مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

اَلسَّعَادَة آلْأَبَدِيَّة – عبد الله خطوري

صورة لرجل ذو نظارات دائرية ولحية قصيرة، يظهر تركيزه وتأملاته في الخلفية الداكنة.

المشهد الأول …

أيها آلدبُّ آلعَجوزُ، سأطلي وجهكَ قارا وبدم الخنازير أعفره كي يقرف الجمهور من رؤيتك .. عن أي جمهور تتحدث .. إنك وحدك، أيها المخبول، ستظل وحدك بلا غاية، بلا هدف.لقد عجزتَ أن تخلق لنفسك العجفاء أصدقاء .. عاداتك غريبة أيها آلهرِم .. مَنْ يحتملك .. مَنْ يُراهن على المجازفة في المسير وإياك على خط واحد دون أن يتضرر أو تصيبه مصيبة أو داهية .. يا لطيف أووف .. إنكَ ضَجَـرٌ منبوذ مقصيّ عن الجماعة .. أتساءلُ، كيف آستطعتَ المضي في مهنتك طيلة هذه المدة غير القصيرة دون ملامح .. أجيال تراكمتْ بين يديك يا هذا وَاكَبْتَها، أثَّرْتَ فيها .. يا لهول الفواجع، إنْ كانت كل تلك الجحافل آلمتعاقبة وثقتْ بك سمعتْ سخافاتك وأطاعتها .. كفى كفى .. إنكَ تبالغ .. لم يحدث شيء، لن يحدث شيء .. ما أنا إلا عبدٌ قِنٌّ محنط مْشرّطْ الحناك، بهدلتْه الإدارة، أرْدَتْه قتيلا في هذه المدينة المنكوبة.أعلمُ أني لم أعد أنفع لشيء. مجرد زبَد زائد عن الحاجة؛لكن،ما سبب ذلك؟مَنْ جعلني كما تراني، كما تدعي، مريضا بتُراب رغام هذه الهوام .. انظر إلَيّ،إنك تعرفني جيدا، أنا الآن شيخ طاعنٌ عمرُهُ .. عن أي عمر أتحدث مثرثرا لاغيًا دون فائدة .. أنت تعلم سني الحقيقي، تعلم سبب هذا الوبال الذي أودى ويودي بي .. نعم، اُنظرْ إليّ،تمعن في ملامحي، لا تغض طرفك، تفحصني لا تُصعرْ خديك .. ماذا ترى .. اُووه .. إنك لا تحتاج إلى كبير جهد كي تدرك هول فجيعتي .. أفتحُ فَايَ مُغمغما لاغيا بأشياء تخرج هكذا كآلهذيان دون إذن مني تَكرعُ مِنْ خشاش فراغ في الخارج ما شاءت ثم تسرح بعيدا تتلاشى لا أرى صدى لها في المدى القريب .. جاحظا بعينين كليلتين أبصر الخواء يلفني من كل ناحية يتربص لا هو يُقبل فيريحني ولاهو يُدبر فيرتاح، فأظل ممزقا في طين بلدة آلتراب تلفحني الشموس تحرقني جدرانها القانية .. حتى قسمهم ذاك أدخله بكسل رتيب .. هو ذاك، عن هذا القسم أريد أن أحدثك .. هيه .. ماذا تعرف أنتَ عن الفصل وما يدور به .. إنكَ لم تقترب في حياتك سور مدرسة منذ غادرَها عمرُك البعيد، فآصمتْ، كيف تسمح لنفسك وصف ما يحدث بين أرجائها .. من فضلك، كفَّ عن لغو آلخمارات هذا .. سألعنك أيها القميئ كما تُلعن شياطين آلإنس وآلجن، سأقصيكَ من حياتي على الأقل في هذا المكان .. اذهبْ انصرفْ لا تَدْنُ مني ابتعدْ .. ولك بعد ذلك أنْ تطليَ هذا الدب الخَرِفُ بـالقار أو الزفت أو بما شاءت قريحتُك من مثالب .. اُوووف …

المشهد الثاني ..

