الجنس في مسرح صلاح عبد الصبور✍ا.د/علي خليفة

بداية نرى أن حضور المرأة ليس قويًّا في مسرحيات صلاح عبد الصبور،
ومما يدل على هذا أننا نرى مسرحيتين له من خمس مسرحيات ألفها، لا يوجد للمرأة أي حضور فعلي فيهما – وهاتان المسرحيتان هما: مسرحية “مأساة الحلاج”، ومسرحية “مسافر ليل” – وربما كان من أسباب ذلك أن صلاح عبد الصبور ينشغل في مسرحه بقضايا دينية وفكرية وسياسية، وفي الوقت نفسه فإنه لا ينشغل كثيرًا
في مسرحه بالعلاقات العاطفية التي تكون بين الرجل والمرأة.
والملحوظة الثانية التي أذكرها في هذا المقام أن حضور المرأة الضعيف
في مسرح صلاح عبد الصبور غالبًا ما يكون ممتزجًا بالحديث عن الجنس، وسنرى أن صلاح عبد الصبور في تلك المسرحيات التي كان فيها يعرض لأمور تتعلق بالجنس كان الجنس يوظف فيها من أجل أغراض فنية وفكرية، ولم يكن يثار الحديث عنه من أجل دغدغة الغرائز.
(2)
ذكرنا أن حضور المرأة مرتبط في مسرحيات صلاح عبد الصبور بالجنس، وأكثر من هذا أننا نرى أن المرأة في مسرحيات صلاح عبد الصبور لا تعرف الحب بعيدًا عن الجنس، ففي مسرحية “ليلى والمجنون” رأينا ليلى تمل من شكوى سعيد
– الذي يحبها حبًّا رومانسيًّا – من ماضيه التعس الذي يكبل عليه واقعه، ويشعره بالعجز عن الفعل، ويجعله مجرد منتظرللقادم الذي يحمل سيفًا، وليس قلمًا مثله، وتترك ليلى سعيد الرومانسي الحالم، وتعود لعلاقتها بحسام الذي يحبها حبًّا شهوانيًّا، وتسلم له جسدها، وتتحدث بعد ذلك بانتشاء عن تلك الليلة التي نامت فيها على فراش واحد مع حسام، وإن كنّا قد رأيناها قد انقلبت على حسام وعلى تلك الليلة التي باتت معه فيها على فراش واحد حين علمت أنه جاسوس على زملائه في الصحيفة التي كانوا يعملون فيها قبيل ثورة 23 يوليو.
وأيضًا نرى الأميرة في مسرحية “الأميرة تنتظر” تقيم علاقة جنسية مع أحد الحراس في المملكة التي يحكمها والدها، وتستمر هذه العلاقة عدة سنوات، وقد سَيَّرَتْها علاقتها تلك معه إلى خاضعة له، فقبلت أن يقتل ذلك الشخص أباها أمامها، وأن يأخذ خاتم ملكه، ويدَّعي لباقي الجند في تلك المملكة أن والد هذه الأميرة قد أوصى له بابنته ومملكته قبل أن يموت، وتعيش هذه الأميرة في وحل هذه الأكاذيب فترة من الزمن مشدودة لجسد هذا الشخص، حتى تتمرد على تلك العلاقة، وعلى كل الأخطاء التي ارتكبتها معه، وتترك ذلك القصر وتلك المملكة، وتعيش مع ثلاث وصيفات لها في كوخ بسيط بغابة السرو، وتجتر فيه معهن تلك الأحداث التي أدت لسقوطها، ولتهاوي المملكة التي تعيش فيها، حتى يأتي واحد من أبناء الشعب، ويوجهها للطريق القويم، ويقضي على ذلك الشخص الذي أغوى عقلها وسيطر على جسدها في الماضي، وكان يرغب أن يواصل إكمال هذا الدور معها لولا تدخل ذلك الشخص بقتله إياه.
وكذلك نرى الملكة في مسرحية “بعد أن يموت الملك” ترغب في الإنجاب بأي شكل حتى لو كان ذلك عن طريق أن يصاحبها شخص آخر بعلم زوجها الملك؛ لأنه غير قادر على الإنجاب، ولا نرى ذلك الملك يعترض على كلامها هذا، ولا يغضب منها.
