المبدع معتديًا عليه في النص المسرحي -ا.د/ علي خليفة

الأصل في العرض المسرحي أن يقوم على نص مكتوب، ويقوم مبدع بتأليفه، ومن أيام الإغريق كان النص الذي يقوم بتأليفه مبدع هو الأساس في المسرح، وقد وصلنا أسماء كثير من كتاب المسرح الإغريقي،
وإن كان لم يصلنا سوى بعض المسرحيات لكبار كتاب الإغريق،
وهم أيسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس في التراجيديا، وأرسطوفان في الكوميديا.
ومما يؤكد أهمية النص المسرحي عند الإغريق أننا نعرف كثيرًا من أسماء كتاب المسرح الإغريقي، ولكننا لا نكاد نعرف أسماء مخرجين إغريق كان دورهم الأساسي في إخراج هذه النصوص حين تقديمها في عروض مسرحية، وأغلب الظن أن هؤلاء المؤلفين الإغريق كانوا يقومون بإخراج مسرحياتهم، وظلت هذه السنة متبعة في المسرح إلى ظهور العصر الحديث، فرأينا فيه مهنة المخرج الذي يقوم بإخراج النصوص المسرحية، وتفسيرها برؤيته الخاصة، من خلال ممثلين يقدمون ذلك التفسير وتلك الرؤية في العروض المسرحية.
وظاهرة ملفتة في المسرح الإغريقي أننا نرى كتاب الكوميديا
– على وجه الخصوص –يعبرون فيه من خلال بعض الشخصيات الثانوية في مسرحياتهم عن تفوق هؤلاء الكتاب على منافسيهم من المؤلفين في عصرهم، وينقدون أساليب بعض هؤلاء المؤلفين في مسرحياتهم، ويظهرون المزايا الكثيرة في مؤلفات الكتاب الذين يتكلمون بألسنتهم، كما نرى في مسرحية “السلام”، ومسرحية “الضفادع” لأرسطوفان، ففي هاتين المسرحتين لأرسطوفان – وفي غيرهما من مسرحياته – يظهر أشخاص يوقفون تصاعد الأحداث فيها، ويوجهون كلامهم للنظارة ويشيدون بقيمة أرسطوفان في مسرحياته، وما أدخله من إضافات وتعديلات فيها زادتها حيوية وأعلت جرعة الفكاهة فيها، وفي الوقت نفسه يقوم هؤلاء الأشخاص بنقد مسرحيات غيرهم عن كتاب الكوميديا المنافسين لأرسطوفان، ممن لم تصل إلينا مسرحياتهم.
ولا شك أن ذلك الدفاع من أرسطوفان في مسرحياته على ألسنة هؤلاء الأشخاص يدل على أنه تعرض لهجوم من مؤلفين آخرين في عصره، وهو في مسرحياته تلك ومن خلال تلك الشخصيات يرد على اعتدائهم على مسرحياته وشخصه.
وفي المسرح اللاتيني الكوميدي نرى هذه الظاهرة أيضًا، فنرى في بعض مسرحيات بلاوتوس وترنتيوس شخصيات ثانوية – تدافع عن فن هذين الكاتبين المسرحي، وتنقد خصومهما، ولا شك أن ما يقوم به هذان الكاتبان الرومانيان هو تقليد لما كان متبعًا في المسرح الإغريقي، لاسيما في مسرحيات الكاتب الإغريقي الكبير أرسطوفان.
ومن هنا نرى أن النص المسرحي كان هو الأساس في المسرح الإغريقي والمسرح اللاتيني، وكان مبدع النص هو العمود الفقري في الحركة المسرحية، وفي الوقت نفسه رأينا في المسرحيات الكوميدية في هذين العصرين كتاب الكوميديا يظهرون شخصيات ثانوية فيها تخاطب الجمهور كاسرة بهذا الإيهام، ومعبرة عن بعض جوانب الاعتداء والهجوم التي كان يلاقيها كتاب الكوميديا آنذك من منافسيهم، ويعرضون الردود عليها.
وحين نصل إلى القرن السابع عشر – وفيه ازدهرت الكلاسيكية الحديثة لاسيما في فرنسا – نرى بعض كتاب الكوميديا لا يكتفون خلال بعض مسرحياتهم بالحديث من خلال بعض الشخصيات عن مميزات مسرحياتهم، وعرض ردودهم على منافسيهم من الكتاب الآخرين
والنقاد – بل رأينا بعض كتاب الكوميديا – خاصة موليير كبير كتاب الكوميديا عبر العصور – يكتبون مسرحيات كاملة ينقدون فيها الكتاب والنقاد الذين هاجموهم في بعض مسرحياتهم، وفي الوقت نفسه يذكرون في هذه المسرحيات مزايا مسرحياتهم، والأساليب التي ابتكروها فيها، كما نرى في مسرحية “مرتجلة فرساي” التي كتبها موليير ليرد فيها على منتقديه في مسرحية “مدرسة الزوجات”، وجعل هذه المسرحية تجري على خشبة المسرح استعددًا لعرض مسرحي تقدمه فرقته، وخلال هذه المسرحية يظهر موليير يوجه أعضاء فرقته قبيل تقديم ذلك العرض، وكذلك نرى موليير يهاجم فيها خصومه الذين انتقدوه في مسرحية “مدرسة الزوجات” وغيرها من مسرحياته، خاصة كورني الكاتب المسرحي الكبير آنذاك.
