دراسات أدبية

محمد الهراوي بين الريادة التاريخية والريادة الفنية في مسرح الطفل المصري والعربي – د. علي خليفة – مصر

 

331770007 116468991313642 2910359676510338599 n

كتب محمد الهراوي عدة مسرحيات للطفل في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وهو بهذا يعد أول من كتب مسرحيات للطفل، ونشر بعضها في تلك الفترة المبكرة من تاريخ مسرح الطفل في مصر والعالم
العربي، وقد عثر عبد التواب يوسف على خمس مسرحيات له، وقام بتحقيقها ونشرها- ونرى
في هذه المسرحيات مسرحيتين شعريتين؛ هما مسرحية الذئب والغنم ومسرحية المواساة،
وثلاث مسرحيات نثرية؛ هي مسرحية حلم الطفل ليلة العيد، ومسرحية عواطف البنين،
ومسرحية الحق والباطل – وأشار في مقدمة الكتاب الذي نشر فيه هذه المسرحيات الخمس
إلى أن محمد الهراوي له مسرحيات أخرى مخطوطة، ولكنه لم يعثر عليها، وأنها من
الممكن أن يتم العثور عليها فيما بعد.
ولا شك أن كتابة محمد الهراوي لهذه المسرحيات للطفل في تلك الفترة المبكرة من تاريخ مسرح الطفل في مصر
والعالم العربي تجعله رائدا لمسرح الطفل في مصر والعالم العربي، ولكنها ريادة
تاريخية فقط، فمسرحياته التي وصلتنا ليست جيدة، ولسنا نرى فيها موهبة كبيرة في
كتابة مسرحية الطفل؛ وهذا يعود لكون محمد الهراوي شاعرا بالأساس، وقد كتب عدة
دواوين من الشعر للأطفال، وجمعها الشاعر أحمد سويلم وحققها في كتاب واحد منشور،
كما أن ضعف مسرحيات الهراوي للطفل يرجع لكونه لم يكن على معرفة جيدة بفن المسرح،
وهذا يتضح بجلاء حين نرى أن مسرحياته التي وصلتنا ليس بها أحداث مثيرة، كما أن
الصراع فيها ضعيف، ويضاف لهذا أن الشخصيات لم ترسم بدقة بها.
وأوضح هذا فأقول: إننا نرى أن الأحداث غير مثيرة في مسرحياته، فعلى سبيل المثال نراه في مسرحية حلم الطفل
ليلة العيد يعرض حدثا غير مثير، ففيها نرى طفلا ينتظر يوم العبد بشغف كبير؛ ليلعب
مع رفاقه فيه بألعابهم الجديدة، ونراه ينام، ويحلم أن العيد قد جاء، ولعب فيه،
ويستيقظ من نومه، ويظن أن الحلم الذي رَآه كان حقيقة، فيحزن لكون العيد انتهى،
ولكنه يسر حين يعرف من والدته ان العيد قد بدأ مع فجر هذا اليوم الجديد، فيسر
كثيرا بهذا، ونلاحظ أننا لم نر حدثا مثيرا في هذه المسرحية؛ مما يجعل الأطفال
الذين يتلقون هذه المسرحية لا يشعرون بمتعة كبيرة حين تلقيهم لها.
والأمر لا يقتصر في مسرحيات الهراوي للطفل على عدم اختياره للأحداث المثيرة المشوقة بها، بل إنننا
نراه يجعل حل العقدة في بعضها يتم بطريقة المصادفة، ومن شخصيات خارج الصراع فيها،
كما نرى هذا في مسرحية الذئب والغنم، ففيها نرى ذئبا ادعى أمام غنم أنه أعمى، و
يحتاج الى من يرعاه، فصدقته غنمة منه دون باقي الأغنام التي معها، ووافقت أن تصحبه
لبيتها لترعاه فيه، وفي منتصف الطريق فتح الذئب عينيه المغمضتين، وعرف الغنمة
بحيلته، وهم بافتراسها، ثم نرى الحل لهذه العقدة يأتي بطريق الصدفة، ومن عنصر خارج
الأحداث، فنرى الصبي راعي هذه الأغنام يفؤق من نومه فجأة، ويصوب بندقيته على الذئب
ويقتله، ولم يكن لهذا الصبي الكسول أي علاقة بأحداث المسرحية قبل ذلك، وكان من الأفضل
ان تحتال هذه الغنمة على الذئب بحيلة لتنجو منه، أو ان تهجَّم الاغنام التي معها
عليه، وتبعد هذا الذئب عن هذه الغنمة، لا أن يأتي الحل في هذه المسرحية، كما رأينا
مصادفة، ومن عنصر يبدو دخيلا على الأحداث الأساسية بها.
وما دام محمد الهراوي لا يحسن اختيار الأحداث المثيرة لمسرحياته التي كتبها للطفل فإنه لا يقدم فيها الصراع
المثير الذي يؤدي لتفاعل الطفل المتلقي لها، بل إن الصراع فيها يبدو ضعيفا، كما
نرى هذا في مسرحية الحق والباطل التي نرى فيها المؤلف رمز للحق بشخصية ملك، ورمز
للباطل بشخصية شيطان، ومن بداية المسرحية يبدو ضعف الشيطان الشديد أمام الملك،
ونراه لا يستطيع إغواء بعض البشر بفعل الشر إلا في حالة ابتعاد الملك عنه، وكذلك
نرى في هذه المسرحية أن العامل والخادم اللذين يعملان في محل جواهري قد انكشف
خداعهما سريعا لشخصين باعا لهما خاتم ألماص مزور، وتم عقابهما، ولم نر أي صراع
مثير خلال ذلك.
وتبدو الشخصيات مسطحة في مسرحيات الهراوي للطفل، وكل شخصية منها تدل على صفة معينة بها، كما نرى مثالا لذلك في مسرحية عواطف البنين، فالأب قيها شخص طيب يقوم بعمله من أجل الحصول على الرزق
لأسرته، والأم فيها ربة بيت تحب النظام والانضباط، ولكنها تتشدد في تنفيذ ذلك؛
ولهذا نراها تعاقب ابنها وبنتها عقابا شديدا حين تقع منهما أي أخطاء، ونرى الطفلين
فيها يحبان اللعب والترفيه.
ويضاف لهذا أننا نرى مسرحيات الهراوي الخمس المنشورة له تخلو من الفكاهة وهي عنصر مهم في الأدب الموجه
للطفل، لاسيما في مسرح الطفل، أكثر من ذلك أننا نرى مسرحيته المواساة فيها حوادث
مقبضة شديدة الكآبة، ففيها نرى زوجا يعاني شدة المرض، وطفلين له يتألمان من شدة
الجوع، وزوجة لا تدري ماذا تفعل مع شدة مرض هذا الزوج وشدة جوع ولديها، ويموت خلال
أحداث هذه المسرحية الزوج، ومثل هذه الأحداث المقبضة الكئيبة تحدث في الواقع،
ولكنها غير مناسبة لمسرح الطفل الذي يجب أن نرفه فيه عن أطفالنا، ولا نبعث الكآبة والتشاؤم في نفوسهم.
وهكذا رأينا أن مسرحيات محمد الهراوي للطفل تدل على أنه رائد لمسرح الطفل في مصر والعالم العربي لكونه أول
من كتب مسرحيات للطفل في مصر والعالم العربي، ولكن هذه الريادة تاريخية فقط، لأننا لا نجدة جودة فنية واضحة في هذه المسرحيات.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading