مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

الصخرة المباركة- د.علي الطائي

95835725 239516690693988 9005295759595143168 n

في قريةٍ صغيرةٍ، حيث تتشابك بيوت الطين القديمة، ويُروى التاريخ في السهرات الطويلة تحت ضوء القمر، كان يعيش “حامد”، فتىً نشأ على تقديس عادات أجداده، لا يسأل عن سببها، ولا يُجادل في صحتها.

كان أكثر ما يثير فخره هو “الصخرة المباركة” التي تتوسط ساحة القرية، والتي يُقال: إن جدَّه الأكبر قد جلس عليها ذات يوم فباركها، وصارت منذ ذلك الحين مقدسةً لا يُسمح لأحد بلمسها أو تحريكها. كان الكبار يُحذِّرون من أن نقلها سيجلب الشؤم والخراب.

مرت السنوات، وكبرت القرية، واحتاج أهلها إلى توسيع الطريق الرئيسي. كان لابد من إزالة الصخرة، لكن الفكرة وحدها كانت كفيلة بإثارة الغضب في قلوب السكان. “كيف تُزال الصخرة؟ إنها بركة القرية!”، هكذا صاح شيخها الأكبر، وهكذا أيدته الجموع، ومن بينهم حامد، الذي دافع باستماتة عن بقاء الصخرة.

لكن ذات ليلة، زار القرية مهندس شاب، جاء في مهمة حكومية. سألهم بهدوء:

ــ “لماذا لا تُنقل الصخرة إلى مكان آخر؟”

ــ “لأنها مقدسة!”، ردَّ عليه أحدهم.

ــ “ولماذا هي مقدسة؟”

ساد الصمت للحظة، قبل أن يقول الشيخ: “لأن أجدادنا قالوا ذلك.”

لم يُجادلهم المهندس كثيرًا، لكنه قرر البحث بنفسه. راح يحفر بجانب الصخرة، وحين أزاح بعض التراب، اكتشف أن تحتها مجرىً مائيًا صغيرًا، كان السبب في تعثر الطريق كلما هطلت الأمطار.

حين أخبر أهل القرية بذلك، لم يصدّقه أحد، حتى قرر أن يُريهم بعينهم. بعد تردد طويل، سمحوا له ولعماله برفع الصخرة، ليجدوا تحتها مجرى الماء الذي كان يفسد أراضيهم الزراعية. أدركوا حينها أن الصخرة لم تكن مقدسة، بل مجرد عادة استحكمت في نفوسهم، لا أكثر.

وقف حامد أمام الفراغ الذي تركته الصخرة، شعر بشيء يتحطم داخله. لم يكن يعرف إن كان ذلك صوت انكسار المعتقد، أم بداية لوعي جديد. لكنه أدرك أمرًا واحدًا: أن الموروث الذي لا يُسأل عنه، قد يكون مجرد ظلٍّ لجدٍّ رحل منذ زمن.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading