي، إنما تعد امتداداً طبيعياً وعمقياً لمشروعه الفكري والفني الذي ظهر بمسلسله الجرئ “فارس بلا جواد”. ما يميز هذا العمل بشكل لافت هو التناغم البديع بين تماسك النص وقوة الفكرة المطروحة، فالسرد لم يسرِ في مسار واحد جامد، لكنه تشعب إلى تيارين متوازيين يتكاملان ليخدما رسالة واحدة نبيلة. التيار الأول، الأكثر وضوحاً وإلحاحاً، تمحور حول تأكيد الحق الفلسطيني الأصيل في أرضه السليبة، مُسَلطاً الضوء على دور الكيان الص*هي*وني في اغتصابها، والتواطؤ الأمر*يكي المفضوح الذي يُغذي هذا الاغتصاب. أما التيار الثاني، فلم يكن أقل أهمية وتأثيراً، إذ قفز بجرأة إلى الواقع المصري، مُسِقطاً بعض الأحداث العالمية على الأوضاع الداخلية لمصر، ومُناقشاً بوعي كيفية تطويرها والنهوض بها من كَبوتها. ولم يغفل العمل عن إسقاط ثالث، بالغ الأهمية، يتعلق بالدور العربي في القضية القومية الأهم، وهي الأرض الفلسطينية، مُتسائلاً عن معنى العروبة الحقيقي، وداعياً إلى تكاتف الأمة العربية لتحقيق حلم مشترك لطالما راود الأجيال.
لكن براعة هذا العمل لم تقتصر على قوة النص وعمق الفكرة، بل تجلّت في اهتمام فني بالغ الدقة بكل التفاصيل التي أضافت طبقات من المعنى والرمزية. كانت رمزية الأسماء والملابس والألوان بمثابة مفتاح سري يكشف حقيقة كل دور ويعزز رسالته، محولاً كل عنصر مرئي إلى جزء لا يتجزأ من السرد. لم تكن هذه العناصر مجرد لمسات جمالية عابرة، إنما كانت إشارات ذكية تُشَجع العقل على التفكير العميق والربط بين ما يُعرض على خشبة المسرح وما يعكسه من واقع، دون أن تكشف صراحة عن دلالاتها، تاركة للمُشاهد فرصة الاستمتاع بفك رموزها واكتشاف المعاني الكامنة وراءها بنفسه. وقد تضافر هذا الاهتمام بالتفاصيل مع الأداء المتناغم والمتناسق للمجموعة الكاملة، حيث بدا الممثلون مثل الجسد الواحد الذي يتحرك بتناغم فني راقٍ، تعززه الأغاني والموسيقى التصويرية المعبرة التي لم تكن مجرد خلفية صوتية، إنما جزء لا يتجزأ من السرد الدرامي والرسالة الفنية، تلامس الوجدان وتثري التجربة. ولم تكن الديكورات وغيرها من العناصر أقل إتقاناً، فقد بدت كلها مصممة بعناية فائقة، لتقدم تجربة بصرية وسمعية متكاملة تثري الروح وتحفز الفكر، تاركة بصمة عميقة في وعي المشاهد.
