مسرحية قارب بلا صياد للكاتب والشاعر الاسباني اليخاندرو كاسونا «1965 – 1903» – ا.د علي خليفة

يعد أليخاندرو كاسونا من أهم كتاب المسرح الأسباني في العصر الحديث، ومثلت كثير من مسرحياته في مختلف بلاد العالم؛ ومن ثم فهو كاتب عالمي، وفي مسرحياته سحر خاص، فهو يمزج فيها بين الواقع والخيال، ويكشف أغوار النفس الإنسانية وما يصطرع فيها من تناقضات.
وتعد مسرحية “قارب بلا صياد” من روائع مسرحياته، ونرى في هذه المسرحية مزجه بين عالم الواقع وعالم الخيال بما فيه من انتقال من عالم إلى عالم آخر فيه الملائكة والشياطين والسحر والخرافة، وهو مزج يجلو النفوس البشرية، ويطلعها على عوالم كانت تجهلها، فتعيد نظرها للأمور، وترتد إلى فطرتها السليمة التي خلقها الله عليها.
وتبدأ مسرحية “قارب بلا صياد” بمشهد واقعي نرى فيه رجل الأعمال الثري ريكاردو خوردان يتعرض لخسائر كبيرة، وهو على وشك الإفلاس، وربما الحبس، وتخلى عنه أقرب المقربين منه، بما في ذلك عشيقته التي انتشلها من الشارع، وارتمت في أحضان منافسه مندل الذي كان تلميذًا له، وتفوق عليه، ووضعه في هذا المأزق الصعب، ويرفض ريكاردو أن يلجأ لمندل، ويطلب غفرانه ومعونته.
وفي غمرة إحساس ريكاردو باليأس يأتيه الشيطان على هيئة رجل متشح بالسواد، ويعرض عليه أن يكتب عقدًا معه، يعترف فيه بأنه مستعد لارتكاب جريمة قتل، وعند ذلك يعده الشيطان بأن يعيد إليه ثروته، ويقضي على خصومه، ويرفض ريكاردو أن يقوم بجريمة قتل، رغم أنه في منافساته في العمل قد ارتكب جرائم كثيرة، ولكنه لم يرتكب جريمة القتل.
ويُعَرِّفُ الشيطان ريكاردو أنه لن يقتل بيده، ويكفي أن يوقع العقد، وسيقوم هو بالباقي، ويوقع ريكاردو العقد، وفي هذه اللحظة يتراءى له عن بعد في إحدى القرى الإسكندينافية شخص اسمه بيتر أندرسون يعود لبيته سعيدًا بعد أن حقق حلمه بشراء مركب، وتتطلع له زوجته من نافذتها، وفجأة يتم إسقاطه من فوق ربوة، وتشاهد هذا زوجته وتصرخ في ألم.
ويختفي الشيطان، ويعرف ريكاردو أن أسهم شركاته ارتفعت فجأة في البورصة ارتفاعًا شديدًا، وخسر خصومه خاصة مندل، وتعود الثروة له من جديد، ويلفظ عشيقته حين حاولت أن تعود له مرة أخرى.
ولا يهنأ ريكاردو بالسعادة، فضميره معذب؛ لأنه كان سببًا في قتل بيتر أندرسون وألم زوجته، ويترك شركاته والبورصة، ويخرج مرتحلاً باحثًا عن قرية بيتر أندرسون وزوجته، ويصل لهذه القرية، وينزل ضيفًا عند ستيلا زوجة بيتر، ويعجب بحياتها البسيطة، وطيبتها ونقائها، وكذلك يعجب بالحياة البسيطة التي تشبه الفطرة التي يعيشها أهل هذه القرية، وعاش ريكاردو بين أهل هذه القرية أسبوعين انتظارًا لباخرة ستعيده لمدينته ولأعماله.
وخلال هذه الفترة التي عاشها ريكاردو في هذه القرية تعلّم الصيد بالشباك، وأنس به أهل هذه القرية، وأعجبت به جدة ستيلا التي كانت تأمل أن يكون هناك رجل في البيت بعد موت بيتر، وسعدت أن حل ريكاردو مكانه في هذه الفترة، وتتولد في نفس ريكاردو عاطفة حب نحو ستيلا، وتبادله هذه العاطفة، ولكن لم يصرح أي منهما للآخر بذلك.
