مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

أبعاد الصراع بين المؤلف والمخرج “رؤية من خلال نصوص مسرحية”

f1c4f51dba421e30f7d3b84596f8782804a3dfc3

(١)

سوف أكتفي في هذا المقال برصد أبعاد الصراع بين المؤلف والمخرج من خلال بعض النصوص المسرحية لكتاب مصريين، وأغلب هذه النصوص لهم كتبت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

وفي هذه الفترة كانت مكانة المؤلف كبيرة؛ ليس فقط لوجود كتاب مسرح كبار في تلك الفترة، ولكن أيضا لأن ثورة المخرجين على المؤلفين وتدخلهم في نصوصهم في عالمنا العربي لم تكن قد ظهرت بعد، وإن كانت بوادرها في العالم قد وصلت إلينا، لا سيما من خلال عرض بعض مسرحيات بيرانديللو التي بشرت بهذه الثورة، وبذلك التمرد من المخرجين على نصوص المؤلفين، كما نرى ذلك بشكل واضح في ثلاثيته عن التمثيل داخل التمثيل؛ وهي: مسرحية ست شخصيات تبحث عن مؤلف، ومسرحية الليلة نرتجل التمثيل، ومسرحية كل شيخ وله طريقة.

(٢)

وحين نتأمل مسرحيات توفيق الحكيم – رائد المسرح المصري والمسرح العربي – التي تتحدث عن العلاقة بين المؤلف والمخرج نراه يصورها أحيانا على أنها علاقة محبة وتكامل، فكل من المؤلف والمخرج يؤديان دورهما دون تدخل من أحدهما في دور الآخر، ودون وجود علاقة توتر بينهما، بل إننا نرى المخرج في مسرحية العش الهادئ يحاول أن يوفر الأجواء الهادئة للمؤلف ليؤلف النص الذي سيقوم بإخراجه.

وفي مسرحية الخروج من الجنة لتوفيق الحكيم يظهر المؤلف غير عابئ بالكيفية التي سيتدخل بها المخرج في مسرحيته، ويقول له: نصي المسرحي بين يديك، افعل به ما تشاء. وربما كانت شخصية المؤلف في هذه المسرحية تعكس شخصية توفيق الحكيم نفسه، فهو لم يكن يهتم كثيرا بحضور بروفات مسرحياته، ولا عروضها الأساسية، وقلما كان يتناقش ويتحاور مع مخرجي مسرحياته في مصر.

أما مسرحية “احتفال أبو سنبل” لتوفيق الحكيم فهي تصور تفكك العلاقة الحميمية بين المؤلف والمخرج، وتبرز تسلط المخرج على المؤلف ونصوصه المسرحية، فالمخرج في هذه المسرحية شاهد جزءا صغيرا من بروفة عن نص مسرحي يقوم بإخراجه، واعترض على ما شاهده، ولم يتحدث مع مؤلف هذا النص عن كيفية تعديله أو تغييره، ولكنه أصدر أمرا بإلغاء هذا العرض لهذا النص المسرحي، وطلب إلى الممثلين في ليلة الاحتفال بنقل معبد أبي سنبل لمكانه الجديد أن يظلوا بملابسهم التمثيلية الفرعونية، وأن يتصوروا مع الشخصيات المهمة التي ستحضر هذا الاحتفال.

وأغلب الظن أن توفيق الحكيم قد تأثر في هذه المسرحية بما كان يجري في الخارج في ذلك الوقت من بدايات تمرد المخرجين على قداسة المؤلفين ونصوصهم المسرحية، وإن كانت هذه الظاهرة لم يكن لها صدى كبير في مجتمعاتنا في ذلك الوقت.

(٣)

أما عن الكاتب الكبير نجيب محفوظ فإنه جعل اهتمامه الأكبر بالرواية والقصة القصيرة؛ ولهذا لم يكتب غير ثماني مسرحيات قصيرة، وكلها تجري في أجواء غريبة يغلفها الغموض، وتلوح منها الرموز، ويظهر الحوار قصيرا سريعا فيها، باستثناء مسرحية موضوع للمناقشة التي عالجت موضوعا واقعيا، وغلبت لهذا الحوارات الطويلة عليها.

