مسرحية كاليجولا لألبير كامي/ ا.د علي خليفة

هذه المسرحية فيها خط الاتصال بين مسرح الوجوديين الذين يشعرون بعزلتهم في الحياة ورغباتهم غير المحدودة في تحقيق الحرية الفردية كسارتر وكامي – ومسرح الطليعيين الوجوديين الذين ظهروا مع نهاية الحرب العالمية الثانية كبيكيت ويونسكو وأداموف.
لقد كنا نرى في مسرحيات كامي السابقة على هذه المسرحية ورواياته إحساسًا من أبطاله بالعزلة عن غيرهم، ورغبة عارمة منهم في التمرد على المتعارف عليه مما يقيد حرياتهم أو يحد منها، ولكن الشكل الكلاسيكي كان غالبًا على هذه الأعمال، لكنه في هذه المسرحية يغالي في الرغبة في تحقيق الحرية الفردية، ويسرف في أحداث القسوة، وفي الوقت نفسه يجعل شكل المسرحية فيه بعض خروج عن الشكل الكلاسيكي في الصياغة، فليس هنا قصة ذات مراحل متتالية متصاعدة، بل هنا أزمة شخص ذي سلطان، ويستغله ليخفف أزمته، وخلال تنفيثه عن أزمته تحدث حوادث غريبة قد يتعذر الربط بينها.
ومن هنا تبدو هذه االمسرحية الحلقة التي تلاها مسرح العبث بثورته التي نعرفها على الشكل والمضمون.
وتبدأ المسرحية وأشراف روما مجتمعون في قصرالإمبراطور الروماني كاليجولا، ويتساءلون: أين اختفى كاليجولا بعد موت أخته وعشيقته دريزولا؟! ويظن البعض أنه أصابه مس من الجنون لهذا الموت المفاجئ لها.
ثم يظهر الإمبراطور الروماني كاليجولا، ويتحدث مع مستشاره هليكون في أنه يرغب في الحصول على القمر؛ لأن الحصول عليه يعني تحقيق المستحيل، ويصارح هليكون أنه تألم لموت دريزولا، ولكنه يرى موتها في شبابها أهون له ولها من أن تصل للشيخوخة، ويمل النظر لها آنذاك – ونلاحظ أن هذه الفكرة هي النغمة التي يعزفها جون سينج في أكثر مسرحياته – وأيضًا يقول له: إن العالم سخيف بوضعه الحالي، ولا أطيق العيش فيه، وإنني سأستغل سلطاني كإمبراطور في تحقيق المستحيل.
ويبدأ كاليجولا في ممارسة عبثه بقيم مجتمعه وتقاليده موهمًا نفسه بذلك أنه يحقق أقصى درجات الحرية، ويحقق أيضًا المستحيل الذي يعوضه عن عدم قدرته على بلوغ القمر والسيطرة عليه، فيأمر بقتل بعض أشراف روما واستصفاء أموالهم، وكذلك يغتصب نساء بعض أشراف روما بعلم أزواجهن.
ثم يخطو خطوة أخرى في عبثه بقيم مجتمعه، فيقيم معبدًا يدعي فيه أن الآلهة الوثنية تتجسد في شخصه، ويطلب إلى الناس عبادته قهرًا وتقديم النذور له.
ويتفق عدد من أشراف روما على اغتيال كاليجولا، وفي مقدمتهم الأديب والمفكر شريا الذي يرى في استمرار حياة كاليجولا تخريبًا لقيم الناس وعاداتهم التي ألفوها، ولا يستمتعون بالحياة بغيرها.
ويعلم كاليجولا بأمر هذه المؤامرة، ولكنه لا يهتم بذلك، ويبدو أنه لم يعد يعبأ بحياته، فقد ثقلت عليه، ولم يحقق من عبثه بأرواح من حوله وقيمهم ما كان يرغب فيه من تحقيق المستحيل، وفي النهاية يقتل كاليجولا بأيدي المغتالين له وهو يقول قبيل موته: إنني ما زلت حرًّا. عرض أقل





