الشيطــــان – د.علي خليفة – مصر
شَخَّص توفيق الحكيم الشيطان في عدة أعمال أدبية له، وفي أغلبها أظهره بصورته المعروف بها بين الناس في أنه منبع الشر في الكون، وأنه لا عمل له سوى وسوسة الناس بعمل المعاصي وارتكاب الجرائم.
ولكنه في بعض أعمال أدبية أخرى أرانا الشيطان بصورة أخرى رسمها من
خياله؛ لأهداف فنية وفكرية لديه. وقد أظهر الحكيم الشيطان مصدرًا للشر والخداع في قصته القصيرة “امرأة غلبت الشيطان” التي استوحى فيها أسطورة فاوست كما رسمها جيتة في مسرحية “فاوست”، وفي قصة الحكيم هذه نرى امرأة قبيحة الشكل وتعاني من سوء معاملة الناس لها، وعدم إحساسها بأنوثتها، وتتمنى في نفسها أن يأتيها الشيطان ويعطيها الجمال والشباب والمال، ويأخذ روحها عند موتها.
وبالفعل يأتيها الشيطان، ويكتب معها عقدًا بدمها مضمونه أنه يعطيها
الجمال والشباب والمال لسنوات معينة، وحين تموت يأخذ روحها لجهنم معه. وتستمتع هذه
المرأة بالمتع الحسية حينًا من الزمن ثم تزهدها، وترغب في المتع الروحية، وتتقرب
إلى الله، وحين تموت لا يستطيع الشيطان أن يأخذ روحها؛ لأنها ماتت مؤمنة بالله.
وفي كتاب “عهد الشيطان” يتخيل الحكيم في قصة “عهد الشيطان” أن الشيطان قد جاءه وعقد
معه عقدًا بدمه مضمونه أنه يعطيه المعرفة كما أعطاها لفاوست في الأسطورة المشهورة،
ويأخذ منه في مقابل ذلك شبابه.
وبعد سنوات يفاجأ المؤلف أنه حصل كثيرًا من المعارف، ولكن الشيطان أخذ منه شبابه وصحته، ولم يبق أمامه سوى شيخوخته.
وفي قصة “الشهيد” التى نشرها الحكيم ضمن قصص كتابه “أرنى الله” يتصور الشيطان بخياله في صورة غريبة، فيتخيل أنه مل من عصيانه الله عز وجل، ورغب في التوبة، ويذهب إلى كبير كهنة اليهود ويطلب إليه أن
يقبله تائبًا في دين اليهودية فيرفضه؛ لأنه جزء من تلك العقيدة بما يبثه من شر في
الناس، وكذلك حدث الأمر نفسه حين ذهب للبابا ولشيخ الأزهر، فكل هؤلاء رفضوا توبته؛
لأن جوهر العقائد عندهم يقوم على أن الشيطان أصل الشر، ولا يمكن أن تستقيم هذه
العقائد إلا باستمرار الشيطان في قيامه بوظيفته في بث الشر في الكون.
وهى قصة تخالف صحيح العقيدة الإسلامية والعقائد السماوية كلها،
فالشيطان اختار المعصية بنفسه كبرًا حين رفض السجود لآدم عندما أمره الله بهذا بعد
خلق آدم، وطرده الله من الجنة، وطلب إلى الله أن يمهله إلى يوم القيامة، وقال: إنه
سيضل الناس إلا عباد الله المؤمنين.
ولا شك أن الحكيم تأثر ببعض الرومانتيكيين الغربيين في تصويره الشيطان على أنه قد مل من ارتكاب المعاصي، ورغب في التوبة.
وللمعتزلة تصور في استمرار الشيطان في المعصية وعدم ركونه للتوبة، وهو
أن الله صرفه عن التوبة، كما صرف بني إسرائيل عن الهداية وهم في أرض التيه، وصرف
الجن عن العلم بموت سليمان عليه السلام حينًا من الزمن، وأمور أخرى قضاها الله على
عباده بمبدأ الصرفة الذي فسر به المعتزلة بعض الأحداث في العقيدة الإسلامية.
وما ذكرناه آنفًا عن موقف الحكيم من الشيطان في قصصه، ونذكر الآن موقفه
منه في مسرحه، ففي مسرحيته القصيرة “عدو إبليس”التي نشرها في كتاب
“عهد الشيطان” يصور الشيطان سعيدًا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم،
ويرى أنه يمكنه الآن أن يزيد في وسوسته للناس وجرهم للمعاصي. ويفرح حين يرى بعض
الصحابة تشككوا في موت النبي صلى الله عليه وسلم، وظن أنهم سيألهونه كما أله
النصارى عيسى، أو سيعظمونه ويرفعونه فوق قدر البشر كما صنع اليهود مع موسى عليه
السلام، ولكن أبا بكر رضي الله عنه، يخطب في الناس، ويقول لهم: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وهنا يعود الناس لرشدهم، ويصاب الشيطان بالخزي.
