مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

أَنْفُثُ من حُشاشَتي غُصَصَ آآآه و .. اُوووف و .. تبا✍عبدالله خطوري

رجل يرتدي نظارات وقبعة، يجلس في مكان مغلق بجوار نافذة، يعبّر عن التأمل أو التفكير.

كانت معي هُريرة اسمها ( فِيبي ) تعلق قلبي بها وتعلقَتْ بي عاشت طفولتها في مجالاتي استأنسَتْ بي استأنستُ بها تعلمَتْ سلوكاتي ألفَتْ مزاجي المتقلب فلم تك تجفل أو تتذمر أو تنزع لسلوك نشاز إذا غادرتُ تبعتني اذا حركتُ المفتاح بقفل الباب هرعتْ تستقبل قدومي متمسحة بساقي تهتز نشوانة من شدة الفرح ألفْتُ ذلك منها وألفَتْ مني الحدب والحنو والدَّعة والملاطفة؛ غير أنها لم تعمر طويلا فما كادت تبلغ عامها الثالث حتى وقع الذي وقع قضت في ظروف ملتبسة وبعد أن أسلمت روحها لباريها، نأيتُ ببدنها الساكن بعيدا من ضوضاء المدينة وزحامها؛ وفي إحدى خمائل شعفات أعلى الجبل أودعْتُها حِضنَ شجرة سنديان سامقة .. لقد كانت تعشق الفلاة والهواء والسماء والتراب .. وداعا ( فيبي ) .. أسررتُ همستُ لها لي لكل الكائنات الدقيقة التي لا تلتقط حسيسَها عين أو تحدس حركاتها أذن .. تذكرتُ في غمار ذلك عصفوريَ آلنافق في عصور طفولتيَ النافقة .. كان قد قضى نحبه مرغما في ظروف شائكة ملتبسة أكثر مأساوية من ظروف سنورتي الصغيرة، إذ ألقت به يد غاضبة في لحظة رعناء إلى أتون مطبخ دائم الاشتعال لا تهدأ نيرانه أبدا، وظل هناك فرخي الصغير يتخبط ينتفض يتشنج مُدَدًا ليست بالقصيرة .. مازلت أذكر ذلك كأنه حدث أمسِ فقط .. ما زلت أذكر أني هرعتُ خلسة في وقت متأخر من الليل إلى ذاك آلركن آلمتقد من آلدار في تلك الزاوية المتربة المسخمة، دنوتُ من فوهة آلمحرقة ألفيت فاها شبه خامد تتوسطه أثاف ثلاث مسودة مغبرة يعلوها مقراج مفحم ( أغَـلايْ يَنْيَـانْ إيسْمَغْ دَابرْشَانْ ) (١) يبقبق ما بداخله ببطء رتيب ( يَـتَّـرْتُـورْ غَـرْ ربي نِي تِيحَلْقَـنْ ) (٢) يَـئزُّ تحت لظى جمرات برصاء تعلو كومات متراكمة من مخلفات الاحتراق تُكفِنُ نفوق عمر الطائر آلهش .. لا ثقةَ في هدوء الجذوات آلمقطوعة أوصالُها من أحشاء آلأدواح، تظل حيةً مضطرمةً لا تخبو أبدا، لا يموت وَقيدُها إلا ليبدأ من جديد أُجاجُه آلمستعرُ في دورات لولبية راقصة تحوم حول نفسها كطحونة حجارة الماء .. زادْ زادْ زادْ .. (٣) من فَطور لغذاء لعشاء لأمواه وضوء فجر باكر لِــ … حركتُ ما تحت آلمقراج بعمود صفيحة حديد داكنة ( سْيَـجْ اُ سْـفَـطْ ) .. لا شيء في آلأتون، لا بدن لا جناحَ لا ألوانَ غير ألوان الأكفان آلرمادية تحنط الوهج المتربص .. آه .. لملمتُ بعض آلبقايا آلدقيقة آلمخلوطة ببعضها سْتْعَمَّـارْتْْ وخرجتُ مكروبا تُكَلم نفسي نفسَها؛ وفي وسط آلأرضية التي يحرث جدي آلمُطلة على عين الماء في آلجهة المقابلة لجامع البلدة، حفرتُ حفرة صغيرة داخل سيقان الزرع الصفراء اليابسة .. سكبتُ كومة آلرماد .. أهلتُ آلتراب .. رششتُ بعض آلقطرات .. سويتُ كل شيء وآلبسيطةَ ثم آنصرفتُ .. لا .. لم أنصرف .. حَــزَزْتُ أحد آلسيقان .. تخلصتُ من جذره المترب شذبتُـ الشوائب وما علق به من حسك قطعتُ حشوَ أحد فروعه الفارغة نصفيْن بحيث يُسمحُ للهواء بالنفاذ فتحْتَكُّـ الجنبات مصدرةً صفيرا معينا .. جعلتُ أنفخُ قدر آستطاعتي والنغمُ ينفث من حُشاشتي غُصَصَ آآآه و .. اُوووف و .. تبا ..
… الجامع بين أمس واليوم أن نفاذ الأعمار في الحالتين لم يك طبيعيا، بل كان من فعل فاعل غاضب ألقى فرخ عصفور في حمأة الحريق بلا روية أو تفكير، وفعل حانق يضمر ضغينة بغيضة ألقت صدف الحياة بين يديه هريرة في عامها الثالث وجعل يثقبها بإبر الإعدام بذريعة الحماية والرعاية إلى أن أودى بها السم الزعاف قعر المهاوي القاتلة التي لا قرار لها .. راحت المسكينة تتعذب طيلة أسبوع تظهر عليها أعراض التسمم ونحن في غفلة عن خطورة الوضع معتقدين لحسن نيتنا أنها نزلات وعكة رد فعل حساسية اتجاه حقن الاستشفاء كما كان يحدث عادة عند تلقيها جرعات التلقيح التي دأبت على أخذها منذ نعومة أظفارها؛ لتقع الفاجعة على حين غرة جعلت تموء تعاود المواء تقيء حتى فرغت أحشاؤها فانقطعت عن الطعام تتشمم ما تتشمم ثم تضرب عنه صفحا لتنعزل في معزلها تنكمش تتكوم على بدنها الضامر تموء تصيت ترتعد كأن بها قَرًّا أو وَقْرا تتشنج تنتفض تترنح تنبسط تتمدد تنقبض تتقلص مرغمة تنبطح تتلولب تدور دورات هنا هناك تناور تقفز تنط ترتد تسقط تحاول مرة أخرى وأخرى تقعي تنظر أمامها حولها في وهن في خدر في ضعف تتمشى في شبه تمايل بل في شبه انهيار تحاول تنام على جنبها على بطنها على وجنتها فاتحة فاها تبحث عن هواء ربما عن شهقة ربما عن زفرة مريحة لا جدوى لا بد انه الألم هذا الذي كان يخز يعقر يقصم أصلابها من الداخل في ليلة ليلاء نهاية خميس بداية إحدى جمعات شباط أهوك أعرج لا يرحم لا يلين .. في آخر اللحظات، ظلت عيناها مفتوحتيْن تكاد ترى بريقهما في الظلام كنجم يعاند صلف الأفول .. أووووه .. جعلتُ أنفث في صمت قدر آستطاعتي من حُشاشتي غُصَصَ .. آآآه و .. اُوووف و .. تبا ..

☆ترجمات :
١أغَـلايْ يَنْيَـانْ إيسْمَغْ دَابرْشَانْ : مقراج الأثافي حالك اللون مسخم من شدة اصطلائه بلهيب النيران ٢يَـتَّـرْتُـورْ غَـرْ ربي نِي تِيحَلْقَـنْ : يئز يستغيث لربه أن يرأفوا به
٣_زادْ زادْ زادْ : لازمة تصدح بها النساء وهن يطحن الحبوب في رحى من حجر عتيقة، ومعناها ( اطحني اطحني … )

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading