مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
وجهاً لوجه

حوار مع “فرناندو ريندون” مؤسس ورئيس “حركة الشعر العالمية” – أجرى الحوار “كيشاب سيغدل”- ترجمة أحمد عمر زعبار

كل أهل غزّة الشهيدة هم نحن، هم الإنسانية جمعاء

أجرى كيشاب سيغدل، رئيس تحرير *Poetry Planetariat*، هذا الحوار مع الشاعر الكولومبي فرناندو ريندون، رئيس “حركة الشعر العالمية”، حول الحراك الشعري العالمي وحملات التضامن مع غزة، ومستقبل عمل الحركة لتعزيز العدالة في العالم

*********

**كيشاب سيغدل: ** في أيار/مايو 2025 أعلنت حركة الشعر العالمية عن “الحراك العالمي من أجل فلسطين” عبر الإنترنت، الذي جمع 140 شاعراً ومشاركاً من 91 بلداً. ووصفتم الحدث بأنه شهادة على قوة الشعر في توحيد البشر في نضالهم من أجل العدالة والسلام والكرامة الإنسانية. إلى أي مدى كانت هذه القراءات الشعرية العالمية فعّالة في رفع مستوى الوعي وحشد الدعم لغزة؟ وما طبيعة ردود الأفعال التي تلقيتموها من المشاركين في البلدان الـ91 المشاركة؟

**فرناندو ريندون: ** كما يعرف الجميع، فإن قراءة شعرية واحدة أو حتى عدة قراءات شعرية لن تضع حداً للحروب. كما أن حرباً كبرى أيضاً لن تفعل ذلك. حتى الاتفاقيات العالمية لم تستطع القضاء على الحروب القائمة في هذا الكوكب. ما تخلّفه هذه القراءات الشعرية في وجدان الشعوب التي تصلها، هو تعزيز وعيها بخطورة الظروف التي نغرق فيها جميعاً. هذه الأفعال هي تعبيرات رمزية عن إرادة القوى الروحية في العالم، تلك القوى التي تتوق إلى سلام عميق ونهائي بعد قرون طويلة من الصراع والحروب. إن القراءات والنشاطات الشعرية من أجل غزة، التي نظمتها وطوّرتها حركة الشعر العالمية، كان لها تأثير في العالم، بحيث أصبح عدد متزايد من الناس يخرجون إلى الشوارع في المدن الكبرى في جميع القارات.

**سيغدل:** بالنسبة للشعراء والكتّاب، اللغة هي وسيلتهم وأداتهم الوحيدة للدفاع في زمن الحرب. فما مدى فعالية قوة الكلمة في وقتٍ تُهدَّد فيه الحياة بطرق متعددة؟ ولماذا تظل القصيدة وسيلة فريدة للتعبير عن قدسية الحياة وروح المقاومة؟

**ريندون: ** على الرغم من أن قوة اللغة الشعرية نسبية عندما تكون الحياة مهددة بطرق شتى، إلا أن الشعر وحده قادر على تحويل لغة الحرب اليومية، التي تروّج لها وسائل الإعلام وتقود كل الشعوب نحو الكارثة، إلى لغة سلام وإنسانية. الشعر يقترح طرقاً أخرى ممكنة لحل الصراعات الكبرى في عصرنا، ويذكّر العالم، قبل كل شيء، بأن الحياة خيار أسمى من الموت، وأن الجمال سيقف دائماً في مواجهة بشاعة أرواح المهووسين بالإبادة، وأن الوجود الإنساني يجب أن يُعاد توجيهه نحو صفاء منابعه، نحو رؤيته الأصلية. إن الطبيعة المقدسة للحياة البشرية ولسائر الكائنات الحية يجب أن تُحفظ بأي ثمن، وهذه هي المهمة الجوهرية للشعر.

**سيغدل: ** الحراك العالمي من أجل غزة الذي نظمته الحركة شمل قراءات وورشات عمل عبر خمس قارات، وأبرز أن الحركة شبكة تضم آلاف الشعراء والمنظمين المنتشرين في أكثر من مئة بلد. ما التحديات والفرص التي تنشأ عند تنسيق شبكة متنوعة متعددة اللغات والثقافات كهذه؟ وكيف تؤثر هذه الروابط العالمية في السرديات التي تُبنى تضامناً مع فلسطين؟

