مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

الميراث – د.فاطمة الديبي 

امرأة ترتدي نظارات شمسية وحجاب مزخرف، مبتسمة في صورة مائية. ترتدي ملابس حمراء مع زهور سوداء.

​منذ أن غادر الإخوة الأربعة – محمد ونور الدين وسارة ولمياء – كنف بيت العائلة الكبير ليؤسس كل منهم عالمه الخاص، لم يكن الاتفاق الذي عقدوه مجرد وعد عابر، بل ميثاقا شهريا مقدَّسا. لقد آثروا أن يظل الخيط الواصل بين قلوبهم متيناً لا ينقطع، مهما باعدت بينهم مشاغل الحياة وحدود المدن.

​كانوا يختارون دائماً منزل العائلة القديم موعداً للقاء، وكأنهم يعيدون الروح إلى جدرانه. في صباح اليوم الموعود من كل شهر، تبدأ طقوس الاجتماع بانسيابية متناهية، يصلون تباعاً، حاملين معهم ليس فقط حقائبهم، بل شحنات من قصص شهر كامل من العمل والتحديات. يجتمعون في غرفة الجلوس ذات الطراز القديم، حيث تتشابك أيدي الكراسي الخشبية بحكاياتهم، ويتبادلون أطراف الحديث الذي يبدأ بسؤال عابر عن الحال وينتهي بغوص عميق في أدق تفاصيل حياتهم وأمور أبنائهم.

​كان اليوم بأكمله مخصصاً لهم وحدهم. في الظهيرة، يتناولون معاً وجبة أعدتها أياديهم المشتركة، غالباً ما تكون طبقاً تقليدياً يحمل عبق الذكريات. أما بعد العصر، فيتحول اللقاء إلى جلسة حوار ونقاش جدي، يتبادلون فيه النصيحة والمشورة في القرارات المصيرية؛ يسند بعضهم بعضاً بالرأي المستنير، ويعيدون ترتيب أولوياتهم بصوت عالٍ ومسموع.

​وعندما كانت عقارب الليل تقترب من منتصفها، وتخفت الأضواء لتبقي فقط على ضوء المصباح النحاسي الخافت، يتحول النقاش إلى همس دافئ وسرد لذكرياتهم المشتركة، كأنهم يرتشفون خلاصة يوم من الألفة. بعدما تفرغ أوعيتهم من كل ما أثقلها، ويشعرون بأنهم أعادوا شحن طاقتهم الوجدانية مجدداً، يبدأون في لملمة أغراضهم. وقبل أن يسحب كل منهم مفتاح سيارته من جديد، يقفون في حلقة وداع قصيرة وصامتة، يمدّون فيها جسور الثقة والوعد بالاجتماع القادم. ثم يعود كل منهم أدراجه في ساعات متأخرة، وقلبه محمّل بزاد شهر كامل من السند العائلي.

​لكن في هذه الليلة تحديداً، أوشكت عقارب الليل على الانتصاف، ورغم اكتمال طقس اللقاء، ظلت الألفة أشدّ وطأة من الرغبة في الانصراف؛ فظلّوا يرتشفون بقايا الدفء في سكون، مؤجلين ساعة الرحيل ببطء متعمد.

تنهد محمد بعمق وهو يضع كوب الشاي على طاولة خشبية عتيقة، ثم التفت نحو إخوته بابتسامة دافئة: “هل تشعرون بما أشعر به؟ هذا الركن من البيت يرفض أن يتقدم الزمن بنا؛ إنه يعيدنا إلى طفولتنا كلما اجتمعنا.” كان نور الدين يحدق في لمعة النجوم عبر النافذة، بينما كانت سارة ولمياء تتبادلان نظرة فهم صامتة. “أقسم أنني ما زلت أشمّ هنا رائحة الصندوق الخشبي الذي كان أبي يخبئ فيه كنزه”، قالت سارة بصوت حالم. “صندوق القصص المشرقة؟” سأل نور الدين. هكذا، دون مقدمات طويلة، فُتح الباب على مصراعيه لفيض من الذكريات المحكمة.

تلألأت عينا سارة، وقالت: “آه، صندوق القصص المشرقة! كنت أظن أن تلك المجموعات الورقية ليست كتباً عادية، بل بوابات سحرية. كانت رائحة الأوراق القديمة تفوح كعطر الذكريات، وصوت صفحاتها يصدر حفيفاً ناعماً كهمس الأجداد. لقد كان يقرأ لنا حكاياتٍ محكمة، كلماتُها بسيطة لكن معناها يرسخ فينا كشجرة زيتون معمرة.”