بلدة باردة طاعنة في السن .. مشرعة على كل آلاحتمالات، الأسوأ منها بآلخصوص .. نساء متلحفات أُزُرًا بيضاء ولُحُفًا من صوف وكتان ينتعلن نعل ميكا بألوان غريبة .. يتحركن زرافات فرادى في دروب مشوهة .. تنبجس أشباحهن من فجوات ثقوب ضيقة تتوسط أحشاء دور هشة واطئة طُليتْ خشا، سُويتْ بتراب، غُطيتْ ببقايا فضلات الحيوانات ( خصوصا براز البقر ) .. وفي السوق دواب وغبار وبشر كثير يرفل كنمل مستثار في جلابيب ثخينة .. يلغطون بلسان بدأتُ أفك بعض رموزه جراء مكوثي في مكانهم المقصي .. تكثر هذه آلحشود تجتمع في يوم محدد خلال الأسبوع في بطحاء منبسطة تمر بها عادة سيول الجبال المثلجة القريبة، فتترك فيها طينا لازبا وحصًى صغيرا لا يأبهون بها، يضعون رَحلهم، يصففون أمتعتهم يتنادون يشهرون ما يشهرون من سلع يترقبون بيعها يحيون بعضهم بعضا بصوت عال قريب إلى العراك .. يأتي الجميع من كل حدب وصوب لعرض جثتهم وأغراضهم يبيعون يقتنون يتقايضون يقضون مآربهم يلتقون يتفرقون … تغلق المدرسة أبوابها خلال هذا اليوم رغم أنه ليس عطلة رسمية .. أمكنة خفية وأخرى معلنة تعرض سلعا معينة لعابري سبيل وشذاذ آفاق بثمن يناسب آلجميع .. لحم آدمي يأتي من بعيد من قريب يتكدس على بعضه بعتبات آلدور التي … وفي كل مكان يسرح دودٌ يزحف باحثا عن أبواب شبه مواربة كي … وعلى آلجدران آلمشلحة تتكئ مناخير وأفواه تهرق دخانا شقيا … نصحتُها مرارا أنْ لا تعرض نفسَها في مثل هذه اللامات المتشابكة، فوضعيتها خاصة وعليها الاحتياط، وكثرة الرواد عواقبه وخيمة .. إنها تحبني بطريقتها التي لا تعرف غيرها .. من قلبها .. كذا قالت مرارا .. وأنا صدقتها .. قلت لها .. أنا رهن عينيها منذ عرفتها في إحدى مصادفات طريق الأسواق، ومنذ حلولي بالبلدة إثر تنقيل تأديبي تعسفوا به عليَّ بعد .. اُوووف …

_قلتُ لكَ خذني أكون لكَ وحدكَ ..

_أنا لا أصلح للمعاشرة الدائمة .. أنا لا أُطاق ..

_رغم ذلك أحبك …

_القرد الشارف ما يتعلم الشطيح

_حاشاك حبيبي أنتَ الخير والبركة

_ذئب أنا يتهيأ للانقضاض مفترس لا غير، فآحذري …

_أخالكَ لا تعرفني يا عشيري لَـلاك هاذي تعشق الذئاب فتهيأ ..