ولا شك أن هذه المسرحية من موليير ومسرحية “نقد مدرسة الزوجات” له تعدان تجربة مسرحية رائدة في كتابة المسرحية؛ في وجود التمثيل داخل التمثيل بهما، ووجود نص مسرحي لا يعتمد على حدث متصاعد، ولكن نرى فيه نقاشًا عن بعض القضايا المتعلقة بالمسرح، لاسيما مسرح موليير.
وفي العصر الحديث أخذ بيرانديللو ذلك الأسلوب وطوره ونماه، ووضح من خلاله العلاقة بين المخرج والمؤلف، والصراع الذي بدأ يتضح في ذلك العصر ببنهما، ومن الواضح أن بيرانديللو بمسرحياته التي كتبها بهذا الأسلوب مثل مسرحية “ست شخصيات تبحث مؤلف” ومسرحية “الليلة نرتجل التمثيل”، ومسرحية “كل شيخ وله طريقة” – قد عبر عن أجواء صراع بدت ملامحه في عصره بين المؤلف والمخرج، وتنبأ في الوقت نفسه بأن المخرج سوف يكون له الكلمة العليا بعد ذلك، وأن النص المسرحي يمكن أن يتم الاستغناء عنه، ويقوم العرض المسرحي على ما يشبه الارتجال، والسيناريو المتفق عليه، كما نرى في بعض المسرحيات التجريبية.
وكذلك ناقش بيرانديللو في مسرحياته التي تقوم على التمثيل داخل التمثيل قضية مهمة كانت تشغله كثيرًا، وهي أيهما أهم الفن أو الحياة؟ وأيهما أبقى من الآخر؟ وكان بيرانديللو يرى في هذه المسرحيات أن الفن أرقى وأبقى من الحياة، فالحياة تقدم صورًا مضطربة وناقصة، وتختفي بعد حين، أما الفن فيقدم الصورة الكاملة التي تبقى مع توالي العصور.
ورأينا بعد ذلك بريشت في مسرحياته الملحمية يعتمد فيها على كسر الإيهام للمتفرجين بشكل واضح، فهو في بدايتها يؤكد من خلال بعض الممثلين أن ما سيرونه هو عرض مسرحي، ويجب على الجمهور ألا ينسى ذلك خلال مشاهدته له، وعليه أن يكون له موقف من القضية التي ستعرض عليه، ومن ثم فهو مسرح إرشادي وتعليمي وتحريضي أيضًا.
وبريشت في هذه المسرحيات الملحمية لا تهمه الحبكة المتضمنة بقدر ما يهمه عرض أفكاره ومشاركة جمهوره له بالتفكير وإتخاذ مواقف من هذه الأفكار.
وكان مسرح العبث هو الخطوة التي تلت مسرح بيرانديللو بما فيه من تقنية التمثيل داخل التمثيل، ومسرح بريشت الملحمي، فرأينا كتاب مسرح العبث الكبار – مثل بيكيت ويونكسو وأداموف وأرابال –
لا يهتمون في مسرحياتهم تلك بوجود حبكة تتصاعد فيها الأحداث؛ لإحداث التشويق لدى المشاهد، وأيضًا لا نرى فيها شخصيات ذات ملامح محددة تنمو خلال تطور الأحداث في تلك المسرحيات، ولاشك أن هذا التصعيد في تفكيك بنية النص المسرحي عن شكله الكلاسيكي المتوارث قد جعل المخرجين في ذلك العصر – يرون أن النص المسرحي
لم يعد له الحرمة القديمة في عدم المساس به، بل رأوا أن الأصل في المسرح ليس النص، ولكن العرض الذي يمكن ألا يعتمد أساسًا على نص مكتوب، ويقوم بدلاً من ذلك على سيناريو يتفق عليه، أو على فكرة يتم تنفيذها بالكلمات أو بوسائل أخرى كالإشارة والحركة والرقص والأصوات والموسيقى.