ابتسم نور الدين بهدوئه المعهود، ثم نطق بصوت خفيض: “ما زلت أذكر قصة “النورس الجريح”، طائر يُصاب في جناحه، فيتركه الجميع، إلا طائر صغير عاد إليه ليساعده. وكان أبي يختار لي هذه القصة تحديداً لأنني الأكثر حساسية بينكم، يريد أن يعلمني أن الرحمة ليست ضعفاً، لقد غرست فيّ تلك القصة أساس الرأفة. أن تكون قويّاً لا يعني أن تتجاهل الضعف، بل أن تمد يدك لترفع من سقط”. لوهلة، شعرت لمياء بأنها ترى النورس وهو يكافح للتحليق مجدداً، فصورة الحكاية لم تزل حية في ذاكرتها.

تدخّلت سارة بحزمها المعتاد: “جميلة هي تلك المشاعر يا نور الدين، لكنني كنت أميل إلى القصص التي تزرع فينا النزاهة والموقف. مثل قصة ‘الفأر الذي رفض أن يكون لصّاً’، رفض أن يسرق حبة قمح لم يزرعها، وكان أبي يرمقني بنظرة فاحصة وأنا أستمع لهذه القصة، كأنه يعلم أني سأكون بحاجة لهذا المبدأ في حياتي. لقد ربطها أبي دائماً بأفعالنا الصغيرة، قائلاً: ‘لا تتنازل عن حق، ولا تطمع فيما ليس لك، القيمة الحقيقية في الصدق الذي لا يتجزأ’.”

نظرت لمياء إلى أخيها محمد، وعيناها تحملان شغف الرسام: “أما أنا، فكانت قصة ‘الظل المتمرد’ هي التي تصنع أحلامي. ظلّ يقرر الانفصال عن صاحبه ليجرب الحرية، فاكتشف أنه لا وجود له دون الأصل الذي يتبعه. وكان أبي يربت على كتفي ويقول: ‘أنتِ كالظل تحتاجين إلى أصل ثابت لتطيري’. علّمني الوالد أن الجذور ليست قيوداً، بل أساسٌ نبني عليه أجنحتنا. تلك القصص كانت تثبتنا وتطلق العنان لأحلامنا في الوقت ذاته”.

أومأ محمد برأسه وقد امتلأ قلبه بالسكينة: “لقد أدرك أبي، برؤيته الثاقبة، أن تلك القصص لم تكن ترفاً، بل ميثاقاً تربويّاً. كانت أدباً يوحّد وجداننا على فضائل مشتركة. قصتي المفضلة، ‘الحجر الذي أصبح أساساً’، علمتني أن دوري كأخ أكبر ليس في الظهور أو الزينة، بل في الثبات والتحمل. أن أكون الأساس الذي يستند إليه هذا البنيان العائلي”.

انتقل الحديث بسلاسة من الذكرى إلى الفعل. قال نور الدين: “علينا أن نكون رُسُل هذا الإرث، لنجمع أولادنا الأسبوع القادم. لن نقرأ لهم القصص وحسب، بل سنخصص ‘ساعة تطبيق القيمة’. سنطلب من كل طفل أن يخبرنا كيف عاش قيمة القصة التي سمعها في حياته اليومية خلال الأسبوع”.

أنهت سارة ترتيب الأكواب وهي تقول بحماس: “وسننشئ مكتبة الحكمة في هذا البيت تحديداً، سنعيد تجميع تلك المجموعات النفيسة، لتكون مرجعاً ماديّاً ملموساً لأولادنا، ليعرفوا أن هذا التراث الأدبي ليس شيئاً قديماً مات، بل سريانٌ دائم من الحكمة”.

وعندما خيّم الصمت العميق على المكان، بعد أن ودّع الأخوة بعضهم عند مشارف الفجر، أدركوا أن والدهم – كتلك السفينة الراسية في بحر الذكريات – لم يغب بل تحوّل إلى مرسىً آمن. صار صوت حكمته يتردد في كل ركن، وإرثه الحقيقي لم يعد مقتصراً على تلك الجدران، بل صار يسري في عروق الأولاد، لينير لهم دروب الحياة بقيم راسخة، كتلك الشجرة المعمرة التي تظلّلها ويقوى عودها مع كل جيل

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading