وكلُّ يدَّعي وصلاً بالله!د.علي الطائي

في كلِّ عصرٍ ينهض قومٌ يرفعون أصابعهم نحو السماء، لا ليشيروا إلى الله، بل ليشيروا إلى أنفسهم. يخرج أحدهم بثوبٍ طويلٍ ولحيةٍ مدروسة، أو بربطة عنقٍ أنيقةٍ وصوتٍ رخيم، أو برايةٍ حزبيةٍ مطرزة بالشعارات المقدسة، ثم يهمس للناس همسًا يشبه الوحي: “نحن الأقرب إلى الله… نحن أهل النجاة… نحن الناطقون باسم السماء!”
وهكذا، منذ أن عرف الإنسان فكرة المقدس، لم يتوقف بعض البشر عن احتكار الطريق إليه، كأنَّ الله ـ جلّ شأنه ـ صار عقارًا مسجَّلًا بأسمائهم، أو حزبًا سياسيًا يوزّع بطاقات العضوية على العباد.
ولعلّ أعجب ما في الأمر أنَّ هؤلاء المختلفين، المتناحرين، المتبادلين للّعنات والحرمان، يتشابهون تشابها كبيرا. فكلُّ طائفةٍ تزعم أنَّها “الفرقة الناجية”، وكلُّ حزبٍ يعتقد أنَّ الله يقف خلف متراسه، وكلُّ جماعةٍ ترى أنَّ أبواب الجنة لا تُفتح إلا بختمها الرسمي!
ولو هبط ملاكٌ من السماء، وسألهم جميعًا: “أيُّكم يمثّل الله حقًّا؟” لارتفعت ألف يد، وألف راية، وألف صرخة، حتى ليخيَّل للناظر أنَّ السماء نفسها صارت دائرة حكومية تتنازع عليها الأحزاب.
لقد تحوّل الله، في كثيرٍ من الممارسات البشرية، من حقيقةٍ مطلقةٍ متعاليةٍ على الأهواء، إلى شاهد زورٍ يُستدعى عند الحاجة. يُستعمل في الحرب أكثر مما يُستعمل في الرحمة، ويُذكر في الخطب السياسية أكثر مما يُذكر في خلوات الضمير.
ومن الطريف المبكي أنَّ الإنسان كلما ازداد جهلًا بالله ازداد حديثًا عنه. فالعارف الحقيقي غالبًا ما يصمت، لأنَّه يدرك اتساع السرِّ الإلهي وعجز اللغة عن الإحاطة به، أمّا المتاجرون بالمقدّس فيتكلمون بثقةٍ مخيفة، كأنَّهم أعضاءٌ دائمون في مجلس إدارة الكون!
تأمّل مثلًا تاريخ الحروب الدينية.
كم من جيشٍ دخل المدن وهو يهتف باسم الرب!
كم من مذابح ارتكبت والقتلة يظنون أنهم يؤدّون صلاةً كبرى!
بل إنّ بعضهم كان يغسل سيفه من الدم ثم يرفع يديه بالدعاء شاكرًا الله على “النصر المبارك”!
في أوروبا القرون الوسطى، كانت الكنيسة تمنح صكوك الغفران، وكأنّ الجنة مصرفٌ عقاري يمكن شراء أسهمه بالذهب. وكان بعض رجال الدين يبيعون مفاتيح الفردوس للفقراء الذين لا يملكون حتى مفاتيح بيوتهم. وفي المقابل، ظهرت جماعات دينية أخرى ترى أنَّ الخلاص لا يكون إلا عبرها وحدها، وأنَّ البشرية كلّها سائرة إلى الهلاك إلا من انضمّ إلى ناديها المغلق.
وما أشبه الليلة بالبارحة. ففي عالمنا المعاصر، ما أكثر الذين يتحدثون باسم الله في الفضائيات، حتى ليخيَّل للمرء أنَّ السماء افتتحت مكتبًا إعلاميًا دائمًا على الأرض. هذا داعيةٌ يحتكر الحقيقة، وذاك سياسيٌّ يضع صورة الله خلف شعاره الانتخابي، وثالثٌ يوزّع الوطنية والكفر بحسب درجة الولاء الحزبي. حتى الأحزاب الحديثة، التي تزعم المدنية والعقلانية، تقع أحيانًا في المرض نفسه؛ فهي لا تقول “نحن حزب سياسي” بل تقول ضمنًا: “نحن الطريق الأخلاقي الوحيد، وما عدانا ظلامٌ ورجعية!”
إنها غريزة “الاصطفاء” القديمة، ولكن بثيابٍ جديدة. فالإنسان يحبُّ أن يشعر أنَّه مختار، محبوب من السماء، مختلف عن القطيع. ولذلك يسهل على القادة الدينيين والسياسيين أن يمنحوه هذا الشعور الساحر:
“أنت لست مجرد إنسان… أنت جنديُّ الله!”