**ريندون: ** أقول إن ما تسمونه شبكة هو في الحقيقة حركة، تعبير حي عن إرادة آلاف الشعراء الذين يرفعون أصواتهم أمام العالم تضامناً مع الضحايا العُزّل في غزة وضحايا الغزوات والحروب الظالمة الأخرى الدائرة حالياً على الأرض. وكما هو الحال في أي حركة، هناك صعوبات كثيرة. فهناك اختلافات أيديولوجية وسياسية ودينية وثقافية وعرقية ولغوية، وكلها تلقي بثقلها حين يتعلق الأمر بالعمل المشترك، حتى في قضية محددة مثل الإبادة اليومية في غزة، التي تجرح إنسانية العالم كله بجراح قاتلة. كل طفل يُقتل في غزة هو طفلنا. كل امرأة تُقتل في غزة هي أختنا. كل شيخ يُقتل في غزة هو جدّنا. كل أهل تلك المدينة الشهيدة هم نحن، هم الإنسانية جمعاء. بعض الناس يرون في فعلنا طابعاً سياسياً زائداً، لكن الحقيقة أن النضال الذي نخوضه ضد الغزو الصهيوني هو في جوهره نضال شعري وإنساني عميق. من المستحيل أن لا نتحدث عن القتل، حتى لو عُدّ التعبير عنه فعلاً سياسياً. الشعر هو الحياة؛ هو الدفاع عن الحياة. الشعر هو صوت الحياة. وبالطبع، هناك كثير من الشعراء في العالم لا يشاركوننا رؤيتنا، ومن بينهم شعراء أوروبيون كثر يتأثرون بلا شك بالسرديات الفاقدة للحساسية التي تروّجها حكوماتهم، لكن إرادتنا هي أن نسير نحو أرض جديدة وإنسانية جديدة.

**سيغدل: ** أحد بيانات الحركة دعا الوكالات الدولية إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، وتوفير الحماية والعدالة للشعب الفلسطيني. هل رأيتم أي استجابة من هذه الوكالات أو الحكومات؟ وكيف يمكن للأصوات الشعرية أن تسهم في مساءلتها؟

**ريندون: ** الشعراء لا يملكون سلطة تغيير العالم، ولو امتلكوها لكان العالم مكاناً مختلفاً. الحكومات والوكالات الدولية لن تُحاسَب أمام الشعراء. ونظراً للقيمة الأخلاقية والجمالية للشعر، فقد تعرض الشعراء في بلدان عديدة للتهميش والاضطهاد والسجن بسبب روحهم النقدية ووفائهم غير المشروط لنضالات الشعوب. ومع ذلك، فإن كلمات الشعراء لن تفقد أهميتها، بخلاف اللغة العادية التي يستخدمها معظم السياسيين والتي هي في انحدار دائم.

**سيغدل: ** الحركة ومعها منظمات دولية أخرى جمعت تواقيع مئات الشعراء والكتّاب من حول العالم، للمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار في غزة. وقد طالبت العريضة أيضاً بالسماح بدخول الغذاء والدواء بلا قيود، وفرض عقوبات على إسرائيل إذا رفضت، كما طالبت بوقف إطلاق النار بما يضمن الأمان والعدالة للفلسطينيين، والإفراج عن جميع الرهائن. برأيك، هل لمثل هذه العرائض أثر على المستوى السياسي؟ وكيف ترى العلاقة بين الشعر والفعل السياسي؟

**ريندون: ** تحدثتُ بالفعل عن أهمية وتأثير الأفعال التي قامت بها “حركة الشعر العالمية” بشأن غزة منذ أكتوبر 2023. فقد أثّر الشعراء في قرارات مواطني بلدان كثيرة، ودفعوهم إلى التعبئة في الشوارع تضامناً مع غزة ما شكّل ضغطاً قوياً على حكوماتهم لقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية والعسكرية مع إسرائيل. ونحن نرى الآن أن عدداً من الحكومات الأوروبية، متأخرة وبنفاق، تعترف بوجود الدولة الفلسطينية، وتميل إلى حل الدولتين كصيغة للتعايش في المنطقة. إن أعمال التضامن الإنساني، مهما كان حجمها، تنبثق من طبيعتها الشعرية العميقة. البشر جميعاً كيان واحد. وعلى الرغم من انقساماتهم، فقد أتوا من الطبيعة المقدسة نفسها للحياة. الأحداث السياسية التي تدفع بالعمليات نحو تحوّل جسد وروح أمة ما، يمكن قراءتها أيضاً كأحداث شعرية، حين تعزز انفجار العدالة الاجتماعية والكرامة والحقيقة في أمة افتقدتها. كثير من القادة الكبار في التاريخ تحركوا بدوافع سياسية وشعرية في آن واحد. ومع ذلك، فحركة الشعر العالمية ليست قوة سياسية؛ إنها قوة كبرى للشعر الكوني، وتعمل على هذا الأساس.

