استلهام كتاب ألف ليلة وليلة في مسرح توفيق الحكيم/د.علي خليفة

يعد كتاب “ألف ليلة وليلة” من أهم الكتب العربية، وعلى الرغم من أنه كتاب يحتوي على أدب شعبي، فإن له تأثيرًا كبيرًا في الآداب العربية والعالمية؛ ولهذا نرى كثيرًا من الكتاب في العالم تأثروا بقصته الإطار، وقصصه الداخلية، وهناك أفلام وأوبرات عالمية استوحت قصص “ألف ليلة وليلة” وأجواءها الشرقية.
وكان تأثر كاتبنا الكبير توفيق الحكيم بـ”ألف ليلة وليلة” كبيرًا، ولا سيما في مسرحه، وهو يشيد بهذا الكتاب وما فيه من قصص مثيرة في بعض مواضع من كتبه، مثل كتاب ” فن الأدب” وكتاب “زهرة العمر” وكتاب “ملامح داخلية”، ويرى أن المؤلفين الشعبيين المجهولين الذين ألفوا هذا الكتاب بما فيه من قصص مثيرة قد أنقذوا الأدب العربي الرسمي من جموده الذي أصابه بعد القرون الهجرية الأولى حتى مطلع العصر الحديث؛ بما جاء في هذا الكتاب من قصص مشبعة بالخيال والتصوير والإثارة، لا يوجد لها مثيل في الأدب العربي القديم المكتوب بالفصحى فقط – أي ما يسمى بالأدب العربي الرسمي –.
(2)
ولا شك أن كتاب “ألف ليلة وليلة” بقصته الإطار وقصصه الداخلية، وأجواء الخيال التي تنتشر فيه – نرى له آثارًا واضحة في مسرح توفيق الحكيم بشكل عام، ولكننا هنا سنقصر حديثنا عن المسرحيات التي بدا فيها بشكل واضح تأثر توفيق الحكيم فيها بكتاب “ألف ليلة وليلة”.
ونجد أن هناك مسرحيتين له، هما مسرحية “شهرزاد” ومسرحية “الحمار يؤلف”، تأثر فيهما بالقصة الإطار لكتاب “ألف ليلة وليلة”.
وتأثر توفيق الحكيم في مسرحية “سليمان الحكيم” ببعض القصص الداخلية في كتاب “ألف ليلة وليلة”.
ونرى أثر الأجواء الخيالية والشعبية في كتاب “ألف ليلة وليلة” في مسرحيتين له، هما: مسرحية “شمس النهار”، ومسرحية “السلطان الحائر”.
وكذلك نرى تأثره بقصة “علي بابا والأربعين حرامي” التي أضافها أنطوان جالان في القرن الثامن عشر لكتاب “ألف ليلة وليلة” حين ترجمته له للفرنسية – في أوبريت “علي بابا”.
والآن نتناول هذه النقاط بشيء من التفصيل.
(3)
لعل من المثير للاهتمام حقًّا أن نرى عددًا كبيرًا من كتاب المسرح قد استوحوا القصة الإطار لكتاب “ألف ليلة وليلة”، وحاولوا إعادة صياغتها، وبث رؤاهم الفكرية فيها، كما نرى في مسرحية “شهرزاد” للكاتب الفرنسي جيل سيبرجيل، التي لم يغير كثيرًا فيها عن القصة الإطار في كتاب “ألف ليلة وليلة”.
وأيضًا كتب علي أحمد باكثير مسرحية “سر شهرزاد” مفسرًا فيها ميل شهريار لقتل العذارى؛ لكونه كان مصابًا بالعنة، وكان يخشى أن تفشي أي عذراء عنته، فكان يقتل كل عذراء يتزوجها مع الفجر حتى تزوج شهرزاد، وعرفت علته، واحتالت ألا يقربها حتى يشفى، وتم لها ما أرادت في النهاية.
وكذلك مسرحية “شهريار” لعزيز أباظة اهتم فيها بالجانب النفسي، وأظهر شهريار مريضًا نفسيًّا، وبرأ من مرضه مع نهاية المسرحية، وذهب لبيت الله حاجًّا؛ ليكفر عن ذنوبه في قتل العذارى اللائي قتلهن.
وأيضًا استلهم نعمان عاشور القصة الإطار لكتاب “ألف ليلة وليلة” في مسرحية “لعبة الزمن”، وهي آخر مسرحية كتبها، ونشرت بعد موته، وفيها نرى شهرزاد بعد أن أنهت قصصها لشهريار المذكورة في كتاب “ألف ليلة وليلة” تقفز من زمنها لزمننا؛ لتتأمل حياة الناس فيه؛ كي تعود بقصص جديدة منه لشهريار، فتحكيها له.