ويشعر ريكاردو أن ضميره يؤلمه، ويحاول أن يجد الفرصة ليخفف عن ضميره باعترافه لستيلا أنه كان السبب في موت زوجها، وفي اللحظة التي استجمع فيها شجاعته في اليوم الذي سيرحل فيه من هذه القرية يهم بمكاشفة ستيلا بهذا الأمر، ولكنه قبل أن ينطق لها بما في نفسه، ويثقل عليه ضميره تأتيها أختها فريدا، وتعرفها أن زوجها كريستيان أصيب في حادثة، واصطدم صدره بصخرة، وهو يكاد يحتضر، ويرغب في أن يراها ليعترف لها بسر مهم، وتدرك ستيلا هذا السر، فهي تعرف أنه الذي قتل زوجها غيرة منه لنجاحه في العمل عنه، ولأنه ظفر بستيلا التي كان يحبها هو أيضًا قبل أن يتزوج أختها.
وتذهب ستيلا لكريستيان، وتقول له: إنها سامحته، ويشعر براحة ضميره، ويرتضي أي مصير يمكن أن يئول إليه، وتشعر ستيلا أيضًا بأنها تخففت من شيء كان يثقل على صدرها بمنحها الغفران لكريستيان.
ويدرك ريكاردو أنه لم يقتل بيتر أندرسون، ويأتيه الشيطان من جديد، ويقول له: ليس المهم أن تقتل بيديك، لقد قتلت بالنية والعزم، ويتحاور ريكاردو مع الشيطان، ويعرفه أنه لم يعد ريكاردو رجل الأعمال الذي لا يهمه غير جمع المال، فقد تطهر من ذلك التكالب على الحياة بوخزات ضميره، وبحياة الفطرة النقية التي عاشها بين أهل هذه القرية، ويدرك الشيطان أنه قد انهزم في هذه المعركة؛ لأن الشخص الذي أمامه غير الذي وقع معه العقد، ويدرك الشيطان أن حب ريكاردو لستيلا قد صفى نفسه أكثر، فيعطيه العقد؛ لأنه لم تعد هناك حاجة إليه.
ويدرك ريكاردو أنه بفسخ هذا العقد قد عاد فقيرًا كما كان قبل كتابته إياه، فيفرح؛ لأنه بهذا استرد نفسه الضائعة وضميره اليقظ، ويُعَرِّفُ ستيلا أنه يرغب في أن يبقى معها، وتفرح بذلك، وتشعل بورقة العقد المصباح الذي اعتادت إشعاله كل ليلة حين يحل الظلام.
وأعتقد أن فكرة هذه المسرحية الأساسية هي الصراع مع الضمير، وهو بحق أهم ما يفرق بين الإنسان والحيوان، فالإنسان قد يظن مع تكالبه على المادة في هذا العصر أنه لم يعد بحاجة لضميره، ولكن أليخاندرو كاسونا يقول في هذه المسرحية: إن هذا غير صحيح، فلا بد أن يأتي للإنسان وقت يستشعر فيه ضميره ثقل الجرائم والآثام التي ارتكبها، ويصبح مُعَذَّبًا بهذا الضمير، ويكون تطهيره من خلال الإحساس بهذا الألم، ويرى كاسونا ان خلاص هؤلاء البشر الذين أثقلت عليهم ضمائرهم يكون بالعودة لحياة الفطرة البسيطة النقية.
وليس ريكاردو – في هذه المسرحية – هو فقط المثقل بتعذيب ضميره للجريمة التي يظن أنه كان السبب فيها، بل هناك أيضًا كريستيان الذي قتل بيتر بالفعل، وصار مُعَذَّبَ الضمير بعد ذلك، كما لاحظت ذلك ستيلا، فصار معاقرًا للخمر، ولا يجرؤ على النظر لوجهها، وعندما كان يحتضر شعر أن خلاصه باعترافه لستيلا بجريمته عساها أن تغفر له، وغفرت له، فشعر براحة الضمير، قبيل أن يموت.
وهذه المسرحية تفتح باب الأمل للإنسانية بأن الحياة مهما طغت المادية عليها فخلاص البشر فيها في العودة لضمائرهم، وتطهيرها، وإن شعرت هذه الضمائر المُعَذَّبَةُ بأن آلامها لا تتوقف فخلاصها في العودة لحياة الفطرة البسيطة النقية.
وقد استلهم كاسونا هذه المسرحية من قصة قصيرة لجان جاك روسو، وكذلك لا يخفى تأثره في هذه المسرحية بحكاية “فاوست” الشعبية ذات الأصول الألمانية، وخاصة صياغة جوتة لها في مسرحية “فاوست”.





