عناصر الكوميديا في مسرح ألفريد فرج✍ا.د/علي خليفة

ألفريد فرج من كبار كتاب المسرح العربي، وأنا أراه يأتي التالي في الأهمية في التأليف المسرحي العربي بعد توفيق الحكيم، وله مسرحيات تستحق أن تقف إلى جوار روائع المسرح العالمي، ومنها مسرحية “حلاق بغداد” ومسرحية “علي جناح التبريزي وتابعه قفة”.
وقد كتب ألفريد فرج في ألوان مختلفة ومتنوعة من المسرح؛ لأنه كان يرى أنه يستكمل الجهود التي قام بها من قبله من كتاب المسرح العربي في إرساء معالم واضحة للتأليف المسرحي في العالم العربي، فكتب المسرحية التاريخية ذات الحس الوطني، كما نرى في مسرحية “سليمان الحلبي”، وكتب المسرحية التي تستلهم أحداثها من الموروث الشعبي في السير الشعبية العربية، كما نرى في مسرحية “الزير سالم”، وكتب المسرحية الاجتماعية، كما نرى في عدة مسرحيات له، منها مسرحية “زواج على ورقة طلاق”، ومسرحية “عسكر وحرامية”، وكتب المسرحية التسجيلية، كما نرى في مسرحية “النار والزيتون”.
وكتب عدة مسرحيات استلهم فيها بعض حكايات طريفة من كتاب “ألف ليلة وليلة” وبعض القصص الطريفة والنوادر من كتب التراث العربي، وتعد هذه المسرحيات هي أفضل مسرحياته على الإطلاق، وليته كتب عددًا أكبر في هذا النوع من المسرحيات، ففيه تتجلى مواهبه ككاتب مسرحي كبير.
ومن الواضح أن ألفريد فرج كان يميل للكوميديا عن المأساة؛ ولهذا نرى كثرة ما كتبه من مسرحيات كوميدية، وفِي هذه المسرحيات الكوميدية تتنوع عناصر الكوميديا بها، وفِي هذا المقال سوف نكتفي بالحديث عن عناصر الكوميديا التي وظفها ألفريد فرج في مسرحياته التي استلهمها من التراث الفكاهي العربي، لا سيما من بعض حكايات كتاب “ألف ليلة وليلة” الطريفة.
وقبل أن نعرض عناصر الكوميديا في مسرحه نؤكد مرة أخرى أن هذه المسرحيات التي استلهمها من الموروث الفكاهي العربي هي أفضل ما كتب من مسرحيات، وكَوَّنَ لنفسه بها لغة خاصة به رآها أفضل وسيلة يمكنها نقل أحداث مسرحياته تلك والتعبير عن الفكاهة بها، وهي لغة فصحى سهلة، وهي أقرب للغة الصحافة مع تطعيمها ببعض الألفاظ والتعبيرات العامية، وقد سهلت هذه اللغة السهلة تمثيل هذه المسرحيات في بلاد عربية مختلفة، كما أنها كانت عاملاً قويًّا في تجاوب الجمهور مع اختلاف ثقافاته معها.
والآن نستعرض عناصر الكوميديا في هذه المسرحيات:
أولاً: رسم المواقف الكوميدية، ونرى براعة كبيرة من ألفريد فرج في رسمه للمواقف الكوميدية في هذه المسرحيات، وبعض المواقف فيها استوحاها من بعض النوادر، والمقامات، والقصص الفكاهية من التراث الفكاهي العربي، ومن بعض حكايات “ألف ليلة وليلة” الطريفة، ولكن ألفريد فرج كان يعيد صياغة هذا الموروث الحكائي العربي الطريف بحيث يدمجه في بناء مسرحياته؛ وبهذا لا يبدو غريبًا عن لحمتها.
ونرى أمثلة كثيرة للمواقف الكوميدية في مسرحياته تلك، ومنها موقف أمين سر المحكمة، وأبو الفضول يحمله في خُرْج كي لا يفتضح أمره أمام الخليفة ووزيره وقاضيه وهو في بيت امرأة أراد أن يهتك عرضها كرهًا، وذلك في مسرحية “حلاق بغداد”.
وأيضًا نرى من المواقف الطريفة موقف على جناح التبريزي في مسرحية “على جناح التبريزي وتابعه قفة” وهو يحكي لزوجته الأميرة حاله قبل أن يأتي لبلدها، وخلال ذلك ينال من والدها الملك ووزيره وهما يحاولان التخفي والاستماع لحقيقة علي التبريزي.
ثانيًا: الحوار الكوميدي، وفِي هذه المسرحيات نرى أكثر الشخصيات لا سيما الأنماط الكوميدية منها تتحدث بأسلوب طريف يدعو للفكاهة، وبعضها يكرر في حديثه عبارات طريفة مثل قفة في مسرحية “علي جناح التبريزي وتابعه قفة”، كما أن حوار هذه الشخصيات الفصيح الممتزج ببعض الألفاظ والعبارات العامية يثير الفكاهة بشكل كبير في المواقف الكوميدية بهذه المسرحيات.
ثالثًا: الحوارات الجانبية، وأزعم أن ألفريد فرج هو أكبر كاتب
مسرح عربي يكثر من استخدام الحوارات الجانبية في مسرحه كوسيلة للإضحاك، فمن خلال هذه الوسيلة نتعرف على بعض ما يدور في نفوس بعض الشخصيات ولا تستطيع مواجهة من حولها به، وربما كان ألفريد متأثرًا في استخدامه للحوارات الجانبية كوسيلة كوميدية بكارلو جولدوني – على وجه الخصوص – الذي يكثر في مسرحياته الكوميدية من استخدام هذه الوسيلة.
رابعًا: المفارقة، والمفارقة تعني التناقض والتضاد، وتعني معاني أخرى، ويتكئ كبار كتاب الكوميديا على المفارقة كوسيلة للفكاهة، ونرى في مسرحيات ألفريد فرج الكوميدية أن المفارقة من أهم عناصر الكوميديا فيها، ففي مسرحية “بقبق الكسلان” تكون المفارقة في أن بقبقًا الكسول
لا يحقق أحلامه في الثراء كما تمنى، ولكنه يفقد رأس ماله البسيط بأن يحطم أوانيه الزجاجية الثلاثة دون قصد منه خلال تخيله لحلم يقظته في الثراء، ويصبح متشردًا، وأيضًا نرى المفارقة في مسرحية “علي جناح التبريزي وتابعه قفة” في أن عليًّا التبريزي يعيد توزيع الثروات في البلد الذي سافر إليه، فقد انخدع كبار التجار والملك في هذا البلد بمظاهر العظمة التي ادعاها علي، وصدقوا أن عنده قافلة عظيمة ستتبعه، فسلموه أموالهم، فأعطاها للفقراء – وكانوا كثيرين في هذا البلد – حتى لقد صار بعضهم أغنى من هؤلاء التجار.
وفي مسرحية “حلاق بغداد” نرى أبا الفضول الحلاق البسيط يستطيع أن يقف في مواجهة شبندر التجار وأمين سر المحكمة بذكائه، ويفضحهما للخليفة.
خامسًا: التنكر، والتنكر وسيلة معروفة في الكوميديا، وبرجسون يقول في كتاب “الضحك”: إن الشخص المتنكر مضحك، والشخص الذي يظن أنه متنكر مضحك أيضًا. ونرى في مسرحية “علي جناح التبريزي وتابعة قفة” أن قفة يتنكر في ملابس حارس، ويدعي أنه أحد حرس قافلة التبريزي التي في سبيلها للوصول لهذا البلد الغريب؛ وبهذا يخلص قفة علي التبريزي من حكم الإعدام عليه بفك قيوده وحمله على فرس ليهرب معه، ويصطحب علي وقفة معهما زوجة علي التبريزي، وأيضًا نرى أبا الفضول يتنكر في مسرحية “حلاق بغداد” في الفصل الثاني منها في هيئة شحاذ بعد أن منعه القاضي من مزاولة مهنة الحلاقة لجرحه له خلال حلقه شعره، ولمنعه أيضًا من مزاولة مهنة الحمال بعد الذي جرى منه في أحداث الفصل الأول من هذه المسرحية.
سادسًا: الأنماط الكوميدية، ورسم الأنماط الكوميدية هو الوسيلة الأهم في مسرح ألفريد الكوميدي كوسيلة للإضحاك به، وهو ينوع في هذه الأنماط تنويعًا شديدًا مما يدل على علمه الكبير بالنفوس الإنسانية، وقدرته على تتبع النماذج المضحكة منها، وإعادة رسمها بشكل فيه تضخيم لعيوبها المضحكة. ومن الأنماط الكوميدية التي رسمها في مسرحه شخصية أبي الفضول الحلاق الفضولي الثرثار الذي رسمه بإتقان في مسرحية “حلاق بغداد”، وعلى الرغم من تأثره في رسمه له بشخصية حلاق بغداد في كتاب “ألف ليلة وليلة”، ولكنه أضاف له الكثير من المعالم الأخرى، كذكائه وحسن فراسته وروحه المرح. وأيضًا من الأنماط الكوميدية التي رسمها ألفريد في مسرحية “حلاق بغداد” شخصية شفيقة خادمة ياسمينة بنت القاضي، وهي ثرثارة فضولية أيضًا، ومندفعة في تصرفاتها، وتثير الفكاهة بصفاتها هذه.
وأيضًا من الأنماط الكوميدية في مسرحية “حلاق بغداد” الشبندر الذي صوره ألفريد في هذه المسرحية شخصًا شديد البخل، وهو أيضًا شخص منافق يحسن التلون أمام الناس.
وأيضًا من الأنماط الكوميدية في مسرح ألفريد فرج شخصية المسرف الظريف الذي صوره ألفريد فرج في مسرحية “علي جناح التبريزي وتابعه قفة”، وهو شخصية علي، وأظن أن ألفريد تأثر في رسمه له بشخصية نجيب المسرف الظريف في مسرحية “رصاصة في القلب” لتوفيق الحكيم.
وأيضًا نرى ألفريد فرج قد صور لنا نمط الكسول الظريف في مسرحية “بقبق الكسلان”، وصور لنا نمط التاجر الانتهازي الظريف في مسرحية “رسائل قاضي إشبيلية” مستفيدًا في رسمه له من شخصية التاجر الانتهازي في المقامة “المضيرية” لبديع الزمان الهمذاني، وصور ألفريد نمط الشرير الظريف في مسرحية “الطيب والشرير والجميلة”، وفِي هذه المسرحية أيضًا صور نمط الساذج الظريف.
وهكذا رأينا ألفريد فرج قد نوع في عناصر الكوميديا في مسرحياته التي استلهمها من التراث الفكاهي العربي، وكان يمزج بينها فيها ببراعة كبيرة تدل على أنه من كبار كتاب الكوميديا في العالم العربي، والحق أن بعض مسرحياته تستحق أن تقف إلى جوار روائع المسرحيات العالمية، كما قلت من قبل.