تتجلى عظمة التجربة الفنية أحياناً قبل أن تُرفع الستار أو تُضاء الأضواء الكاشفة. فقبل أن ندخل قاعة العرض في مسرح سنبل، وجدنا أنفسنا نسير في معرض مُصّغر من الفن والحياة. في القاعة الأساسية للدخول، كانت تعرض مجموعة من الصور العِملاقة لعمالقة الفن المصري الراحلين، في لفتة تقدير مَهيبة لتاريخ عريق، وكأنها تُذكرنا بأن هذا المسرح هو امتداد لجيل بَنى وحَفر اسمه في الصخر. وفي جانب آخر، خُصصت مساحة لعائلة “ونيس”، الشخصيات الأيقونية من مسلسل صبحي الشهير، تُذكرنا بقيم الأسرة المصرية الأصيلة التي لطالما دافع عنها. وفي جانب ثالث، رُصت ميداليات وجوائز صبحي العديدة، شاهدة على مسيرة حافلة بالعطاء والتميز. لكن ما استوقفني حقاً، وما ترك في نفسي أثراً عميقاً، هو تلك الصور لزوجته الراحلة، التي لم ينس صبحي أن يشير إلى أنها كانت جزءاً لا يتجزأ من رحلة نجاحه، في لفتة إنسانية تضيء جوانب الفنان البعيدة عن الأضواء. هذا الاهتمام بكل تفصيلة، حتى بأفراد فريق العاملين المُنَظمين الذين عكسوا صورة لهذه المنظومة المتكاملة والمنسقة بالكامل، يعزز الانطباع بأننا أمام تجربة فنية لا تقتصر على ما يحدث فوق الخشبة فحسب، بل تمتد لتشمل كل ما يحيط بها، لتشكل عالماً متكاملاً من الاحترافية والشغف والتقدير للتراث.
في خضم هذا التماهي مع الفن الأصيل، وفي تأملي لكل هذه التفاصيل التي رسمت لوحة فنية وإنسانية فريدة، أتى في بالي سؤال قد يبدو مُظلماً، ولكنه ألّح عليّ بإصرار لا يقاوم: وماذا بعد محمد صبحي؟ فكما قال صبحي نفسه، إن مسرحه -المسرح للجميع- يُمثل “المسرح المتمسك بجذوره”. كيف يمكن لهذا المسرح، بكل ما يحمله من قيم ومعان، أن يستمر حقيقة وضمانة بعد رحيل رواده؟ إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إنتاج أعمال فنية ذات قيمة، لكن يتسع ليشمل كيفية الحفاظ على رموزنا الفكرية والثقافية عموماً، وإبقائها حية في الذاكرة الجمعية للأمة. فما نراه مؤخراً من حملات تشويه لرموز فكرية وثقافية عظيمة، عاشت وأعطت وأثرت فكر المجتمع المصري بعمق، يُشكل خطراً داهماً على هويتنا وتاريخنا. هذه الحملات، التي تُغذيها أحياناً الأجندات الخفية أو الجهل بتاريخ العظماء، تهدد بتدمير جسور التواصل بين الأجيال وسلب الشباب نماذج يحتذون بها. إن تشويه الإرث الفكري يعد جريمة في حق الوعي الجمعي، لأنه يفقد الأمة بوصلتها ويعريها من رصيدها المعرفي الذي بناه الأجداد.
لذلك، يجب أن يكون سعينا حثيثاً لضمان استمرارية هذا النوع من الفن الهادف الذي لا يساوم على قيمه، وأن نتجاوز ذلك إلى وضع استراتيجيات شاملة لحفظ الإرث الفكري والثقافي المصري. يمتد هذا السعي ليشمل تعزيز دور المؤسسات التعليمية والثقافية؛ فيجب أن تعيد المناهج التعليمية، من المدارس وحتى الجامعات، النظر في طريقة تقديم رموزنا الفكرية والثقافية. فبدلاً من السرد السطحي، يجب أن تركز على تحليل أعمالهم وفلسفاتهم بعمق، وغرس ثقافة التفكير النقدي والتقدير الواعي للتراث الوطني. كما تصبح المتاحف والمكتبات والمراكز الثقافية بمثابة خزائن للذاكرة الحية، تُعنى بتوثيق أعمالهم، ورقمنتها، وإتاحتها للجمهور بأساليب جذابة تحفز الفضول وتشعل شرارة المعرفة في النفوس.
وعلى صعيد موازٍ، تقع مسؤولية جسيمة على عاتق الإعلام الهادف، فله دور محوري لا يمكن إغفاله في تشكيل الوعي العام. يجب أن يضطلع الإعلام بمسؤوليته الوطنية والأخلاقية في مكافحة المعلومات المغلوطة والتصوير المشوه لرموزنا. ينبغي أن يقدم برامج وثائقية عميقة ومناقشات موضوعية تسلط الضوء على إسهاماتهم الحقيقية، وتقدم نقداً بناءً بعيداً عن التجريح أو التشويه، معززاً بذلك ثقافة الاحترام والتقدير المتبادل بين الأجيال.