وفي مسرحية “نحو حياة أفضل” يحلم أحد المصلحين الاجتماعيين
أنه رأى الشيطان في حلمه بعد أن قرأ مسرحية “فاوست” لجيتة، ويأتيه
الشيطان في الحلم ويقول له اطلب أي طلب أنفذه لك، ويطلب إليه المصلح الاجتماعي أن
يجعل القرية التي زارها مع زوجته يسودها العمران، ويتحسن وضع الفلاح فيها، ويوافقه
الشيطان على فعل ذلك شريطة أن يصدق المصلح الاجتماعي في كل قول وفعل يصدران منه.
وينظر المصلح الاجتماعي للقرية فيراها تغيرت فالفلاحون يسكنون في فيلات
منظمة، ولكل فلاح عدد من الأفدنة. ولكن المصلح الاجتماعي يكتشف أن الشيطان قد أصلح
ظاهر معيشة الفلاح ولم يصلح داخله، فبيوت الفلاحين ليست نظيفة من داخلها. ومال
أكثر الفلاحين بعد هذا التحضر الذي حدث عندهم للهو ولشرب المخدرات واتخذ كل رجل
منهم أكثر من زوجة.
وطلب المصلح الاجتماعي إلى الشيطان أن يصلح داخل نفوس الفلاحين وليس
ظاهر حياتهم فقط، ويرد الشيطان على المصلح بأن هذا لم يكن في شرطه معه، ويقول له
المصلح الاجتماعي: ولكن كان هذا في شرطي معك، وإصلاح نفوس الفلاحين والناس عامة
أهم من إصلاح ظاهر حياتهم.
وبالطبع لا يقوم الشيطان بإصلاح نفوس الفلاحين؛ لأن هذا يتعارض مع دوره
في بث الشرور والمعاصي بين الناس.
ويستيقظ المصلح الاجتماعي من حلمه، وقد أدرك أن إصلاح نفوس الناس أهم من إصلاح ظاهر حياتهم، وهذا لن يأتي
بمعجزة، ولكن ببث رسائل الإصلاح بين الفلاحين وتوعيتهم المستمرة.
وكما صور الحكيم الشيطان في قصة “الشهيد” في وضع غريب عليه
كذلك نراه قد صوره في وضع غريب أيضًا في مسرحية “الشيطان في خطر”. ففي
هذه المسرحية يأتي الشيطان فيلسوفًا منهمكًا في الكتابة في حجرة مكتبه، ويطلب
الشيطان إليه أن يبحث له عن حل لمشكلة عويصة ينتظر حصولها وستهدد بقاءه في الدنيا؛
وهى تخوفه من قيام حرب عالمية ثالثة؛ لأن قادة بعض الدول العظمى يسعون بأقوالهم
وأفعالهم لإشعال هذه الحرب، وقيامها يعني نهاية الحياة على الأرض وعقابه من الله.
وقبل أن يحدث الفيلسوف الشيطان عن الحل لهذه المشكلة تدخل زوجة
الفيلسوف عليه في حجرته، ولا ترى الشيطان بها، وتتحدث مع زوجها باستفزاز له،
وتعرفه أن كلمتها هى الأولى والأخيرة في هذا البيت، وتمسك محبرة وتهدد الفيلسوف
بقولها له إنه إن لم يسمع كلامها فسوف تضربه بها، ويخضع لها الفيلسوف.
وحين تخرج هذه المرأة من حجرة مكتب الفيلسوف يهم الشيطان بالانصراف،
ويقول له الفيلسوف: تنصرف قبل أن تسمع الحل الذي أعرضه عليك للمشكلة التي قلتها
لي. فيقول له الشيطان: إنك عجزت عن أن تحل مشاكلك مع زوجتك، فكيف يمكنك أن تحل
مشكلة العالم من احتمال قيام حرب عالمية ثالثة؟! ويتركه الشيطان وينصرف.
وبالطبع الحكيم يقصد بتصوير الشيطان في هذه الصورة في تلك المسرحية أن
بعض قادة العالم في الدول العظمى هم أشد شرًّا من الشيطان.