(3)
ونلاحظ أن الجنس يتم توظيفه لأغراض مختلفة في مسرحيات صلاح عبد الصبور، فنرى أن الجنس يكون وسيلة للإغواء والسيطرة على جسد وعقل الآخر، والآخر هنا هو الأميرة في مسرحية “الأميرة تنتظر”، وقد رأى أحد حرس مملكة هذه الأميرة – واسمه السمندل – أن هذه الأميرة هي الوريثة الوحيدة لوالدها الملك الشيخ، ورأى أن الوصول لتحقيق حلمه بأن يكون ملكًا يمكن أن يتم من خلال إغواء هذه الأميرة من خلال تخديرها بالجنس، وحقق ذلك، وصرح لها بخطته هذه حين أتى لها، وحدثها في ذلك الكوخ، وقالت له: قدمت لي الحب بلا حب.
ونشعر أن هذه الأميرة بعد فرارها لهذا الكوخ بعد الأخطاء التي ارتكبتها مع ذلك الشخص كانت تنتظر خلاصها، وقد يكون خلاصها بمجىء ذلك الشخص لها، واستسلام جسدها له من جديد، ونشعر في حديثها معه في ذلك الكوخ أنها ما زالت ترغب في جسده، وهي تقول له: لا تنسى المرأة أول رجل باتت ساخنة بين يديه.
والحقيقة أن هذه الأميرة شخصية ضعيفة الإرادة، وكادت أن تستسلم لرغبة جسدها، وتعود مع ذلك الشخص لقصر الحكم بعد أن انقلب كثير من الجند على ذلك الشخص، لولا أن تدخل – كما قلنا – واحد من أبناء الشعب، وقتل ذلك الشخص، وقدم نصائحه للأميرة فيما يجب أن يكون عليه حكمها للبلاد في قابل الأيام.
ونرى في مسرحية “بعد أن يموت الملك” أن الإفراط في الحديث عن الجنس هو تعبير عن عجز جنسي واضح، فالملك في هذه المسرحية يتحدث عن الجنس كثيرًا، ويطلب إلى شاعره أن يصف له مجونه مع جواريه في شعره ، ونكتشف بعد ذلك أنه ملك عاجز عن الإنجاب، وربما كان أيضًا عاجزًا عن الجنس، وإلا لما سمح لزوجته الملكةأن تتجرأ عليه، وتطلب إليه أن يسمح لها بأن تُمارس الجنس مع شخص غيره؛ ليكون لها ولد تسعد به؛ لأنه عاجز عن أن يهبها ذلك الولد.
ونرى الجنس يتم بطريقة فيها إكراه، وبشكل ساديفي مسرحية
“ليلى والمجنون”؛ مما يؤدي للشعور بالقهر، فنرى في حديث سعيد عن تذكارات الماضي حديثه عن زوج أمه الذي كان ينالها بشكل أقرب للاغتصاب، وكانت تتألم كثيرًا من ذلك، وأصيب هو بالانسحاق لكونه قد رأى أمه تعاني من هذا الوضع
في صغره.
(4)
والحقيقة أن مسرحية “الأميرة تنتظر” نرى فيها تنوعًا في الحديث عن الجنس، فنرى وصيفتين للأميرة تذكران نكتتين جنسيتين، وذلك قبيل أدائهما مع الوصيفة الثالثة والأميرة طقوسهن اليومية التي يستدعين فيها ذلك الماضي المخزي للأميرة مع السمندل.
وخلال تمثيل الأميرة مع وصيفاتها الثلاث لبعض أحداث من ماضيها المؤلم نرى إشارات جنسية تشير لعلاقة الأميرة العاطفية والجنسية بالسمندل.
ثم نرى السمندل يأتي للأميرة في الكوخ، و يسرف في الحديث عن لياليهما التي انتشيا فيها بخمر الجنس، وكادت أن تضعف الأميرة للسمندل في هذا الموقف، وتعود معه للمملكة بإغراءاته الجنسية لها – كما ذكرتُ هذا من قبل – لولا تدخل ابن الشعب الذي سارع بقتله؛ حتى لا يغوي الأميرة من جديد، وتصاب المملكة بالضياع، كما حدث من قبل.
وألاحظ أيضًا أن مسرحية “مأساة الحلاج” لا يوجد فيها حديث عن المرأة، سوى في مرة واحدة، وذلك من خلال لغز جنسي يذكره القاضي أبي عمر الحمادي، وذكره لهذا اللغز الجنسي يطلعنا على أنه شهواني، وشديد الإعجاب بنفسه.
ومن كل هذا الذي ذكرته يتضح أن للجنس حضورًا قويًّا في ثلاث مسرحيات ألفها صلاح عبد الصبور، وأن الجنس كان يتم توظيفه في هذه المسرحيات لأغراض مختلفة، ولم يكن يذكر لمجرد دغدغة الغرائز.





