مسرحية “الراكبون إلى البحر” للكاتب الأيرلندي جون ميلينجنتون سينج “1871 – 1909”- د.علي خليفة

عاش سينج الكاتب المسرحي الأيرلندي حياة قصيرة، فلم يصل للأربعين سنة، وأجاد في كتابة المسرحيات القصيرة – ويا لها من مفارقة عجيبة – فالمسافة كبيرة بين براعته في كتابة المسرحيات القصيرة وقلة إتقانه في كتابة مسرحيتيه الطويلتين – وهما مسرحية “فتى الغرب المدلل” ومسرحية “ديدرا فتاة الأحزان” –.
ولا شك أن مسرحيات سينج القصيرة من روائع المسرح العالمي لا سيما مسرحيته “الراكبون إلى البحر” التي عدَّها بعض النقاد أعظم تراجيديا كتبت في فصل واحد.
وبخلاف التراجيديات اليونانية وتراجيديات شكسبير لا نرى في هذه المسرحية تمهيدًا للأحداث، بل تبدأ المأساة مع رفع الستار فيها، فهذه موريا المرأة العجوز – التي قضى البحر على خمسة من أبنائها الذكور وزوجها ووالد
زوجها – نراها تستعد لدفن ابنها الخامس ميشيل الذي افترسه البحر، ولم تظهر جثته بعد، فقد اشترت ألواح دفنه، وتنتظر ظهور جثته لتدفنه، وتبدو لوعتها شديدة عليه لموته.
وتفاجأ بأن ابنها السادس والأخير بارتلي يستعد – في هذا اليوم – للسفر عبر البحر ليبيع بعض الجياد في بلد آخر.
وهنا تستشعر موريا أن مصابًا جديدًا سيحل عليها، وتقوم بدور العراف، فتتنبأ بهلاك ابنها الأخير في هذه الرحلة، وتحاول أن تثنيه عن القيام بها، ولكنه يصم أذنيه عنها، ولا يناقشها في مخاوفها من رحلته العازم على القيام بها في البحر، حتى ليبدو بعدم رده على مخاوفها من رحلته في البحر لا يسمعها، وتقول إحدى أختيه تعليقًا على هذا الموقف: لا أحد من الشباب يستمع لامرأة عجوز تحاول إثناءه عن ركوب البحر.
وتتنبأ موريا بالمأساة في اللحظة التي عرفت فيها الأختان من وصول بعض ملابس لشخص التهمه البحر إليهما أنه أخوهما ميشيل، وقد وجدت جثته في الشمال ودفن.
ولا تودع موريا ابنها، وتحثها ابنتاها على أن تسرع خلفه لتوديعه وإعطائه فطيرة أعدت له، ولكنها لا تدركه، وترى حادثة موته، فقد ركله المهر الصغير وهو يمتطي حصانًا كبيرًا، فألقى به في البحر فمات.
وهنا نرى موريا لا تندب ولا تبكي – كما رأيناها في أول المسرحية – بل نراها تتكلم إلى عدوها الأوحد البحر، وتقول له: لقد انتهى الصراع بيني وبينك .. لم يعد لي أبناء ذكور آخرون يمكنك التهامهم .. والآن يحق لي أن أنام لأول مرة قريرة العين.
وهذا التحول في شخصية موريا منطقي، ورأيناه يحدث لبعض أبطال تراجيديات شكسبير، فالمأساة تعتصرهم، ويتحولون لحكماء كلير في مسرحية “الملك لير” وماكبث في مسرحية “ماكبث”.
ولعل هذه الحكمة التي يتحلى بها بعض الأبطال التراجيديين تشعرنا أنهم مع ما أصابهم من نكبات قد حققوا بعض المكاسب، فقد أدركوا حقيقة الحياة أو القدرة على تفسيرها، ومن هنا نميل للإعجاب بهم، ونرى أن تجربة المعاناة التي عانوها لم تأت عبثًا؛ ولذا يمكن أن نقول: إن التراجيديا ليس بالضرورة تعمل على التطهير – كما قال أرسطو في كتاب “فن الشعر” – بإثارة عاطفتي الخوف والشفقة، فنحن نراها تثير فينا في بعض المسرحيات عاطفة الحب والإعجاب بالبطل الذي تحول لحكيم بعد تعرضه لمأساته.
وتبدو الأم موريا هي الوحيدة التي تدور عنها الأحداث، مع كثرة الشخصيات – نوعًا ما – في هذه المسرحية، فبارتلي شاب لا يستمع لنصائح أمه في تحذيرها له من ركوب البحر بعد غرق أخيه فيه منذ أيام قليلة، والأختان مورا وكاثلين لا تنفعلان كثيرًا مع ما يتكشف لهما من أحداث، كمعرفتهما بحقيقة جثة أخيهما ميشيل، ثم مقتل أخيهما بارتلي، بل تبدوان أشبه بالجوقة اليونانية التي يقتصر دورها على التعليق دون الاندماج الحقيقي في الأحداث؛ ولهذا نراهما في معظم الأحيان تكتفيان بالتعليق على أفعال أمهما أمام ما مر بها من أحداث جسام، وأظن أن سينج بهذا أراد أن يركز وقع المأساة على موريا فحسب؛ ليجعل بالمسرحية بطلاً تراجيديًّا وحيدًا، كما هو الشأن في المآسي الكبرى اليونانية والشكسبيرية.
والصراع في هذه المسرحية شبيه بالصراع في المسرحيات اليونانية، فهو بين بعض البشر وقوى أخرى خارقة، ونتيجة الصراع معلومة من البداية، فسوف تنتصر هذه القوى الخارقة، ولكننا نتأمل في هذه المآسي كيف قاوم بطلها، وحاله بعد أن حدثت له المأساة بهزيمته.
والصراع هنا بين الإنسان والبحر الذي يبدو في هذه المسرحية قوة خارقة اعتاد التهام البشر الذين يركبونه، ويرجون الظفر من وراء ذلك.
ولو أن هذه التراجيديا كتبها أحد كتاب التراجيديا اليونانيين القدامى لشخص لنا إله البحر الوثني بوسيدون، وأرانا إياه في معارك لا تنتهي مع البشر، وأنه يتوعدهم بمآسٍ لا تنتهي لجرأتهم في ركوبه.
ونغمة الموت الحزينة يتردد صداها تقريبًا في كل مسرحيات سينج، وغالبًا ما نرى أبطال مسرحياته يرحبون بهذا الموت الذي يحول بينهم وبين بلوغهم الشيخوخة – سن الجدب عند سينج –، كما نرى في مسرحية “ديدرا فتاة الأحزان” ومسرحية “ظلال الوادي”.





