موضوعات غير مناسبة لمسرح الطفل✍️ا.د. علي خليفة-مصر

لا شك أنني أقصد بالموضوعات غير المناسبة لمسرح الطفل هنا مسرح الطفل العربي، فنحن لنا قيمنا التي اكتسبناها من ديننا ومن أعرافنا وتقاليدنا، ونربي أبناءنا منذ صغرهم على هذه القيم والعادات والتقاليد الحسنة، ويكون من غير المناسب أن نرى بعض نصوص مكتوبة للطفل من كتاب عرب تتعارض مع هذه القيم والعادات والتقاليد الطيبة.
كما أن هناك بعض الموضوعات تتم معالجتها في بعض مسرحيات للطفل، وهي تتعارض مع ما ينبغي أن نقدمه للأطفال من فتح أبواب الأمل والتفاؤل أمامهم، وسوف أوضح في هذا المقال بعض الموضوعات التي أرى بعض كتابنا العرب – والمصريين على وجه الخصوص – تناولوها في بعض مسرحياتهم للطفل، وأعلل كيف أنها غير مناسبة للطفل العربي.
أولاً: المسرحيات التي تعرض مشاهد الجنس أو توحي به
وليس غريبًا أن نرى في بعض الأفلام والمسلسلات والمسرحيات الأجنبية المقدمة للطفل عرض بعض المواقف التي فيها إشارات جنسية أو عبارات جنسية، فهذا يتناسب مع ثقافة الغرب، ولكنه لا يتناسب مع ثقافتنا، لا سيما ما نراه في بعض هذه الأعمال من دعوة للشذوذ، وقبوله على أنه شيء عادي نابع من توارث جينات معينة.
ونرى بعض كتاب مسرح الطفل عندنا قد عرضوا مشاهد في بعض مسرحياتهم الموجهة للطفل فيها إثارة جنسية، كما نرى ذلك بوضوح في مسرحية “الذئب” للشاعر أنس داود، ففي هذه المسرحية نرى “عوّاد” يغار من صاحبه جاسر غيرة شديدة، ويحسده على زوجته الجميلة سلمى، ويظهر له الشيطان مشخصًا، فيغريه بجمال سلمى، ويدور بين عوّاد والشيطان حديث فيه دغدغة للحواس عن مفاتن سلمى في جسدها وشدة اشتهاء عوّاد لها، ويغريه الشيطان خلال ذلك باغتصابها؛ لينال رغبته في الارتواء الجنسي منها، ولا شك أن هذا الموضوع غير مناسب لمسرح الطفل، وغالبًا سيشعر الطفل بحرج وبشدة الحياء وهو يستمع لحوار هذه المسرحية الشعرية الذي فيه تصوير لاشتهاء عوّاد لجسد سلمى ولرغبته في اغتصابها التي حثه الشيطان على تحقيقها.
ثانيًا: المسرحيات التي تصور الشخص المحتال على أنه ظريف، وينتصر على غيره من الناس باحتياله
ونرى في بعض الأفلام والمسلسلات والمسرحيات الأجنبية بعض أبطالها ينتصرون على غيرهم ممن يدخلون في صراع معهم من خلال وسائل تعتمد على الغش والخداع، وعلى الرغم من أن هذا يحدث أحيانًا في حياتنا، فنرى الشرير يتفوق على الشخص الطيب باحتياله، فإنه من غير المناسب في مسرح الطفل أن نُظهر الشخص الطيب مخدوعًا وساذجًا، في حين يظهر فيه الشخص الشرير ظريفًا واسع الحيلة، وينال غايته من الشخص الطيب، ويحتال عليه، فمثل هذه المسرحيات تجعل بعض الأطفال يقلدون ذلك الشخص الشرير في احتياله؛ لينالوا غاياتهم حتى لو كانت غير شريفة، ونرى مثالًا لذلك في مسرحية “جحا الميت الحي” لعبد التواب يوسف، فجحا في هذه المسرحية يقوم بحيلة فيها الكذب والخداع بالاتفاق مع زوجته زبيدة؛ لنيل بعض الأموال من السلطان وزوجته، وينجحان
في تنفيذ حيلتهما، وحتى بعد أن تنكشف حيلتهما يضحك منهما السلطان وزوجته، ويغدقان عليهما المال الوفير، وكان من الواجب أن يغضب السلطان وتغضب معه زوجته حين يظهر لهما خداع جحا وزوجته في هذه المسرحية، ويحذرانهما من تكرار هذه الحيل التي تقوم على الكذب والخداع.