**سيغدل: ** في حزيران/يونيو 2024، نظمت الحركة مؤتمراً دولياً افتراضياً حول فلسطين شارك فيه رؤساء دول وحكومات، وباحثون، وناشطون، وصحفيون، وشعراء. ما النتائج الأساسية لذلك المؤتمر؟ وكيف أثّر وجود القادة السياسيين إلى جانب الشعراء في الحوار حول غزة والنضال الفلسطيني الأوسع؟

**ريندون: ** المؤتمر الدولي الذي نظمته “حركة الشعر العالمية” في يونيو 2024 فتح حواراً على مستوى أعلى بين الشعراء والمفكرين والصحفيين وممثلي الحكومات الذين يلتزمون بالنضال من أجل فلسطين وغزة، من أجل إنهاء الغزو وفتح الطريق نحو الاستقلال والسيادة للشعب الفلسطيني. إن مشاركة شخصيات رئيسية قدّمت أفكارها ورؤاها ومواقفها بشأن أكثر الجرائم الجماعية فظاعة في الأزمنة الدموية الحديثة في العالم، كشفت عن تنوع وتلاقي المقاربات والمقترحات لإيجاد حل ممكن في هذه اللحظة الحرجة. ومع ذلك، لا يمكن التفكير بأن مؤتمراً من هذا النوع، بمفرده، قادر على توفير علاج للأزمة العنيفة. إنما يقع على عاتق حكومات العالم أن تتخذ الإجراءات الكفيلة بإنهاء الإبادة فوراً.

**سيغدل: ** لماذا تظل القراءات الشعرية المحلية المباشرة مهمة إلى جانب النشاطات الافتراضية العالمية؟ وكيف تعزز هذه اللقاءات التفاعل المجتمعي والتعاطف؟

**ريندون: ** إن القراءات الشعرية الافتراضية والمباشرة ضرورية، إذ تختلف الظروف لعقدها من منطقة إلى أخرى في العالم. هذه الأنشطة تكمل بعضها بعضاً، وتترك أثراً داخل كل بلد وخارجه. فاللقاءات المباشرة تحفّز دائماً مشاركة الجمهور بشكل أو بآخر، بينما تُتابع القراءات الافتراضية في أماكن عديدة حول العالم عندما تُبث على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يعزز مواقف الجماهير من غزة من خلال اطلاعها على واقع المأساة هناك.

**سيغدل: ** مبادرات الحركة سلطت الضوء على أصوات فلسطينية مثل مراد السوداني، حنان عواد، وأشرف فياض. كيف تدعم الحركة الإبداع الفلسطيني ورفاهية الشعراء وسط أهوال الحرب؟ وما الذي يمكن فعله لضمان وصول هذه الأصوات إلى جمهور أوسع؟

**ريندون: ** لقد عملت الحركة على جمع ونشر أصوات العديد من الشعراء في صيغ مطبوعة ورقمية ومرئية سمعية، جابت العالم. وفي الوقت نفسه، قامت بنشر الشعر والترويج لحضور الشعراء الفلسطينيين في المقاومة في المهرجانات الشعرية الدولية، لربطهم بجماهير واسعة تستطيع بذلك أن تتلقى درساً عميقاً حول ما قد يحدث للكوكب إذا سُمح لجيش مختل العقل أن يقتل بلا رادع، وأن يستولي على أي أرض يريدها كما يشاء، من دون أن تتدخل قوة عسكرية عالمية كبرى لوضع حد لهذه الأفعال الإجرامية. كل إنسان صادق وواعي يملك القدرة على تضخيم هذه الأصوات والتعريف بها يجب أن يقوم بذلك، وهذه هي دعوتنا. وسنواصل دعم الشعب الفلسطيني بكل الطرق الممكنة.

**سيغدل: ** بالنظر إلى المستقبل، ما المشاريع أو الاستراتيجيات الجديدة التي تخطط الحركة لاعتمادها للحفاظ على التضامن العالمي مع فلسطين، وزيادة الضغط الدولي من أجل وقف دائم لإطلاق النار، وتعزيز عالم يظل فيه الشعر مصدر إلهام للعدالة والكرامة لجميع الشعوب؟

**ريندون: ** تزداد كل يوم ضرورة أن تعقد الحركة مؤتمراً جديداً لمناقشة هذه المسألة. وسنجتمع قريباً في اللجنة التنسيقية لتحديد موعد ومكان نتأمل فيه معاً سبلا وطرقا جديدة يستطيع بها الشعر العالمي أن يساعد الشعوب في هذه الأزمة العميقة من تاريخ البشرية، الأزمة التي قد تقود الإنسانية إلى نهايتها، بينما يمكن للشعر أن يسهم في إلهام بداية جديدة للحياة الإنسانية ولكل أشكال الحياة على الأرض.

(الحوار باللغة الإنجليزية وينشر في العدد 11 من *Poetry Planetariat* الذي يصدر في ديسمبر ومخصص لفلسطين)

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading