مسرحية الديك الطماع لعز الدين علام-ا.د علي خليفة

استوحى المؤلف أحداث هذه المسرحية من إحدى الحكايات الشعبية، وأذكر أن والدتي – رحمها الله – كانت تحكي لي ولإخوتي في طفولتنا هذه الحكاية، وملخص هذه الحكاية عن امرأة كانت غير منجبة، فدعت الله أن يرزقها بمولود حتى لو كان ديكا، وتستجاب دعوتها، فتنجب ديكا، وحين يشب هذا الديك يطلب إلى والديه أن يساعداه في الزواج، فيوجهانه للاعتماد على نفسه في ذلك.
ويقوم هذا الديك بعدة مغامرات يستغل فيها بعض الناس في بعض المواقف، وينتهي به الأمر بأن يتزوج فتاة بكرا جميلا، وبالطبع لا يمكن أن يحدث هذا الزواج إلا في عالم الحواديت.
ويبدو الديك في هذه الحكاية أنانيا مستغلا، فهو يهب بعض الأشياء لبعض الناس، ثم يأتيهم بعد أن استعملوها مطالبا إياهم بها، وعندما يعجزون عن إحضارها يأخذ بديلا منها ما يزيد كثيرا عن قيمتها، وكان آخر ما وهبه لأهل عرس بقرة كبيرة، وبعدأن ذبحها أهل العرس وقدموها للمدعوين لهذا العرس جاء هذا الديك لأهل ذلك العرس وطالبهم ببقرته، ولما عجزوا عن إحضارها لهم لذبحهم إياها وأكل المدعوين لهذا العرس لها – أخذ في مقابلها تلك العروس زوجة له.
وفي هذه الحكاية الشعبية ينتصر الشخص الشرير الطماع على من يتعاملون معه بحسن نية، وهذا الأمر نراه في كثير من الحكايات الشعبية، كحكاية السندباد في بعض مواقفه في كتاب ألف ليلة وليلة.
ويحسب للمؤلف عز الدين علام أنه غير في نهاية هذه الحكاية في نهاية هذه المسرحية، فقد كاد الديك الطماع فيها ينال عقابه بالذبح، ولكنه فر من يد الرجل الذي أمسك به وأراد ذبحه لتقديمه للمدعوين في فرح ابنته مع غيره من الطعام الذي أعده لهذه المناسبة، وتنتهي المسرحية وذلك الرجل وزوجته يطاردان ذلك الديك للإمساك به لذبحه في ذلك العرس، وهو يصرخ مستغيثا، ومحاولا الفرار من ذلك الموقف الصعب الذي أدى إليه طمعه.
ونرى في هذه المسرحية نفس التفصيلات المجودة في الحكاية الشعبية المستوحاة منها مع بعض التعديلات الطفيفة فيها.
وفي بداية هذه المسرحية نرى ذلك الديك يتعامل مع الدجاجة التي ترافقه بتعال، ويبدو شديد الكسل، ولكنه فجأة يترك كسله، ويقرر أن يكون صاحب طموح كبير، فلا يعيش كأمثاله من الديوك حياة عادية مملة ليس فيها سوى الصياح والسعي من أجل الحصول على الطعام القليل لكل يوم.
ولا شك أن هذا التغير في شخصية الديك في الميل لتحقيق طموح كبير لديه بأن يكون شهيرا وله مكانة كبيرة يخالف ميله للكسل الشديد الذي ظهر عليه في بداية هذه المسرحية، وهذا يعد عيبا فيها.
كما أن هذا الطموح الكبير الذي بدا عند الديك طموح مشروع، ومحفز لهمم الأطفال الذين يتلقون هذه المسرحية، ولكن هذا الديك رغب في أن ينفذ طموحه بأن يكون تاجرا كبيرا من خلال الاحتيال والنصب والاحتكار، ولا شك أن هذه وسائل سلبية لتحقيق ذلك الطموح؛ ولهذا لم يصل لمأربه في النهاية، وارتد عليه طمعه.
ولا يعجب ذلك الديك بنصيحة الدجاجة له بأن يرضى بالقليل الذي يحصل عليه من الطعام كل يوم، وبأن يكون ديكا عاديا ككل الديوك.
وتبدأ رحلة ذلك الديك في محاولته تحقيق حلم طموحه بأن يكون تاجرا كبيرا – أو شهبندر التجار على حد قوله – من خلال بعض القمح القليل الذي عثر عليه مع هذه الدجاجة، واقتسمه معها ثم تركها، وسعى ليحقق حلمه بأن يكون تاجرا كبيرا بهذا القدر القليل من القمح.
ويعثر الديك في طريقه للسوق على فلاح معه “جوال دقيق”، ويساومه ذلك الديك على أخذه منه هذه “الجوال” بالدقيق الذي فيه في مقابل أن يعطيه بعض القمح القليل الذي معه، ويوافق الفلاح على ذلك مضطرا لحاجته لهذا القمح ليقوم بزراعته.
ثم يقابل هذا الديك في طريقه للسوق امرأة تحمل “قفة” بها حزم فجل؛ لتبيعها في السوق، ويساومها هي أيضا على أن يأخذ منها حزم الفجل الذي معها في مقابل أن يعطيها جوال الدقيق التي معه، وتوافق على ذلك لحاجتها الشديدة للدقيق رغم أن قيمة الفجل التي معها تزلد عن قيمة ذلك الدقيق.
ثم يقابل هذا الديك راعيا معه جبن وخبز، ويعرض عليه الديك أن يعطيه حزم الفجل التي معه في مقابل أن يحصل منه على “مشنة” الخبز التي يحملها، ويوافقه ذلك الراعي على ذلك لحاجته لهذا الفجل الذي يستمتع مع أسرته بأكله مع الخبز والجبن.
وأخيرا يلتقي هذا الديك برجل وامرأة يقيمان عرسا لزواج ابنتهما، ويساومهما الديك في بيع الخبز الذي لديه لحاجتهما إليه، ويطلب منهما مطالب كبيرة في مقابل ذلك، ويتضايق الرجل وزوجته من مطالب الديك منهما، ومن استغلاله للموقف، فيقرران الإمساك به وذبحه وتقديمه مع ذلك الخبز الذي مع الديك في طعام ذلك العرس.
وهنا يدرك الديك الحكمة التي قالتها له الدجاجة في بداية هذه المسرحية؛ في أن الطمع يقل ما جمع، ويتمكن بصعوبة من الإفلات من يد هذا الرجل، ولكنه وزوجته ما زالا يحاولان الإمساك به، وتنتهي المسرحية بهذه النهاية المفتوحة التي لا نعرف منها هل سينجو الديك من أيدي هذا الرجل وامرأته أو لا؟
وتبدو الدعوة لبعض القيم الأخلاقية واضحة في هذه المسرحية خاصة في الحث على نبذ الطمع، والميل للقناعة، وكنت أفضل أن يشير المؤلف في حوار المسرحية لكون الطموح مشروعا ومرغوبا فيه شريطة ألا يحاول من يسعون لتحقيقه التعلق بوسائل غير مشروعة كالتي فعلها الديك الطماع في هذه المسرحية، ولكن المؤلف لم يشر لهذا الأمر في تلك المسرحية.
وكذلك من القيم الأخلاقية التي دعا لها المؤلف في هذه المسرحية الدعوة لعدم احتكار السلع، واستغلال شحها ببيعها بأغلى الأثمان، ويبدو الجانب التعليمي في هذه المسرحية في تعريف المؤلف على لسان إحدى الشخصيات فيها لمفهوم الاحتكار.
وتتميز هذه المسرحية بحواراتها القصيرة الرشيقة المحملة بالفكاهة التي تنبع من سخرية بعض الأشخاص من الديك خلال حوارهم معه؛ لما رأوه عنده من طمع شديد.
وكذلك تبدو الكوميديا في هذه المسرحية في رسم نمط الديك الطماع الذي يشغله طمعه عن أي شيء، ويحاول استغلال المواقف الصعبة التي يتعرض لها بعض من يقابلهم من أجل تحقيق طموحه في الثراء وأن يكون تاجرا كبيرا بوسائل غير مشروعة، ولكن تحدث المفارقة في نهاية هذه المسرحية بأن يرتد على هذا الديك الطماع طمعه، وكاد يكون – كما قلت من قبل – ضحية هذا الطمع بفقدانه حياته.