وفتحى فضل في مسرحية “بلغني أيها الملك” يمزج فيها تأثره بالقصة الإطار مع بعض القصص الداخلية لـ”ألف ليلة وليلة”.
وكان تأثر كاتبنا الكبير توفيق الحكيم بالقصة الإطار لكتاب “ألف ليلة وليلة” – كما قلت من قبل – في مسرحية “شهرزاد”، ومسرحية “الحمار يؤلف”.
وتبدأ الأحداث في مسرحية “شهرزاد” بعد أن تكون شهرزاد قد حكت قصصها لشهريار، وحدث تغيير كبير عليه، فلقد أثرت فيه قصصها، فصار زاهدًا في المادة والجسد، وزهد أيضًا في العواطف، وأصبح يتوق للمعرفة شأنه في هذا شأن فاوست في مسرحية “الدكتور فاوست” لكريستوفر مارلو، ومسرحية “فاوست” لجوته، فكلاهما – أي شهريار وفاوست – يرغبان في معرفة كبيرة لا يمكن الوصول إليها بوسائل العلم المتاحة في عصريهما.
أما فاوست فلجأ في سبيل الحصول على تلك المعرفة الكبيرة للشيطان، فاتفق معه على أن يسلم له روحه ليقبضها منه عند موته؛ ليمكنه من تلك المعرفة، وأما شهريار فيخوض في أمور كثيرة في سبيل تلك المعرفة، فيلجأ للسحر، وحين لا يرى مبتغاه فيه يلجأ للسفر، وبعد أن يرى أنه لم ينل منه مأربه في المعرفة يتجه لشرب الحشيش في حانة أبي ميسور، وأخيرًا يواجه شهرزاد ومعها عبد أتت به لتعيد عليه التجربة التي بسببها قتل زوجته الأولى، وتزوج من عديد من العذارى وفتك بهن، ولكن شهريار توفيق الحكيم حين يرى عبدًا في مخدع شهرزاد لا يأبه به؛ لأنه يظن نفسه قد صار عقلاً محضًا، وتخاطبه شهرزاد بقولها: إنك تحاول أن تتخلص من جسدك ومن المكان.. ولكن هذا مستحيل، فأنت معلق بين السماء والأرض، كشعرة بيضاء .. يمكن اجتثاثها من الرأس بسهولة.
وأنا أرى أن مسرحية “شهرزاد” هي أكثر مسرحيات توفيق الحكيم إيغالاً في التجريد، فالشخصيات التي بها ليست من لحم ودم، ولا يمكن أن نرى أشباهًا لهم في الواقع، فشهرزاد لغز الألغاز، وهي تصر على أن تستمر محجبة فلا تكشف حقيقتها لأحد، وكل شخص يراها من خلال نفسه، فالعبد يراها جسدًا جميلاً، والوزير قمر يراها قلبًا كبيرًا، وشهريار يراها عقلاً كبيرًا.
وشهريار شخص يمثل البشرية في أطوارها المختلفة، فهو في شبابه المبكر حين كان يتزوج عذراء كل يوم ويقتلها عند الفجر كان في ماديته وغرائزيته، وحينما أحب شهرزاد كان في مرحلة رومانسيته ومشاعره المتأججة، ثم بلغ حد العقل والنضج، فصار لا يبتغي غير المعرفة.
وهكذا رأينا توفيق الحكيم يبني مسرحيته “شهرزاد” على القصة الإطار لكتاب “ألف ليلة وليلة”، ولكنه يعيد النظر فيها، ويرى كيف يمكن أن تكون علاقة شهريار بشهرزاد بعد أن فرغت حكاياتها، فقد تحول شهريار لعقل محض، وفقد الرغبة في المادة، وصار يرغب في التخلص من قيود المكان.
ونرى داخل هذه المسرحية بعض أصداء لقصص داخلية في كتاب “ألف ليلة وليلة”، كالحديث عن رحلات السندباد السبع.
والمسرحية الأخرى التي تأثر فيها توفيق الحكيم بالقصة الإطار لكتاب “ألف ليلة وليلة” هي مسرحية “الحمار يؤلف”، وهي مسرحية من فصل واحد، ومن أواخر ما كتب توفيق الحكيم من مسرحيات، ونشرها في كتاب “الحمير” مع ثلاث مسرحيات أخرى للحمار فيها دور مهم، ومن خلال تشخيصه أو الحديث عنه فيها يبث الحكيم بعض أفكاره السياسية في هذه المسرحيات.