وفي مسرحية موضوع للمناقشة يبرز نجيب محفوظ المؤلف المسرحي على أنه أهم ركن يقوم عليه المسرح، بل إن المؤلف المسرحي في هذه المسرحية يتعامل مع المخرج والممثلين والناقد على أنهم تابعون له، ولولا ما يكتبه ما كان لهم أي دور يقومون به.

ولا شك أنها نظرة استعلائية من المؤلف المسرحي على من يشاركون في تقديم العروض المسرحية، كالمخرج والممثلين وباقي المنفذين للعرض المسرحي، ولعل هذه الصورة التي عرضها نجيب محفوظ في هذه المسرحية تعبر عن الإرث القديم في علاقة المؤلف بباقي المنفذين لمسرحيته، وكان موليير قد وقف هذا الموقف في مسرحية مرتجلة فرساي، حين عبر فيها عن أن مؤلف النص المسرحي هو وحده الذي يتحمل نجاح المسرحية أو فشلها، وأن من ينفذون معه هذا النص لهم أدوار مساعدة هامشية في ذلك الأمر.

(٤)

وقد كان يوسف إدريس من أهم كتاب المسرح المصري في الستينيات – على وجه الخصوص – الذين تعصبوا للنص المسرحي، ورأوا أن له قداسته، ورأوا أن من يقومون بتنفيذه تأتي أهميتهم بعد أهمية مؤلف النص المسرحي؛ ولهذا نرى يوسف إدريس قد جعل الذي يقدم لمسرحيته التجريبية الفرافير مؤلفا، وليس مخرجا، ولم يكتف هذا المؤلف بتقديم هذه المسرحية، بل إنه كان يظهر من حين لآخر فيها؛ ليعلق على ما يحدث فيها، ويسوق رؤيته في ذلك.

ويبدو أن يوسف إدريس كان قد لمس بوادر تمرد من بعض المخرجين على النص المسرحي ومبدعه، فأراد أن يلقي برأيه في تلك القضية في هذه المسرحية، فهو يرى أن أي تطور في الشكل المسرحي لا بد أن يكون من المؤلف، وليس من المخرج.

(٥)

ونصل إلى مسرحية البوفيه لعلي سالم لنرى صورة واضحة من توتر العلاقة بين المؤلف والمخرج – أو مدير المسرح – فالمخرج في هذه المسرحية يتعامل بشكل سادي مع المؤلف، ويقوم بقهره حتى يقوم بعمل تعديلات غريبة على مسرحيته، وتبدو هذه التعديلات عبثية.

ويستغل المخرج الكرسي الذي يجلس عليه، ومن خلاله يتحكم في العرض المسرحي، ويتحكم في بث الحياة في ذلك النص على خشبة المسرح أو دفنه في الأدراج، ومن خلال هذه السلطة يقوم – كما قلت – بقهر المؤلف والتسلط عليه.

ولا شك أن مسرحية البوفيه لعلي سالم تحمل رموزا أخرى للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، ومن يعتلون كراسي المناصب، ومن يسيرون في فلكهم، ولكنني اكتفيت هنا بعرض الشكل الظاهر فيها بتسلط المخرج على المؤلف.

(٦)

وهكذا رأينا رؤى مختلفة لعلاقة المؤلف بالمخرج عند بعض الكتاب المصريين الكبار في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي – تلك الفترة التي شهدت نهضة مسرحية كبيرة في مصر – وغلب على رؤى الكتاب الذين عرضت لهم في هذا المقال تصوير المؤلف على أنه أهم ركن من أركان المسرح، وهناك من دافع باستماتة عن هذه العلاقة كيوسف إدريس، ونجيب محفوظ، ولكن هناك أيضا من استشرف المستقبل، ورأى أن الغلبة ستكون للمخرج، وأنه سيكون هو سيد العرض المسرحي، كما رأينا هذا في مسرحية “احتفال أبو سنبل” لتوفيق الحكيم.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading