من كتابي (قيمة الصداقة في فكر الجاحظ) – د. علي خليفة

إمكانية وجودالصداقة
كثير من الفلاسفة
والكتاب رأوا عدم إمكانية وجود الصداقة، ومنهم من رأى أنها سلعة يندر وجودها، وقلما
تتحقق بين الناس، فهذا أرسطو يرى: أن الصداقات النبيلة “نادرة جدًّا، وأن الناس
الذين هم على هذا الخلق قليل جدًّا”.
وأبو حيان
التوحيدى – مؤلف كتاب الصداقة والصديق – يقول: “وقبل كل شىء – ينبغى أن نثق بأنه
لا صديق، ولا من يتشبه بالصديق”.
وكان لطبيعة
أبى حيان المتشائم، ولظروف حياته القاسية فى عصره أثر على موقفه من قوله بعدم إمكانية
وجود الصداقة؛ ولهـذا يقـــول أيضـــًا: “وإذا أردت الحــق علمــت أن الصداقة،
والألفة، والأخوة، والمودة، والرعاية، والمحافظة قد نبذت نبذًا، ورفضت رفضًا، ووطئت
بالأقدام، ولُويت دونها الشفاه، وصُرمت عنها الرغبات”.
ويؤكد على
موقفه بعدم وجود صداقة حقيقية بقوله: “لأنى فقدت كل مؤنس وصاحب، ومرفق ومشفق،
والله! لربما صليت فى الجامع فلا أرى إلى جنبى من يصلى معى ….”.
ولربما كان
قول أبى حيان التوحيدى بعدم إمكانية وجود صداقة حقيقية – إلى جانب ما ذكرته سابقًا
– لاعتقاده بأن الإنسان مفطور على الشر، لا يعرف الوفاء.
وعلى الرغم
من كثرة حديث ابن حزم الأندلسى عن
قيمة الصداقة
– لاسيما فى رسالة “الأخلاق والسير فى مداواة النفوس” – فإن موقفه من عدم
إمكانية وجودها يتفق – إلى حد كبير – مع موقف أبى حيان التوحيدى، يقول ابن حزم:
“مَن
امتحن بأنْ يخالط الناسَ فلا يُلق بوهمه كله إلى مَن صحب، ولا يبن منه إلا على أنه
عدو مناصب، ولا يصبح كلَّ غداةٍ إلا وهو مترقِّب من غدر إخوانه، وسوء معاملتهم، مثل
ما يترقب من العدو المكاشف، فإنْ سَلِمَ من ذلك فلله الحمد،وإنْ كانت الأخرى ألفى متأهبًا
ولم يمت همًّا”.
ومن الفلاسفة
من قال بعدم إمكانية وجود الصداقة والصديق مثل باسكال الذى يقول: “لا يوجد إنسان
يقول عنا فى حضورنا ما يقوله فى غيابنا، وجميع المشاعر الودية أساسها هذه الخديعة المتبادلة،
وما أقلّ الصداقات التى كان يمكن أن تستمر، لو أننا علمنا ما قاله أصدقاؤنا من وراء
ظهورنا”.
ويمكن أن
يفهم من بعض عبارات للجاحظ مشايعته لهذا الرأى فى عدم إمكانية وجود صداقة حقيقية بين
الناس. مثل قوله: “استعمل سوء الظن بجميع الأنام”.
وكذلك يمكن
أن يفهم من رسالة وجهها الجاحظ لبعض إخوانه ميله لهذا الرأى.
وليس بغريب
والجاحظ يتحدث عن كتمان السر وحفظ اللسان أن يطلب إلى كل شخص أن يحرص على أسراره ولا
يكشفها حتى لأصدقائه، وأن يحترس بتغليبه سوء الظن بالناس. وهذا لا يعنى إنكاره الصداقة،
بل إنه يطلب إخفاء الأسرار الخاصة حتى عن أقرب الأصدقاء – كما سوف نرى عند حديثنا عن
آداب معاملة الصديق عند الجاحظ – .
وكذلك الرسالة
التى عرضنا جزءًا منها – وفيها يقول: إنه “قل عنده من يثق بوفائه، أو يحمد مغبة
إخائه” – كتبها الجاحظ فى ظروف نفسية صعبة إثر محنة – فيما يبدو – تعرض لها،
ولا يمكن
أن نسحب حكمه هذا على الأخوة والصداقة على موقفه من الصداقة فى فترات حياته كلها، ثم
إن الجاحظ
قد كتب هذه
الرسالة لصديق، فهو حين يشكو بعض
الإخوان والأصدقاء
يشكوهم لصديق؛ مما يدل على أنه يرى أهمية الصداقة فى حياة الإنسان،ويخالف رأى من اعتقدوا
بأنه
لا يمكن وجودها
فى حياة الناس.
وقد مرّ بنا
عند حديثنا عن أسباب اهتمام الجاحظ بالصداقة – كلام كثير له يدل على اهتمامه بهذه العلاقة
الإنسانية النبيلة وتقديره لها، وحرصه عليها فى حياته من خلال تقديره الكبير لأصدقائه.
وحين نتأمل
رسالة الجاحظ الإخوانية لإبراهيم بن المدبر نرى الجاحظ يرفع الصداقة – فى خطابه لابن
المدبر فيها – إلى منزلة العشق، ومن كلام الجاحظ فى هذه الرسالة الذى يدل على حبه لصديقه
إبراهيم وتقديره الكبير لعلاقة الصداقة – فى الوقت نفسه – قوله: “وذكرت أيضًا
ما رمانى به الدهر من فرقة أعزائى
من إخوانى
الذين أنت أعزهم، ويمتحننى بمن نأى من إخوانى وخلصائى الذين أنت أحبهم وأخلصهم، ويجرّعنيه
من مرارة نأيهم وبعد لقائهم، وسألت الله أن يقرن آيات سرورى بالقرب منك”.