وفي هذه المسرحية يعرض الحمار على المؤلف – أي الحكيم – أن يقوم هو بتأليف مسرحية، وتكون مسرحيته هذه استكمالاً لمسرحية “شهرزاد” لتوفيق الحكيم، وفيها يتخيل الحمار أن شهريار بعد أن هجر قصره وشهرزاد اتجه للصحراء، وهناك التقى “عصابة الأربعين حرامي”، وأنكر شخصيته الحقيقية عنهم، وادعى أنه أحد حرس شهريار، وأنه قتله، وينضم شهريار لهذه العصابة بموافقة منه على ذلك.
وهذا هو الحدث الرئيس في هذه المسرحية، وخلال ذلك ينتقد توفيق الحكيم ثورة 23 يوليو، وما حدث بعدها خلال حكم جمال عبد الناصر لمصر.
فتوفيق الحكيم يرى في هذه المسرحية أن المسئولين عن الحكم آنذاك تحولوا لعصابة لنهب أموال الأثرياء، وإن كانوا قد تسموا بأسماء تبعدهم عن مفهوم العصابة والعصابات.
ونحن لا نناقش هنا موقف الحكيم السياسي من ثورة 23 يوليو وحكم جمال عبد الناصر بعدها، ولكننا يعنينا هنا أن نقول: إن توفيق الحكيم في هذه المسرحية قد استلهم القصة الإطار لـ “ألف ليلة وليلة”، وما كتبه في مسرحية “شهرزاد”، ثم أضاف بخياله أحداثًا جديدة رمى من ورائها إلى توجيه نقد شديد للفترة الناصرية، وعبر عنه بشكل واضح في كتابه “عودة الوعي” وكتابه الآخر “وثائق في طريق عودة الوعي”.
(4)
وقد ذكرنا أن توفيق الحكيم تأثر في مسرحية “شهرزاد” بالقصة الإطار لكتاب “ألف ليلة وليلة”، وببعض القصص الداخلية فيه، وفي مسرحية “سليمان الحكيم” عن نبي الله سليمان – نرى توفيق الحكيم تأثر فيها ببعض القصص الداخلية لكتاب “ألف ليلة وليلة” مع تأثره فيها بآيات من القرآن الكريم، وبأجزاء من التوراة.
والحقيقة أننا يمكن أن نقسم مسرحية “سليمان الحكيم” لجزأين، والجزء الأول منها فيه تأثر واضح بآيات من القرآن الكريم، في تناولها لقصة نبي الله سليمان ، وفي هذا الجزء يظهر سليمان نبيًّا صاحب معجزات وقدرات خاصة وهبها الله له، كفهمه للغة الطير، وحديثه معها ومع النمل، وتسخير الجن له.
ولكننا في الجزء الثاني من هذه المسرحية نرى توفيق الحكيم يتعامل مع سليمان على أنه مجرد بشر، وينسب له بعض الأفعال التي نسبت له في التوراه – بعد تحريفها – ومن ذلك أنه أحب بلقيس، ولكنها كانت لا تحبه، بل تحب أسيرها منذرًا، واحتال سليمان بكل قدراته للوصول لقلبها، ولكنه لم يفلح في هذا، وتنتهي المسرحية، بأن يقتنع سليمان بأن القوة وحدها دون الحكمة تدمر ولا تبنى؛ ويكتفي بأن يودع بلقيس وهي صديقة له، ويقول لها: إن الصداقة هي الوجه الآخر للحب، ولكنها الوجه الأبقى الذي لا يصدأ.
وبالطبع لا نوافق توفيق الحكيم في تصرفه فيما ذكره عن نبي الله سليمان في هذه المسرحية، مما يخالف ما جاء في القرآن الكريم عنه، وأيضًا لا نتفق معه في توظيف شخصيات الأنبياء في عمل درامي يمكن تمثيله؛ لأن الأنبياء لهم قداسة يمكن أن تمس من خلال هذا التجسيد لهم في تلك الأعمال الدرامية.
وأبرز حكاية تأثر بها توفيق الحكيم من كتاب “ألف ليلة وليلة” في هذه المسرحية هي حكاية “الصياد والعفريت”، ويمزجها توفيق الحكيم بأحداث المسرحية، ويجعل لهذا الصياد أحداثًا أخرى فيها من خياله، فهذا الصياد كان قد أخرج شبكته من البحر، ورأى فيها قمقمًا، وحين فتحه خرج له منه عفريت، وكاد يقضي عليه، ولكنه احتال على هذا العفريت، ثم ذهب به لسليمان ليعفو عنه، فهو الذي حبسه في هذا القمقم لخطأ كبير ارتكبه، ويوافق سليمان على العفو عن هذا العفريت شريطة أن يتحمل هذا الصياد نتائج أفعاله سيئة كانت
أو صالحة، ويوافق الصياد على هذا الشرط.