وهكذا رأينا أن الأمر انتهى في التجريب في المسرح في العصر الحديث إلى أن يصبح نص المؤلف ذا قيمة ضعيفة، فهذا النص قد لا يلتفت إليه بعض المخرجين؛ لأنهم يرونه بضاعة قديمة قد مضى زمانها، وهم إن اقتربوا من هذا النص عَدَّلوا فيه وغيروا بما يتناسب مع رؤيتهم للعرض الذي سوف يقدمونه عن هذا النص.
وهكذا رأينا أن مبدع النص المسرحي قد صار معتديًا عليه أشد الاعتداء، من قبل المخرج المسرحي، ومساعديه، لا سيما ممن يقومون بمهمة الدراماتورجي.
وهناك اعتداء آخر يقع على مبدع النص المسرحي منذ القدم، وهو أن ينسب نصه لغيره، باختياره أو بأن يكره على هذا لأسباب مختلفة.
وأكبر مثال يضرب على نسبة النص المسرحي لغير مؤلفه ما أثير قديمًا وحديثًا عن أن مؤلف مسرحيات شكسبير ليس شكسبير نفسه، ولكنه شخص آخر؛ لأن هذه المسرحيات المنسوبة لشكسبير – لاسيما الروائع منها – تدل على أن مؤلفها له ثقافة كبيرة، وأنه تلقى تعليمًا جامعيًّا منظمًا، وشكسبير لم يتلق تعليمًا جامعيًّا، ولم تكن له – على حد قول بعض النقاد – تلك الثقافة الكبيرة التي تؤهله لكتابة هذه المسرحيات المنسوبة إليه.
ومن أهم الشخصيات التي قيل إنها ألفت المسرحيات المنسوبة لشكسبير السير فرانسيس بيكون، وقيل إنه كان في منزلة رفيعة، ولم يكن مقبولاً في عصره أن تنسب هذه المسرحيات له، فكتبها، ونسبها لذلك الكاتب والممثل المغمور – أي: شكسبير – آنذاك.
وستظل هذه القضية مثارة، ولا يمكن الجزم فيها برأي قاطع، ولكننا نرى هنا – إن صح افتراض أن المسرحيات المنسوبة لشكسبير منسوبة إليه وأنه المؤلف غير الحقيقي لها–أن المبدع الحقيقي يتخلى عن نصوصه التي أبدعها باختياره؛ لعوامل اجتماعية وسياسية، ومن ثم يصبح الاعتداء عليه في نسبة نصوصه لغيره، قد تم بإرادته.
وفي عصرنا هذا نرى هذه الظاهرة واضحة جدًّا، فبعض المؤلفين المغمورين من ذوي المواهب الكبيرة في كتابة النصوص المسرحية لا تمكنهم ظروفهم من أن ترى مسرحياتهم النور بعرضها، فيضطرون لبيع مسرحياتهم لكتاب آخرين ظاهرين في الأضواء.
وقد تناول هذه القضية على أحمد باكثير في مسرحية “جلفدان هانم”، فرأينا فيها كاتبًا مغمورًا اسمه “عاطف الأشموني” يضطر أن يبيع رواية ألفها، لشخص ثري ولكنه يتألم بعد ذلك، ويكاد يجن، لأن نصه قد نسب لغيره، وأنه قد وافق على قيام هذا الاعتداء عليه وعلى نصه بنسبه لغيره؛ بسبب كونه مغمورًا ولحاجته للمال.
ويستطيع عاطف الأشموني في هذه المسرحية بعد جهود كبيرة أن يثبت أنه المؤلف الحقيقي لرواية “الجنة البائسة” التي نُسِبَتْ في البداية لغيره، ولقيت نجاحًا كبيرًا؛ وبهذا تحل عقدة هذه المسرحية.
وهكذا رأينا في هذا المقال أن مبدع النص المسرحي يتعرض لأنواع مختلفة من الاعتداءات، وأنه يقاوم هذه الاعتداءات، ويظهر مواقفه منها، وكان أشد هذه الاعتداءات عليه ما يتعرض له في العصر الحديث من إهمال نصوصه؛ لكونها لم تعد تناسب صيحة التجريب، أو بأن تفكك خلاياها على أيدي المخرج والدراماتورجي؛ لتناسب رؤية المخرج لها عند عرضها.
وأيضًا من أهم الاعتداءات التي يتعرض لها المؤلف المسرحي والنص الذي يبدعه في عصرنا أن يضطر لنسبة نصه المسرحي لغيره من الكتاب البارزين؛ لكونه مغمورًا، ولعدم قدرته على التواصل مع كبار المهتمين بالفن المسرحي والقادرين على تنفيذ العروض المسرحية، إلى جانب وجود حاجته المادية التي تضطره للموافقة على قيام ذلك الاعتداء عليه وعلى نصه المسرحي في أن ينسب لغيره. عرض أقل





