مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

مسرحية أحلام بائع من إعداد يعقوب الشاروني – ا.د علي خليفة

547753199 3664053587234149 386656168470046037 n

(١)

استلهم يعقوب الشاروني هذه المسرحية من إحدى القصص العربية، وقد وردت هذه القصة في عدة كتب، ومنها كتاب ألف ليلة وليلة، وكتاب كليلة ودمنة لابن المقفع، وأيضا كتاب المحاسن والأضداد المنسوب للجاحظ، ونرى في هذه القصة في هذا الكتاب الأخير الحجاج بن يوسف الثقفي يستمع للشخص الذي يمتلك بعض الأباريق الزجاجية – دون أن يراه ذلك الشخص – ويحلم خلال يقظته بأنه سيبيعها، ويكسب فيها، ويشتري أضعافها، ويبيعها هي أيضا، ويستمر في ذلك حتى يكسب أموالا كثيرة، فيتجرأ على طلب يد ابنة الحجاج الثقفي، وخلال حلم يقظة ذلك الشخص تحدث منه حركة لا إرادية ينتج عنها كسر هذه الأباريق الزجاجية التي معه، وعند ذلك يظهر له الحجاج الثقفي، ويأمر سيافه بضربه بالسوط؛ لأنه تجرأ وفكر في خطبة ابنة الحجاج الثقفي والي العراق في الدولة الأموية، وقد كان مشهورا بالشدة والغلظة في التعامل مع الناس.

وسبق أن استلهم ألفريد فرج هذه القصة في مسرحية من فصل واحد بعنوان بقبق الكسلان، وعلى الرغم من أن المؤلف قد وجهها للكبار فإنني أرى أنها ستكون مناسبة أكثر عند عرضها على الأطفال؛ لبساطة عقدتها، وللجوانب التربوية التي يوجهها المؤلف من خلالها.

(٢)

أما عن مسرحية أحلام بائع فإنها تتصف بقصرها، وبساطة أحداثها، وهي تحكي عن بائع للأكواب الزجاجية والأباريق، وكان يحمل سلة على رأسه فيها أكواب زجاجية وأباريق، ووصل في سيره بها إلى طريق يؤدي لإحدى القرى، ويحدث له عند ذلك عدة أحداث، فهو في البداية يتفادى طفلا كاد يصطدم به، ويتسبب في سقوط هذه السلة بالأكواب والأباريق الزجاجية التي بها وكسرها، ثم يأتي نحو هذا البائع شخص بدين، ويحاول ذلك البائع أن يستحثه على شراء بعض الأكواب والأباريق منه، فيصف له جوعه وحاجته للمال، ولكن ذلك الشخص البدين لا يعبأ به، بل إنه يمد يده عليه ويضربه عندما بدا من كلام هذا البائع له أنه يسخر من بدانته وأكله للطعام الكثير.

ثم يمر بهذا الطريق الذي تدور في جانب منه أحداث هذه المسرحية امرأة، ويستحثها ذلك البائع على أن تشتري من الأكواب والأباريق التي معه في سلته، فتستجيب له، وتشتري منه ثلاث مجموعات من الأكواب وإبريقا، وتنقده بعض النقود على ذلك، فيسر هذا البائع سرورا كثيرا، ويعيش في أحلام يقظته، فيتخيل أنه سيبيع أكوابا وأباريق كثيرة، في وقت قصير، وأنه سيصبح عنده بائعون يعملون لحسابه، وأنه عند ذلك سيصبح ثريا، وعنده أموال كثيرة؛ ولهذا اشترى قصرا، وتخيل نفسه وهو يصعد درجاته، وتصور نفسه خلال صعوده هذه الدرجات أنه رأى ذلك الشخص البدين قد أتى إليه في قصره؛ ليعتذر له، ويتقرب منه بعد أن صار غنيا، وتصور أنه سيعامله بحدة، ولن يقبل اعتذاره، بل يضربه بقدمه، وعند ذلك تصيب قدمه تلك السلة التي بها أكوابه وأباريقه، فيشعر بالأسى؛ لأنه فقد المصدر الذي كان يغذي به أحلام يقظته، كما أنه شعر أنه سيعاني من الجوع بسبب ذلك الحادث الذي حدث للأكواب والأباريق في تلك السلة.

وخلال التمثيل الذي كان يقوم به ذلك البائع وهو يصور حلم يقظته كان يتابعه بعض الأطفال، وقد ضحكوا ساخرين منه بعد أن كسرت أكوابه وأباريقه، وحاول ذلك البائع أن يمسك بهم؛ ليضربهم، ويخرج كل الغضب الذي اجتاحه، ولكنه فشل في ذلك أيضا.

(٣)

وأعتقد أن نهاية هذه المسرحية غير مناسبة لمسرح الطفل، ففيها يسخر بعض الأطفال من حال هذا البائع بعد أن تحطمت أحلام يقظته بضحكهم منه، وهذا سلوك سيئ منهم، كما أن رغبته في ضربهم لسخريتهم منه هو سلوك سيئ أيضا.

وهذه النهاية لهذه المسرحية غالبا ستجعل المتلقي الصغير لها لا ينتبه لما أراد المؤلف أن يبثه فيها من قيم أخلاقية، وهي ضرورة الاجتهاد والعمل للوصول للنجاح وتحقيق الطموح، لا أن نكتفي في ذلك بأحلام اليقظة فقط، كحال البائع في هذه المسرحية.

وأيضا من القيم الأخلاقية الأخرى في هذه المسرحية الحث على الميل للنشاط وترك الكسل، والحث على أن يكون البيع والشراء بسماحة ولطف دون أي تعد وتجاوز من البائع أو المشتري.

وملاحظة أخرى أذكرها عن هذه المسرحية أنها خلت من الكوميديا رغم أن الحدث الذي بها كان من السهل صياغته بأسلوب كوميدي، في تصوير المفارقة بين أحلام اليقظة لهذا الشخص في ثرائه من خلال الأكواب والأباريق التي في سلته، وبين انهيارها بسبب ركله لها بقدمه دون قصد منه، وعلى خلاف ما نراه في هذه المسرحية من اختفاء الكوميديا منها فإننا نرى مسرحية بقبق الكسلان قد بدت فيها الكوميديا في أحداثها، وفي تصوير شخصية بقبق الشديد الكسل فيها.

وجدير بالذكر هنا أن يعقوب الشاروني يتوسع في ذكر إرشاداته المسرحية في هذه المسرحية؛ حتى لتبدو كأنها أجزاء سردية من قصة، وأغلب الظن عندي أن المؤلف يتبع هذه الطريقة في بعض مسرحياته للطفل؛ حتى يستمتع المتلقي الصغير بقراءتها؛ لأنه سيرى أن أسلوبها يجمع بين البناء المسرحي، والسرد القصصي.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading