مسرحية طائر النورس لأنطون تشيكوف – د.علي خليفة – مصر
هذه هي أول مسرحية طويلة يكتبها تشيكوف بعد مسرحياته القصيرة، وتشيكوف يعد هذه المسرحية ملهاة، ولكنها – من وجهة نظري – مأساة، وفيها بعض المواقف التي قد تثير الابتسام، لا سيما تلك المواقف
التي يتواجد فيها بيوتر المسن الطريف الذي يكرر بعض اللزمات، ويعبر عن سخريته من الحياة، ومن الطريقة التي عاش بها حياته، وبيوتر ظهوره محدود في هذه المسرحية، ولا نرى أي بواعث للكوميديا بعيدًا عنه في هذه المسرحية.
ونرى في هذه المسرحية أسلوب تشيكوف في مسرحياته الطويلة، فهو فيها يكشف شقاء الإنسان، ومعاناته في حياته، وتألمه لعجزه عن تحقيق أحلامه في الحياة، ولعدم قدرته على التأقلم مع الواقع الذي لم يستطع أن يحقق أحلامه فيه، ويدرك في النهاية أنه كُتِبَ عليه أن يتجرع غصص الحياة، حتى تأتي النهاية بالموت.
وفي مسرحية “طائر النورس” نرى خطًّا دراميًّا رئيسًا، وخطوطًا أخرى ثانوية تتلاقى مع ذلك الخط
الرئيس، وتعبر عن تلك النغمة الحزينة في عجز الإنسان عن تحقيق أحلامه في الحياة،
وتألمه من أثر ذلك.
والخط الدرامي الرئيس في هذه المسرحية عن علاقة الحب التي تجمع بين قسطنطين ونينا، وهما مع بداية أحداث هذه
المسرحية يحدوهما الأمل بأن يحققا أحلامهما في الحياة، ويحلم قسطنطين بأن تبقى
نينا بقربه، وأن يكون كاتبًا مسرحيًّا كبيرًا، وأن يكسر القواعد الكلاسيكية في
الكتابة للمسرح بأسلوبه الذي يبتكره في الكتابة المسرحية، ونينا تشعر أنها ممثلة
موهوبة، وتأمل أن تكون في شهرة الممثلة الشهيرة إيرينا والدة قسطنطين.
وتبدأ المسرحية بتمثيل نينا مشهدًا مسرحيًّا من تأليف قسطنطين في ضيعة خاله بيوتر في الريف، ولا يستحسن
من شاهدوا هذا المشهد تأليف قسطنطين له، ولا يقتنعون بأن لديه موهبة حقيقية في
كتابة المسرحية، ومن هؤلاء أمه الممثلة المشهورة إيرينا.
وتدرك نينا سريعًا أن قسطنطين ليس هو الشخص الذي يمكن أن تسير معه لتحقيق أحلامها في التمثيل، فتميل
سريعًا لتريجورين كاتب القصة الشهير، وعشيق الممثلة إيرينا.
ويستجيب لها تريجورين، ويطلب إليها أن تذهب لموسكو؛ ليساعدها في إثبات موهبتها، وليكون بقربها، وبالفعل
تهجر نينا أهلها، وتعيش مع تريجورين عشيقة له في موسكو، وتنجب منه ولدًا، ويموت
بعد وقت قليل، ولا يهتم تريجورين بموهبتها في التمثيل، وتشعر أنها لم تحقق أي نجاح
مهم في التمثيل، وتعود للقرية من جديد، وتلتقي بقسطنطين الذي يعترف لها بأنه ما
زال يحبها ويتمسك بها رغم كل ما حدث منها، ولكنها تفاجئه بأنها رغم كل ما حدث من
تريجورين نحوها فإنها ما زالت تحبه، وأنها ستسافر لمكان آخر عسى أن تثبت موهبتها
في التمثيل فيه.
وعندما تترك نينا قسطنطين يشعر بيأس شديد، ويدرك أنه لم يحقق حلم حبه لنينا في الارتباط بها، وكذلك يدرك أنه
لم يحقق حلمه في أن يكون كاتبًا مسرحيًّا كبيرًا مجددًا في الكتابة المسرحية، وعند
ذلك ينتحر، بإطلاق رصاصة على نفسه من المسدس الذي سبق واصطاد به طائر نورس.
ومن الخطوط الثانوية التي نراها في هذه المسرحية وتتلاقى بذلك الخط الدرامي الرئيس فيها – حب ماشا لقسطنطين،
وإدراكها أنه لا يحبها، بل يحب نينا، وتتخذ ماشا قرارًا بأن تحاول أن تتناسى حبها
لقسطنطين، وتتزوج من مدفيديتكو المدرس الفقير الذي يحبها، وبالفعل تتزوجه، ولكنها
تظل بعد ذلك حزينة؛ لأنها تعيش حياة لا تحبها، ولم تكن ترغب في عيشها.
أما عن إيرينا الممثلة التي تجاوزت الأربعين من عمرها، وبدأت تشعر بأن الشيخوخة تزحف عليها فإنها تتمسك
بكل ما يجعلها تتناسى زحف السنين عليها، كالإفراط في استخدام المكياج، وقلة
احتفالها بابنها الذي صار شابًّا، وأصبح يفضح سنها حين يتواجد معها في مكان واحد،
وكذلك هي تتمسك بصحبة عشيقها تريجورين حتى بعد أن عرفت بعلاقته بنينا.
وتريجورين شخص يشعر هو الآخر – رغم شهرته الكبيرة في كتابة القصة – أنه لم يكتب ما يرغب في كتابته من قصص
جيدة بعد، فهو لا يشعر بالرضا عما يكتبه، ولكنه في حياته الخاصة يستمتع بها بكل
وجه، ويستغل طموح نينا للشهرة لتكون عشيقة له، ولكنه لا يهتم بموهبتها. وهكذا نرى
أن هذه المسرحية ليست ملهاة، بل هي مأساة لكل الأشخاص الذين فيها.




