الوفاء – الدكتورة فاطمة الديبي

في بيت متوسط، تأسست قصتهما على أرضية صلبة من الصدق والمودة والرحمة. تزوجا تقليديّاً، لكنهما بنيا عالمهما بتفاصيل استثنائية. مرت سنوات العمر مثل صفحات كتاب مضاء بالوفاء، رُزقا فيها بأولاد أصبحوا أغصاناً تمتد في سماء العلوم والحرف. كل واحد منهم أصبح عالماً قائماً بذاته، يحمل في تعابير وجهه شيئاً من ابتسامة أمه، وفي قراراته حكمةً من صبر أبيه.
كانا، هما الاثنان، يشيخان معاً وكأن الأيام تنسج حولهما هالة من نور هادئ. في المساء، كان المنزل يكتسب طابعاً خاصّاً؛ كانا يجلسان معاً، يتجاذبان أطراف الحديث بعد يوم طويل. أمامهما، على الطاولة الصغيرة، كانت صينية الشاي المعدّة بعناية، مع حلويات منزلية أعدتها هي بيديها. كانا يستمتعان بذلك الوقت البسيط، يتذكران الأيام الماضية ويتناقشان في أمور الحياة، وكان صوت ضحكاتهما يملأ المكان، وكأنما كانا يجددان وعداً بالعيش معاً إلى الأبد.
لكن الحياة، في مجراها، لا تخلو من منعطفات مفاجئة. مرضت الأم، وكأن غيمة رمادية حجبت ذلك النور. وعندما فحصها ابنها الطبيب، لمحت عيناه شيئاً جعل قلبه ينكمش تحت عباءة المهنية. كانت تحتاج إلى عملية جراحية طارئة، لا تحتمل التأجيل.
في لحظة ارتباك محكومة بالحب، حملوها إلى المصحة الخاصة، وأمام والدهم، تظاهروا بالهدوء: “مجرد فحوصات، كل شيء سيكون على ما يرام يا أبي”. كانوا يعرفون أن قلبه، الذي طالما تحمل كل صعاب الحياة، قد لا يتحمل رؤية عماد حياته يهتز، لكن قلبه الأبوي، الذي ينبض بتناغم صامت مع قلبها منذ عشرات السنين، كان يهمس له بالخطر، كان يشعر بأن جزءا منه يُقتطع.
أجريت العملية بنجاح، ولكنها أُدخلت إلى قاعة العناية المركزة، حينها فقط أخبروه بالحقيقة، وأتوا به إليها. أدخلوه ليرى بنفسه أن الحياة ما زالت تنتفض في جسدها النحيل. دخل، وأمسك بيدها الموصلة بالأنابيب، تلك اليد التي ربتت على أحلامه وأحلام أولادهما، تشبث بها كما يتشبث الغريق بقطعة الخشب، لم يرغب في تركها، كل محاولات إقناعه بالرحيل باءت بالفشل، حتى جاء ابنه البكر، حكيم العائلة، ونظر إليه بعينين تحملان كل حب لهما معاً وقال: “بابا، المكان هنا لا يسمح بالبقاء. سأظل أنا هنا إلى جانبها، عيناي لن تفارقاها، أعدك”.
عادوا إلى البيت، لكن البيت بدا بلا روح. جلس الأب في مكانه المفضل، حيث كانت تجلس إلى جانبه كل مساء، يتبادلان فيه الحديث والنكات، ويشربان الشاي مع الحلوى. كان يشعر وكأن كل زاوية في المنزل تذكره بها، رائحة الشاي في المطبخ، صوت خطواتها الهادئة على السلم، والضحكات التي كانت تعم المكان. قدموا له الطعام، لكن حلقه كان مغلقاً بحزن صامت، وكأن الطعام خيانة لها في لحظة ضعفها.
في اليوم التالي، عاد لرؤيتها. وعندما أحضروا لها طعامها الخفيف، أشارت إليه بإصبعها الضعيف، ثم أشارت إلى فمها، وإلى فمه. كانت إرادتها، حتى في أقسى لحظاتها، تريد أن تطمئن عليه، أصرت أن يأكل معها. جلس، وأخذ لقمة، ثم تناولت هي الأخرى. لم يتبادلَا كلمة واحدة، لكن الغرفة بأكملها كانت تشهد على حوارٍ صامتٍ أعمق من كل الكلمات، كان الحب الحقيقي يتجسد في تلك اللحظة؛ ليس في القصائد، ولا في الوعود، بل في إصرار امرأة على سرير العناية المركزة أن تطمئن على رجلها، وفي استسلام رجل لقوة حبها.
في تلك اللقمة المشتركة، كان كل شيء؛ الماضي، والحاضر، والمستقبل. تجدد العهد الصامت على موعد مع الحياة، مرة أخرى، معاً.