وهنا يبدأ الخطر. لأنَّ الإنسان حين يظنّ نفسه وكيلًا حصريًا لله، يفقد تواضعه أولًا، ثم يفقد إنسانيته ثانيًا، ثم يصبح مستعدًا لفعل أي شيء وهو مطمئن الضمير. فالقاتل العادي قد يرتجف قبل الجريمة، أمّا القاتل الذي يعتقد أنَّ الله معه، فهو يقتل وهو يبتسم. ومن أعجب مفارقات التاريخ أنَّ معظم الطغاة كانوا يكرهون النقد، لأنهم لم يكونوا يرون أنفسهم بشرًا يخطئون، بل “أصحاب رسالة”. فرعون قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾. وكثيرٌ من المستبدين المعاصرين لم يقولوا العبارة نفسها حرفيًا، لكنهم عاشوا معناها حتى النخاع.
إنَّ مشكلة البشر ليست في الدين ذاته، بل في تحويله إلى بطاقة تفويض مطلقة. فالله أكبر من المذاهب، وأوسع من الأحزاب، وأرحم من أن يُختزل في جماعةٍ ترفع شعارًا معيّنًا أو تلبس زيًا مخصوصًا. ولو تأملنا النصوص الروحية العميقة في مختلف الأديان، لوجدنا أنَّها تدعو غالبًا إلى التواضع، لا إلى الغطرسة المقدسة.
لكنّ الإنسان بارعٌ في تحويل الحكمة إلى أداة سلطة. يأخذ النصَّ الذي نزل ليهذّب النفس، فيحوّله إلى سوطٍ على ظهور الآخرين. ويأخذ الفكرة الروحية التي وُلدت لتقريب البشر من بعضهم، فيجعلها خندقًا للحروب والكراهية. حتى المتصوفة ـ وهم أكثر الناس حديثًا عن المحبة ـ لم يسلم بعض أتباعهم من وهم “الخصوصية الإلهية”، حتى صار بعضهم ينظر إلى الآخرين نظرة ازدراءٍ خفي، كأنَّ الطريق إلى الله صار امتيازًا طبقيًا روحيًا. وكذلك بعض الجماعات الأيديولوجية الحديثة، سواء لبست عباءة الدين أو القومية أو الثورة أو التقدّمية؛ فإنها تقع في الشرك النفسي ذاته: شرك اليقين المطلق.
فالإنسان حين يعتقد أنَّه يمتلك الحقيقة كاملةً، يتوقّف عقله عن التفكير، ويتحوّل الحوار عنده إلى محكمةٍ لا إلى بحثٍ عن الحقيقة. ولذلك كان كبار الحكماء أكثر الناس شكًّا بأنفسهم، وأكثرهم حذرًا من الادعاء.
يُروى عن بعض العارفين أنّه قال: “كلما ازددت معرفةً بالله، ازددت يقينًا أنني لا أعرفه.” يا لها من عبارةٍ تهدم أبراج الغرور الديني كلّها!
إنَّ الله ليس حزبًا، ولا طائفةً، ولا مؤسسةً إعلامية، ولا شركة استثمار أخروي. الله بحرٌ لا تملكه الأكواب. لكنَّ كلَّ كوبٍ صغير يصرخ: “البحر عندي!”
ومن هنا جاءت مآسي التاريخ. هذا يكفّر ذاك لأنَّه يختلف معه في تفسير نصٍّ غامض، وذاك يلعن هذا لأنَّه يصلّي بطريقةٍ أخرى، وثالثٌ يحتقر البشر جميعًا لأنهم لم يولدوا داخل جماعته. ولو سألتهم عن الرحمة، لحدّثوك عن العقوبات. ولو سألتهم عن المحبة، لحدّثوك عن المؤامرات. ولو سألتهم عن الله، لحدّثوك عن أنفسهم.
إنَّ أخطر الأصنام ليس الصنم الحجري، بل الصنم الفكري الذي يختبئ داخل الإنسان وهو يظن نفسه موحّدًا. ذلك الصنم الذي يقول له همسًا:”أنت وحدك على حق… وغيرك ضالٌّ مهما كان صالحًا”. وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يصبح الدين عنده مرآةً لنفسه لا نافذةً على الحقيقة.
إنَّ المتدين الحقيقي ليس من يرفع صوته كثيرًا باسم الله، بل من يصبح أكثر رحمةً وعدلًا وتواضعًا. فالوردة لا تصرخ لتثبت أنها وردة، والعطر لا يحتاج إلى خطبةٍ كي يثبت وجوده. أما الضجيج المبالغ فيه، فكثيرًا ما يكون تعويضًا عن فراغٍ داخلي.
وفي النهاية، سيبقى الله أعظم من كل دعاوى البشر. ستسقط الأحزاب، وتتلاشى الشعارات، وتصدأ المنابر، ويكتشف كثيرون ـ بعد عمرٍ من الصراع ـ أنهم كانوا يدافعون عن ذواتهم أكثر مما يدافعون عن الحقيقة.
وسيظل السؤال القديم معلقًا فوق رؤوس الجميع:
إذا كان كلُّ هؤلاء يدّعون وصلاً بالله…
فلماذا امتلأت الأرض بكل هذا الحقد؟