المشهد الثالث …

إنه جيل صغير مفعم حركة وحيوية .. داخل البلدة الصغيرة يعيشون .. مِن عائلات معوزة ينحدرون .. أغلبها تقتات من ذلك الشيء المستورد، يمارسونه علنا أو سرا سيااان .. يستقبلك مَنْ يستقبلك فيما يشبه بيتًا طينيا من تلك الدور الواطئة الخلفية .. يهش في وجهك بريبة ملتبسة، خليط بين التوجس والوجل والحيطة وعدم الاكتراث .. تهرول إحداهن تستحث أخرى ممن هن تحت سقفها لتجهيز اللازم .. وتدخل المطبخ تعد الشاي أو ما يشبه الشاي .. يستقبلونك بحفاوة كأنك أحد معارفهم .. تأكل الخبز وإياهم.تتبادل أطراف الحديث في شؤون الحياة المختلفة، ومن لحين لآخر، يتبادر إلى سمعك صوت طفل يراجع دروسه بصوت مرتفع أو رضيع يوعوع أو هرة تموء بضراوة؛ وفي أحايينَ كثيرة، تمتزج هذه الأصوات المتشابكة بلهاث نشاز خفي لشيء ما يحدث في زاوية ما .. لقد غدا كل شيء عاديا هنا مذ غادر الأجانب المكان بزبانيتهم وزنازنهم وصلف حديدهم المسلح .. هُمْ على وعي بهذا الوضع المستشري، لذلك تجد البعض يعمل جهده ينتشل شهادة مدرسية كيفما كانت ويخرج من البلدة النائية لا يعود إليها أبدا .. يأخذ العائلة والحوائج يقلع جذوره من جذورها غير نادم أو متردد ينصرفُ بلا نِيّة في أوبة كيفما كانت؛ بيد أن هذا الحل صعب جدا على الكثيرين في ظل الظروف الراهنة التي يغطس فيها الجميع؛ لكن، بعضهم نجح في ذلك .. نعم، غير أن وقتا يمر قصير أو طويل يعتريهم ما يعتريهم فيعودون أدراجهم من حيث ذهبوا لا يلوون على شيء .. أثبتَتِ التجربة ذلك مرارا .. بحنق ذهبوا بخفي حنين يؤوبون ناكسي الرؤوس كارهين حياة الزفت بما ضاقت وبما رحبت .. تبا .. عيشة الضنك كَفَنٌ جماعي في الحياة لا مفر منه .. اوووف .. لا مفر .. أولئك الصغار، رغم كل شيء، رغم كل ما خبروه مِن تجارب مَن سبقوهم، يصخبون في وجوه بعضهم البعض يضحكون يأتون المدرسة، هكذا، لأن سببا ما، لنقل الصدفة لنقل العادة، هي التي تدفعهم للمجيء إلى حجرات درس يلجؤون إليها ربما فرارا من مجالات أكثر ضيقا وخنقا للنفس .. بعضهم لا يستمر .. بعضهم يعمل أعمالا أخرى تفرغ الجهد تقلل التركيز، آخرون يعضون بالنواجد على مواظبتهم كي يخرجوا بورقة رسمية تنقذهم من الطوق الذي يحسونه مفروضا على رقابهم .. سَهْلٌ أن يحكم مُدَرسُ المدرسة على إنجازات أحدهم بقيمة معينة تقيس مهارات محتملة لديهم ومدى مسايرتهم للمكتسبات التي يتدربون عليها في إطار معارف مقررة؛ لكن، العسير هو إدراك حواسهم بوضعياتهم الخاصة، أحلامهم، طموحاتهم، أمانيهم ورغباتهم والعراقيل التي تقفُ أحجار عثرات في طرقهم المعقوفة المتشعبة غير الَّلاحبة .. اُوووف .. يعلمون أن آنكبابهم هكذا على المجيء والذهاب لا يعدو أن يكون عادة من العادات الرتيبة التي آعتادوها وكفى، قد تسفر عن نتيجة معينة أو تنتهي بهم إلى بِرَك آسنة أشد شراسة ليست تجود إلا بفاقاعات فارغة لا جدوى منها .. لكنهم؛ رغم ذلك، ينخرطون في اللعبة حتى نهايتها التي بلا نهاية و .. ينتظرون .. ربما ربما …

المشهد الرابع …

أصِلُ تعبا من آلمدرسة .. أذهب عندها مباشرة .. اعتدتُ اللقاء بها في شقتها الترابية آخر كل أسبوع بعد أن أتيقن من غياب الذي هو دائب الغياب .. هي عربة يدوية .. أنا طَالَبْ مْعَاشُو (١) منهك مجرد مياوم مسخر يقتات من عرق جهده البدني .. ساقاها قبضتا عربة، وأنا تعلمت إحسان القيادة، أستجيبُ إذْ أُدْعَى، أتريثُ، لا أستعجلُ .. دمي بارد .. هي تحسن الإغواء، مرتع خصب لَبون يذر قطافها آلخيرات .. عندما تهب نسائم من هوى عابر، تلتصق المجاسد بالأمواج الهاربة، ينمو الرمان ينتفض البرتقال وجوز جزائر الأبدان يعلن ميلاد شهقة الافتتان … على الشاشة الصغيرة، كان الكاوْري يداعب الكاوْرية (٢) .. أنا أداعب غابة الكستناء المعقوص إلى الوراء .. هي تغني برطانة فرنسية

_deux mains pour un sein
Deux cuisses pour une fesse

أنا أضحك .. سألتُ ..