ثالثًا: المسرحيات التي تنتصر للخرافة والشعوذة في مقابل التقليل من قدر العلم
أو السخرية منه
ومسرحية “فطيرة الشيخ زويد” لسمير عبد الباقي نموذج جيد للمسرحيات التي نرى فيها انتصارًا للخرافة والشعوذة وتقليلًا من قدر العلم والتفكير العلمي، ففي هذه المسرحية يفشل مجموعة من العلماء في السيطرة على عفريتة تسمى ليئاريسا، ولا يستطيع الإنسان الآلي الذي أرسله هؤلاء العلماء السيطرة عليها وكبح شرها، وهنا يلجأ هؤلاء العلماء للشيخ زويد الذي عنده معرفة بالسحر والشعوذة، فيقوم بالتعزيم على هذه العفريتة، فيشل حركتها، ويمسك بها، فيأخذها منه هؤلاء العلماء، ويرسلونها في فقاعة هوائية للفضاء؛ حتى لا تضر أحدًا بعد ذلك.
ولا شك أن المتلقي الصغير لهذه المسرحية لن يقتنع بأن العلماء الكبار قد فشلوا بعلمهم في مواجهة الخرافات وما يتعلق بها، وأنهم استعانوا بشخص على معرفة بالتعازيم التي تقال للجن للسيطرة على هذه العفريتة المؤذية.
رابعًا: المسرحيات التي فيها دعوة للتشاؤم وفقدان الأمل
وفي المسرح الموجه للكبار نرى مسرحيات واقعية تعبر عن شخصيات محبطة تتجرع غصص الألم خلال حياتها، وتشعر أن الحياة سلسلة متصلة من الإحباطات، وأن من يدرك حقيقتها يشعر بالاكتئاب، كما نرى ذلك في حال كثير من شخصيات أنطون تشيكوف في مسرحياته الطويلة، كمسرحية “الخال فانيا”، ومسرحية “إيفانوف”، ولكن يكون من غير المقبول في مسرحيات الطفل أن ندعو الأطفال فيها للتشاؤم أو للشعور بالكآبة من الحياة والمتاعب التي يلاقيها الناس فيها، بل يجب أن نغرس فيهم – من خلال المسرحيات التي توجّه لهم – روح التفاؤل والأمل في الغد المشرق؛ حتى لا يصابوا بالاكتئاب من صغرهم، وكذلك حتى تكون نفوسهم مشرقة بالأمل؛ فينجحوا في الغد في الانتصار على كثير من الأمور التي فشلنا نحن الكبار في تحقيقها، ونرى مثالًا واضحًا لمسرحية تبث التشاؤم في الأطفال في الحياة في مسرحية “نريد الحياة” للدكتور يوسف عز الدين عيسى، ففي هذه المسرحية يظهر الأطفال في مكان فنتازي تخيله المؤلف على أنه المكان الذي يتواجد فيه الأطفال قبل ميلادهم على الأرض، وكان الأطفال في بداية هذه المسرحية في ذلك المكان يتشوقون لميلادهم على الأرض، وتركهم ذلك المكان، ولكنهم حين رأوا في شاشة موجودة في غرفة الأسرار بهذا المكان حال أكثر آبائهم البائس وما يعانونه من فقر وألم في الحياة على الأرض – رفضوا جميعًا النزول للأرض، وصاحوا جميعًا: لا نريد الحياة.
خامسًا: المسرحيات التي تبالغ في تصوير أجواء الحزن والألم
ولا شك أن من أهم العناصر التي يجب أن يحتوي عليها مسرح الطفل المتعة ممثلة في وجود الإثارة والتشويق، ووجود روح الفكاهة أيضًا، ومن ثم فإن المسرحيات التي تبالغ في تصوير أحداث الحزن وتعبر عن الفواجع – لا سيما فجيعة الموت – بمرارة – تكون غير مناسبة للطفل، وعلى الرغم من أن الحياة فيها مآسٍ كثيرة، ويحيا بعض الأطفال فيها أو يشعرون بها فإن مسرح الطفل لا يجب أن يصور هذه الفواجع بمرارة كبيرة حتى لا يتألم الأطفال وهم يشاهدونها، بل قد يصاب بعض الأطفال ببعض الأمراض النفسية من تأثير هذه المسرحيات المقبضة عليهم، لا سيما أن نفوسهم رقيقة شفافة، وتتأثر بسهولة، ويترسب ما شاهدوه
في نفوسهم، وقد يكون له تأثير سلبي شديد عليهم.
ونرى في مسرحية “المواساة” لمحمد الهراوي أجواء مأساوية شديدة المرارة، ففيها نرى رجلًا يعاني من شدة المرض، ولا تستطيع زوجته فعل شيء له لفقر أسرتها، وتراه هي وطفلاها ينازع حتى يموت على خشبة المسرح، وفي الوقت نفسه نرى طفلي هذين الزوجين يتألمان من شدة الجوع، ولا حيلة للزوجة في إطعام هذين الطفلين لفقرها هي وزوجها، وعلى الرغم من مجيء مسعف يعين هذه المرأة وطفليها بعد ذلك، فإن جرعة الحزن والألم التي تتركها هذه المسرحية شديدة جدًّا، لا سيما لو عرضت على خشبة المسرح، وأنا لا أدعو لعرضها ولعرض أمثالها من المسرحيات التي تقدم للطفل وتزيد فيها جرعة الحزن والمرارة.