إن هذه المهمة الجليلة لا يمكن أن تقع على عاتق المؤسسات وحدها، إنما تتطلب تفعيل المشاركة المجتمعية الواسعة. يجب تشجيع المبادرات المجتمعية الفردية والجماعية، وبرامج الشباب المبتكرة، والحوارات البناءة بين الأجيال المختلفة لتبقى هذه الرموز حية ومتجددة في الوعي العام. تنظيم الورش التفاعلية، والندوات الفكرية، والمهرجانات الثقافية التي تحتفي بإرثهم وتقدمه في صورة معاصرة وجذابة يمكن أن يعيد بريقهم ويقربهم من قلوب وعقول الشباب.
كما يصبح من الضروري دعم الإنتاج الفني الهادف؛ يجب على الدولة والقطاع الخاص أن يقدما دعماً مالياً وسياسياً غير مشروط للإنتاج الفني الذي يُعلي من شأن القيم، ويسهم في بناء الوعي الجمعي، بدلاً من الانسياق وراء الأعمال التي تطارد الشهرة الزائفة والربح السريع دون محتوى. هذا الدعم يجب أن يوجه نحو مسرح جاد، وسينما واعية تلامس القضايا الحقيقية، وفنون تقدم إضافة حقيقية تثري المجتمع وتعلي من شأن الإنسان.
وفي هذا السياق، تلعب المدارس دوراً محورياً في غرس هذا الوعي الفني والثقافي. ينبغي أن تهتم المدارس في حفلاتها السنوية بإعادة تقديم المسرحيات الهامة التي أسهمت في تشكيل الوعي والفهم الجمعي. هذا النهج يمنح الشباب الصغير فرصة التعرف بشكل فعّال على المسرح القيم والمهم ذي الرؤية العميقة، وذلك ليس فقط بالنظر، لكن بالتفعيل والتطبيق العملي من خلال مشاركتهم. إضافة إلى ذلك، يمكن إثراء المناهج الدراسية بمقررات خاصة بالمسرح العالمي والمحلي. هذا من شأنه أن يعمق الفهم الثقافي للطلاب، ويوسع آفاقهم الفنية، ويجعلهم جزءاً فاعلاً في استمرارية هذا الإرث الفني العظيم.
وأخيراً، يجب أن نعمل على إنشاء منصات للحوار والنقد البناء؛ فبدلاً من ترك الساحة لخوارزميات التشويه والتسطيح التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي بلا رقيب، يجب إنشاء منصات رقمية ومادية تشجع على الحوار الأكاديمي والثقافي الرصين حول أعمال هذه الرموز وأفكارهم، وتتيح الفرصة للنقد البناء القائم على المعرفة والعلم، لا على التجريح الشخصي أو الإساءة العمدية.
فالمسرح الحقيقي، كما أدركت في تلك الليلة المضيئة، هو ليس مجرد مرآة تعكس المجتمع فحسب، إنما هو كاشف المستور، وبوصلة توجه الأجيال نحو مستقبل لا يُنكر جذوره، وهو الأداة التي يمكن بها حفظ الذاكرة الجماعية للأمة وتشكيل وعيها. إن استمرارية مسرح صبحي، بمفهومه الشامل للفن والحياة ومسؤوليته تجاه المجتمع، لا تكمن في شخص واحد مهما عَظُم شأنه، لكن في تبني مجتمع كامل لقيمه ورسالته، وتكاتف جهود أفراده ومؤسساته، ليبقى المسرح دائماً منارة تضيء دروب الفكر والوعي، وتصمد أمام كل محاولات التشويه والنسيان التي تهدد هويتنا ووجودنا.