_من صاحب الأغنية ؟

قال الگَاوري..

tu m’aimes_

أجابتْ هي ..

_وجدتُها في كتاب

قال الگَاوْري..

je te consomme_

قلتُ ..

_أي كتاب؟

قالت..

_(حفلة الخنازير) ..

قالت الگَاورية..

méchant_

قال الگَاوري..

adorable _

علقْتُ..

_هذا رذيء ..

قالت..

_هذا ما جابتْ الوقت..

قلت، لم أقل شيئا..

…على الشاشة، كانت الگَاورية تشزر الگَاوري .. قالت هي …

_أريدكَ تنسفني..

قلتُ ..

_أنا ..؟!..

قالت ..

_ .. يِيييهْ ..(٣)

قلتُ ..

_.. لا أستطيع ..

قالتْ ..

_ .. لمَ .. ؟

قلتُ ..

_ ..أنا عاجز ..

رَدَّدَتْ

_ .. لِمَ .. ؟

قلتُ ..

_ لأني ضيعتُ في الأوهام عمري ..

المشهد الخامس …

دربنا آلصغير، في ذلك آلزمن، كان مليئا بحسنوات يغضضن آلطرف ينظرن إليكَ في خفر مليئ شهوةً ورغبةً .. بين خفقة قلب ورفة جفن مسافة شاهقة شغَلَتْها لمدة غير يسيرة عاصفة من التردد والجموح والتوجس والترقب .. لَمْ أعمل شيئا يزلزل كياني آلمرتاب .. كل ما في دواخلي مِنْ شد وجذب عَقلَ فكري كَبَّلَ إرادتي في الفعل .. سُجِنْتُ في رتابتي منذ ذلك الوقت .. الآن الدب الصغير، لم يعد إلا ذكرى غابرة، وأنا مازلتُ مسجونا .. هؤلاء الفتية الصغار روح الحياة تكاد تطفر من أعينهم المتحفزة، يدخل المُدَرس الذي شاخت روحه قبل آلأوان، فيتعجب للنزق الذي يشع من حركاتهم .. هم كذلك دوما .. نشطون يثرثرون بمناسبة وغير مناسبة، لا يشعرون باليباب القابع في صدور العباد في آلدروب في آلأزقة في آلأسواق .. مممم .. كأنك كنتَ، أيها الدب الخرفُ، أمام أبناء سادات وسيدات بلد آخر غير الذي تعيشه وتعرفه … مئات الديدان الضئيلة القد والحجم تخرج كل صباح من أوكار آلرماد، من قبور كابية، من جحور مطلية زفتا وقارا .. يقتاتون الشقاء طيلة الليل، وبالنهار يمارسون السعادة المرجوة في مسرح أقسامهم غير الرحيبة كأن كل شيء على ما يرام …

_أستاذ .. هل أجد عندك كتاب (السعادة الأبدية) ؟؟

قالت تلميذة .. أتراها تسخر منك أيها آلدب آلتعس تمزح ربما .. أتبحث فعلا عن سعادة أبدية أم سمعت بالعبارة في دروس لغو الفلسفة، فأثارت فضولها …

_سعادة أبدية !؟

قلتُ مستغربا ..

_نعم ..

قالتْ جازمة ..

_مَنْ يا ترى يكون صاحب الكتاب ؟

قلتُ مستفسرا ..

_لستُ أدري ..

قالت بعفوية مرحة ..

هل هاجس التفكير والبحث سكنها منذ الآن، لمَ تُحمل نفسها عناء قراءة مثل هذه الهرطقات .. السعادة ؟!!؟ ألا تعلمين أنكِ أنتِ السعادة ذاتها مجسدة في فتاة صغيرة لا تفارق آلبسمة شفتيها، بضفائر معقوصة وثياب مزركشة آقتنيت في العيد الأخير .. ألستِ تمرحين في كل آن، رغم الشقاء المحيط بك من كل الجهات .. أن يبحث مثلي عنها، تلك غايته هاجسه شأنه دأبه، أما أن تبحث السعادة عن السعادة، فهذا أمر يثير مفارقة غريبة خصوصا بالنسبة لبُرَيْعمة بالكاد تفتحت أفوافها الشفيفة …

اسمع، أيها الدب المنحل المعفر بالقار، دع عنك بنات الناس، ادخل جواك، لا داعي لمزيد من السفسطة .. إن روحك دنسة معفرة برغام آلعثرات ما عاد في مهامهها روح شفيفة أو صفاء .. هي تطفر من بين جوانحك تسافر تجول بين أرجاء المجال، فتعقل أيها الفيروس، فالأرض التي تطأها صلافتك تضيق بالدفائن وبقايا الجنائز .. توقف .. لا تتقدم ..

المشهد السادس …

قالت الڭـاوري للـڭاورية على الشاشة الصغيرة ..

_مُونْتُورْ Menteur (٤)

قال الڭاوري ..

_جُو تَادُوغْ Je t’adore (٥)

قالت الڭاورية ..

_فْلَاتُوغْ Flateur (٦)

هي تمسك بيمناها رواية (ساغان)
“لو لي ديفِي” وترطن … (٧)

_ Deux mains pour un sein

_هل أتممتِها؟

_ليس بعد .. البطلة مريضة لا تريد أن تخرج من دوامتها رغم محاولاتها المتكررة ..

_ما المشكلة؟

_ لا مشكلة البتة .. إنها غير سعيدة..

قالتها بنبرة أرادتها هازئة وهي تضحك ثم تصمت .. تلف لفافة بعض أن وضعت مع التبغ ما وضعت .. توقد النار من القداحة .. الخليط المكفن باللفافة يشتعل .. تجذب نفسا عميقا .. يزدادا الاضطرام في الحشوة المدفونة في السيجارة .. تنفث دخانا أبيض في دوائر مفرغة تتابع تتهادى تتراقص في الهواء ثم تختفي .. تعود الى لازمتها مقهقهة …

_deux mains pour un sein

أقاطعُها معلقا..

_والثاني .. من يشغله؟

_ مَن هذا الثاني؟

_أوتْغُ سَان Autre sein ..

قلتُ بفرنسية ثقيلة ..

فردتْ ضاحكة بغنج ..

_ عيناك تكفيان ..

_أريد يدا ثالثة رابعة خامسة ما لا نهاية من الأيدي لأقبض على ما لا يقبض عليه ..

_ طماع أنتَ يا عزيزي ..

قالت تدنو مني .. يهوي ثقلُها بدعة بطيئة عليّ .. تزيح اللفافة المستسلمة من بين شفتيها .. تضعها في فمي .. تطوقني ذرعاها .. تنفث ضحايا آلأدخة في وجهي .. أنفث ما آجتمع في حلقي في وجهها ..

_سآكلُك ..

أقولُ بخدر واهن .. والشاشة تردد ببرود ..

_مِيشُونْ لُو، ڭْغُونْ لُو نْوَاغْ كي كْغانْ لُو ڭْغُونْ مِشُونْ لُو (٨)
_Méchant loup, grand loup noir
Qui craint le grand méchant loup (٨)

أسترسلُ أداعب ما تصادف يدي اسفلها ..

_فخذاكِ مرمران يستعصيان على الاحتواء

هي ترطن …

_دُو كْوِيسْ بُوغْ أُونْ فِيصْ
Deux cuisses pour une fesse

ألثمُ الدوائر المفرغة المتحشرجة في الهواء قبالة شفتيها .. أدنو أكثر .. تتحسس شفتيها شفتايَ .. أنتشي …

_هذا كثير..

تأخذ ما تبقى من اللفافة المحتضرة مِن يدي .. تدعكها وسط المرمدة .. خشخ.. خشخ .. خشش .. رغم خفوتِها صختِ آلأذان .. تحدجني عيناها قائلة …

_هل مللتَ مني؟

_أنا مشلول مذ جئتُ هذا العالم .. تعبٌ بَرِمٌ دائما ..

_لماذا جئتَ إذن؟

_لقد جيءَ بي ..

_لِمَ لمْ تمانع؟

_آش ايديرْ الميت قَدَّامْ غسالو ..(٩)

_يغمض عينيه ينام ..

