مقالات نقدية

اليد النحاسية: سكون الأداة وغياب الفعل لبكاي كطباش- قراءة:د.فاطمة الديبي

رسم تخطيطي لامرأة ترتدي حجابًا وتبتسم، تحمل يدها على وجهها في وضع تفكيري، مع وجود أساور وساعة على معصمها.

*النص*:

« يد نحاسية

   مِقرَعَة الباب الذي 

   لاَ يقـرعه أحد »

*التحليل*:

تتجسّد عبقرية الهايكو في قدرته على تجميد الزمن داخل سطرين ونصف، مُقدِّمًا مشهدًا بصريًّا بسيطًا يخترق الوعي ليصل إلى أسئلة الوجود الكبرى. هنا يقف المشهد أمامنا كلوحةٍ صامتة: يدٌ نحاسية، ليست يدًا من لحمٍ ودم، بل تمثالٌ مُحنَّطٌ للفعل، أداةٌ معدنية باردة وعتيقة. هذا النحاس، الذي يحمل وهج الماضي وخمول الحاضر، يمنح الجماد صفةً إنسانيةً معطَّلة، لتصبح المِقرعة رمزًا لانتظارٍ تحجَّر. إنها لقطةٌ ثابتة لوجودٍ ماديٍّ كامل، يصرخ بالصمت في وجه الغياب.

وفي ثنايا النص يُبنى المعنى على التناقض الحاد؛ فالشاعر يربط هذه اليد بـ “مِقرَعَة الباب”، وهي عتبةُ التواصل ومفترقُ الطرق بين الداخل المتروك والعالم الخارجي المنسحب. لكن الضربة الوجودية للنص تأتي في نهاية المشهد: “لا يقرعه أحد”. يتحول الباب من رمزٍ للأمل إلى شاهدٍ على الوحدة القاسية، ويتحوّل الزمن إلى زمنٍ ميت؛ فالأداة موجودة في ذروة استعدادها (يدٌ)، لكن وظيفتها الأساسية (الطرق/الفعل) منفيةٌ بشكلٍ مطلق. كما تتفاقم هذه المفارقة عبر الجناس اللفظي الصارخ بين “مِقرَعَة” و “يقرعه”؛ فالإيقاع الكامن في الاسم يُدمَّر على يد الفعل الغائب. كأن المِقرعة تتألم صمتًا لأنها وُجدت من أجل صوتٍ لن تسمعه أبدًا. هذا التناقض بين الغرض والواقع يجسد العبث الوجودي في أبهى صوره الهادئة: أن تفقد الأشياء معناها الأساسي وهي في ذروة حضورها المادي.

وفي مستوى أعمق، يأخذ النص منحًى فلسفيًّا دقيقًا؛ فاليد النحاسية تُصبح استعارةً لـ الذات المتروكة. إنها تجسيدٌ لفكرة الوجود المادي المحض الذي فُرغ من جوهره. الباب هنا هو الفاصل بين الـ”أنا” والـ”آخر”، وغياب الطارق يعني انقطاع صدى الوجود؛ فالذات قائمة، تنتظر اعتراف العالم بها، لكن العالم توقّف عن الطرق. ومن زاوية الزمن، يغدو النحاس والباب ذاكرةً متحجرة، واليد معلّقة كأثرٍ تاريخيٍّ يذكّر بزمنٍ كان فيه الضجيج والحركة ممكنين، لكنه الآن زمنُ الانتظار الأزلي. المِقرعة لم تعد أداةَ اتصال، بل أصبحت شاهدًا صامتًا على انقطاع الأمل، يتحوّل فيه الماضي إلى عبءٍ من الذكريات، والمستقبل إلى مجرد استمرارٍ للفراغ.

هذا الهايكو قصيدةٌ عن العزلة في أنقى صورها وأكثرها تكتّمًا. إنه لا يصرخ بالألم، بل يهمس بهدوء السكون المطلق. اليد النحاسية تبقى معلّقة، تلمع خفيةً، لتؤكد أن الوجود المادي وحده عاجزٌ عن إنقاذ الذات من الوحدة، ما لم يأتِ فعلٌ من الخارج ليُحيي وظيفتها.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading