مزاجُ السّيد سِيكْلُوبْ✍عبد الله خطوري

.. كانت لافيش بوصطير ملصق ذاك الفيلم معلقة في أحد حيطان الفرَّان التقليدي ( فرن الصحراوي ) بحي كلوش جهة المنطقة التي كنا نطلق عليها ( الشاربونْ ) أين وجدنا سبعينيات القرن الماضي مخلفات الفحم الحجري التي كان يُلقَى بها هناك من معمل توليد وتوزيع الكهرباء على المدينة، حتى أضحى المكان ساعتها جيرمينالًا بمساحة ملتبسة من بقع سوداء فاحمة تلطخ أرجلنا الصغيرة المنتعلة نعل صندلات الميكا المنتشرة حينئذ بين الأطفال .. مباشرة أمام عينيك كانت شخوص الملصق العملاق ترنو إليك كلما تمعنتَ في ملامحها الملونة تشبعك جذبا وإثارة ودعوة لمزيد من التركيز والانتباه .. كان الطفل يعهد بوَصْلَة الخبز لفتى يصفف الوصلات على أرضية الفرّان في آنتظار دورها لتدخل فرن الحطب الملتهب، ولا يبرح المكان يبقى بالعتبة قريبا أو بعيدا حسب حجم الازدحام الذي كان يشهده المدخل، دون أن يحس بالوقت كيف يمر يظل مسمرا ملهيا يتملى بترقب أشداق أسُود مستنفرة مفتوحة على مصارع وشيكة لحظة بدء آفتراس ذاك الواقف في أجمة وسط أتون فويق عمودَيْن من خشب يصارع ما أمكنه قوى خفية يحاول ضبط توازنه بجهد لا يكل لا يمل .. كان السمهري المفتول العضلات يجر سلاسل من حديد تشده الى أسفل فتحة الالتهام المرتقب وجمهور من الساديين يستحثون هياج الأفواه المشرعة ليزداد سعار ازدرادها الوشيك تحت أقدام البطل المغوار .. غارقا كان الطفل ف أحلام النهار يرى نفسه سيف ذا يزن خارقا أسطوريا خرافيا في عتمة بُعيد زوال قسم من أقسام ابتدائية ذكور ابن عِذاري في حصة من حصص ( arriéré ) يتشدق بها مُعلم الفرنسية والحساب والأشياء والعلوم والحياة والموت في وجه ثلة من الأشقياء المختارين آعتباطا لمهمة ( Au suivant ) .. كانوا خمسة أو ستة أو يزيدون حسب مزاج السيد ( Cyclope ) المبجل تلقم قريحتُه القاسيةُ قروحَ صفعاتٍ متتالياتٍ يرسلها كالرصاص كالقرطاس كوقع أسياخ النحاس مباشرة في وجه ضحايا ذاك الضحى أو ذاك الصباح .. دقة تابعة دقة ولا مَنْ يحد الباس .. وليس يدري الصبي ساعتها أمِن حسن حظه أو سوئه ظل معفيا من حصة التقريع ” التربوي “، لم يك في تلك اللحظة من التعذيب العبثي من بين المنتاقين من حِملان الآزفة
.. وليدرأ عنه احتمالا وخيما، جعل يغرق في أحشاء مقعد الخشب يغطس هامته بين كتفيه يخبئ قنته الحائرة ما أمكنه خلف رؤوس أخرى تنكمش تتضاءل تنحسر تحاول تتوارى دون جدوى خلف حجاب أو ستار عن عيني السيد Cyclope ..
_ Au suivant .. arriére ..
يضرب يصفع يصيح ببرودة في وجه المعذبين، والفتى يغلق عينيه يرى نفسه ماسيستًا هرقلا مغوارا يفك قيود الحديد يكسرها يضرب بها لبدات الوحوش يودي بها مهالكا قفارا يرفع رأسه يسوي ما بين الكتفيْن يشهق شهقات زفرات عميقة يخرج من دائرة حِضن مقعد الخشب تصعد فورة الدماء الى فوق الفوق يقف ينتصب ك( ذي يزن ) يعول على نفسه لا على عاقصة أو عيرود أو لوح محفوظ، لم يحفظ شيئا ذاك الزوال طار كل شيء تحت هول فجائع صفعات تسِمُ خدود الخلان، أفرد قامتَه المحدودة استحالت بقدرة قادر ظل خارقا شاهقا يتلقف سحر ما صنعت يدا Cyclope المغرور بنفسه .. رنا الفتى وجوه الرفاق شاحبة يتداخل رعبُها يتشابك يلوك بعضها بعضا في حيرة في ارتباك في اندهاش جعلت تتابع وقفة فتى الخوارق في وجه مُدَرس حصة التعذيب تحمل في راحة يمناه هيكل التوريفيل الحديدي تلوح به كيفما اتفق هنا هناك لتثبته في جدار القسم فويق السبورة مباشرة أمام أعين المعذبين والمنتظرين الذين ثارت سورتهم جعلوا يصيحون كلهم ..
_ هااااااااا واللهيما واعرة واللهيلا ساهلة ..
يصفقون يلوحون بأيديهم يشيرون بأناملهم الصغيرة يخرجون ألسنتهم من أفواههم يصوبونها ساخرين مباشرة في الوجه المحدق الصلد المتصلب الجامد المتجهم غير المبتسم أبدا … وما هي الا لحيظات حتى صاح Cyclope صيحة ثور هائج في وجه الصبي الحالم ..
_ et toi là bas, qu est ce que tu fou ..
فخفق القلب برِق البصر فزع الروع وهو يرى ما يرى من هولٍ يمور في بعضه يشير بصرامة الى جموع الفتية المعذبين
_ à vos places
واليه :
_toi , viens ici
ليجد الفتى نفسه في مواجهة القدر المحتوم، ومواجهة اللعينة ( U ) التي أبت أن تخرج من بين شفتيه الا مشوهة مذعورة متشظية مكسورة منهارة مفجوعة تحت وقع لطمات متتابعة بكلتا يديه كان السادي Cyclope يصفع يصفع يصفع … ساعتها أحس الصبي أن الدنيا الحقيقية التي طالما سمعهم يتحدثون عنها قد أزفت بتقلباتها وصرفقاتها وواقعيتها المريرة صائحة في وجهه .. وتَّا فيقْ إن الحياة لا تؤمن بالأحلام كن أنت أنت أناكَ لا تكن أنتَ سواك سواء كان ماسيستا أو هيركولا أو بروسليا أو طرزانا أو أي كان من أوادم بني آدمان …
☆إشارات :
_ cyclopes : Les cyclopes forment une espèce de créatures fantastiques dans la mythologie grecque. Ce sont des monstres géants n ayant qu un œil au milieu du front