وبعد أن يموت سليمان ينطلق هذا العفريت وغيره من العفاريت بحرية كبيرة، فقد صارت القوة لا يضبطها ضابط من حكمة؛ مما يؤذن بخراب الأرض، ولعل هذا كان نبوءة من الحكيم بما حدث في الحرب العالمية الثانية التي ضاعت الحكمة خلالها من رؤوس كبار القادة في بعض الدول العظمى.
(5)
ونرى توفيق الحكيم في مسرحية “شمس النهار” ومسرحية “السلطان الحائر” لا يستلهم فيهما قصصًا بعينها من كتاب “ألف ليلة وليلة”، ولكننا مع ذلك نرى أجواء “ألف ليلة وليلة” الخيالية فيهما، فنرى في مسرحية “شمس النهار” أميرة كأميرات قصص “ألف ليلة وليلة” تشترط على كل من يتقدم لطلب الزواج منها أن يجيب على سؤالها بما يرضيها وإلا جلد ثلاث جلدات، وتختار في النهاية شخصًا بسيطًا من أبناء الشعب، وتخوض معه تجربة في التجول في بعض الأماكن، ومن خلال تجولها معه يعلمها كيف تحكم، وفي النهاية يشعران بتوهج الحب في قلبيهما، ويتزوجان.
وأيضًا في مسرحية “السلطان الحائر” – التي استلهم توفيق الحكيم أحداثها من بعض قصص كتاب “الفرج بعد الشدة” للتنوخي، ومن حوادث واقعية حدثت في عصر المماليك – نرى أجواء “ألف ليلة وليلة”، فنرى بها سلطانًا عظيمًا قاهرًا للتتار يكتشف أنه لم يعتق قبل تسلمه حكم مصر، ويتم بيعه في مزاد علني، وتشتريه غانيه سيئة السمعة، ويبيت السلطان في بيتها ليلة، ويكتشف أنها امرأة فاضلة، قد حولت بيتها لصالون أدبي؛ ولهذا سرت الشائعات عنها، وتعتق هذه المرأة السلطان في نهاية المسرحية بعد أحداث مثيرة أخرى، فيها أجواء من قصص “ألف ليلة وليلة” بشكل عام.
(6)
وقد ذكرنا أن قصة “علي بابا والأربعين حرامي” ليست موجودة في نسخ “ألف ليلة وليلة” القديمة؛ ولهذا لم تطبع معها في طبعات كتاب “ألف ليلة وليلة” العربية، وكان أنطوان جالان قد وجدها في مخطوطة عربية، وأضافها مع قصة “مصباح علاء الدين” لكتاب “ألف ليلة وليلة” حين ترجمه بتصرف كبير للفرنسية في القرن الثامن عشر.
وتوفيق الحكيم في أوبريت “علي بابا” قام بتمصير أوبرا فرنسية، ولكنه لا يكتفي بالتمصير فيه ، بل يضيف كثيرًا من الأحداث فيه من عنده.
والملاحظ على أوبريت “علي بابا” لتوفيق الحكيم أنه جيد البناء؛ لأن الأصل الذي مَصَّر منه جيد البناء أيضًا، وكذلك نلاحظ أن البطل الحقيقي في هذا الأوبريت مع مرجانة هو قاسم ابن عمّ علي بابا، فهو يظهر في أكثر فصول هذا الأوبريت ومشاهده، ويقوم ببث الفكاهة به، لا سيما حين تجبره عصابة الأربعين حرامي على أن يكون واحدًا منها بعد أن أُمْسِكَ به في مغارتهم، ولم يستطع الخروج منها، وتنتهي أحداث هذا الأوبريت بالقبض على عصابة الأربعين حرامي بالحيلة التي دبرتها لهم مرجانه حين وضعت الزيت المغلي في القرب التي اختبئوا بها، عندما اكتشفت مؤامرتهم تلك في قصر علي بابا، ويتزوج علي بابا من مرجانة، ويعود قاسم لزوجته زبيدة.
(7)
وهكذا رأينا في هذه الدراسة تأثر توفيق الحكيم في مسرحه بكتاب “ألف ليلة وليلة” في قصته الإطار، وفي بعض قصصه الداخلية، وفي أجوائه الخيالية التي تشمله، إلى جانب أنه كان يشيد به في كتبه التي جمعت مقالاته، ككتاب “فن الأدب”، وكتاب “زهرة العمر” وكتاب “ملامح داخلية”. عرض أقل