_ذاك ما فعلتُ ..

_احلم إذن .. لِمَ لا تحلم ؟

_بماذا ؟

_بالذي يحلم به الناس ..

_ليس لدي خيال ..

_عش واقعك أو بالأحرى أَغْرِقْ موتكَ فيه ..

_ليس لدي طموح

_خذ كفايتكَ لا تبالِ ..

_ليست لدي رغبة

_أنت لستَ رجلا ..

_أحبك

_كذاب

_أحبك

_انسفني ..

قالت بحدة تطوقني ذراعاها العاريتان تضمني إليها بقوة وإصرار ..

_لا أحب الحرب

_كَ .. فَ .. ى ..

كلماتي تطفر مني مرتعشة منهكة تجتر مترنحة خيبة الأماني الخاليات ..

_كفى .. أرجوك ..

تبتعد قليلا .. ترمقني بغضب ..

_أنتَ فاشل

_أنتِ جميلة

_أنتَ خائب

_أحبك

تنتفض .. تصرخ .. تقف .. تضرب برجليها على الأرض ..

_انسفني دمرني ..

_ .. كفى عنفا أرجوك ..

قلتُ بتعب واهن وأخلدت للنوم …

المشهد السابع …

نصحتُ الصغيرة :

_لا تقرئي هذي الكتب

أجابت بعفوية :

_لِمَ أستاذي العزيز ..؟!..

براءة طفولة حملتني إلى عالم لم يعد لي الحق الحلم به أو قُلْ ليست لدي القدرة أو الإرادة الحلم به .. عالم من البلورات الحمراء البنفسجية الزرقاء وآلاف الحمائم تطفر من القلوب تطير بحرية وطلاقة .. عالم من لعب ولهو وصفاء .. مثل بلورات الكريستال .. هي تنطلق .. أنحسر أنا .. ينخسف زماني .. يتولى عمري .. يشيخ ما تبقى في المهج من ضياء يتضاءل أنتهي …

_طفلتي العزيزة .. كُوني صغيرة وآصمتي ..

السعاااادة آلأبدية .. !؟ .. لا الفلاسفة لا البلغاء لا الحكماء لا آلمفوهين لا ولا آلاف الشعراء أو مَن أوتي ذلاقة صبابة الكلمات بقادرين أن يصفوا وصفة ناجعة لصنع لُحَيظة آبقة من لُحيظات الإشراق التي تشع من عينيكِ الآن عزيزتي .. أوَ لا تدركين أنك أنتِ السعادة .. أنتِ الأبد .. امكثي كما أنتِ .. لا تتغيري .. قاومي مكانك اصمدي أمام الهاوية التي تغرق فيها الأعمار .. كوني ساكنة اللحظة بلا حراك إنِ آستطعتِ آثبتي لا تتحولي …

تحتج الصغيرة :

_أنا لستُ صغيرة

تروم تكبر بسرعة تُعامل مثل الكبار .. اوووف .. لِمَ .. !؟ .. أقول لها .. لا تأسفي على ما خلا ولم يخلُ .. لا تلهثي في طريق ما هو آت .. إنه آت .. ليس ثمة ما يستدعي آلعجلة .. فقط تفَقدي حاضرك المشع كالبريق من عينيك .. لا تفكري .. لا يهم العالم حواليكِ كيف يكون ليكن ما يكون .. لا يهم الأنام .. إنهم زكام يفسد ما لا يفسد من لحظات الهيام لا تأبهي بهم .. لا تسَوسي مقلتيكِ بأكفان توجيهاتهم المحنطة للأحلام .. لا تعقلني مدركاتكِ .. إن العقل يعقر المعيش يعوق مسيره الأسيل يغتال الأبدية لا تكترثي له سيفسد أعوامك الآنية والتي قَضَتْ والتي بعد حين من الأحيان تأتي .. أكيد ستأتي لا تتعجلي البحث عن سر الأسرار لا سر في الحياة سوى حياة الحياة كما تعنّ تظهر وتُعاش .. لن تعثري على شيء ذا بال .. انظري إلَيَّ تمعني حالة الماثل والماثلين أمامك .. تأكدي .. لن تعثري على شيء …

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading