مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
النثر الفني

صلاح عبد العزيز – نص ديوان : آكُلُ العَالَمَ بِقَضْمَةٍ

رسم توضيحي لرجل يرتدي بدلة، مع تعبير جاد، وخلفه أظرف بريدية.

(1)
*
كَلَامٌ عَلَى حَجَرٍ مِنْ مَاءٍ
**
مَا أَجْمَلَكَ فِى النِّهَايَاتِ .. تَخُوضُ فِى بِرْكَةِ الحِجَارَةِ وتَصْنعُ نَشِيداً مِنْ العَتْمةِ ، تُرْخِى مَفَاصِلَ الهَوَاءِ قَلِيلاً وَضَلْفَةِ النِّسْيَانِ تُوهِمُكَ بِأَرِيجٍ يَابِسٍ وَتَضَعُ مِفْتَاحَكَ فِى صَدَإِ القَصَائِدِ ،.
مَا أَنْبَلَكَ تَخْطُو عَلَى جُثَّةِ المَجَازِ حِينَ يَنَالُكَ تَعَبُ الكَلِمَاتِ
تَخْطُوَ عَلَى شَوْكٍ بِلَوْن أَرَقِكَ فِى اصْفِرَارِ رَائِحَةِ الدَوَاوِينِ كَحُرُوفٍ تُثَأْثِئُ بِمَقْطَعٍ صَوْتِىٍ فِى خَرَسِ آلَةٍ تَدْمَى ،.
لَا مَاءٌ بَلْ حَجَرٌ يَشْرَبُكَ كَمَا شَعْبٌ مِنْ طِينٍ بِحَشَائِشِهِ وبَرْدِيَاتِهِ وَمَا آنَ فِى حَدِيقَةِ غِيَابِكَ أَنْ تَسْتَرِيحَ كَمَا غَابٌ ، أَوْ حِجَارَةٌ تَطِيرُ بِسَمَاءٍ تُمْطِرُ وَتَنْفَرِطُ نُجُومُهَا ،.
حَتَّى لَو تَكَوَّنَ بحْرٌ ، يَظَلُّ المَاءُ حَجَراً يَشْرَبُكَ ،. كُلَّمَا حَاوَلْتَ الكَلَامَ مَحْمُولاً بِدَهْشَةِ امْرَأَةٍ ،. مِنْ أَجْلِهَا – وَهْىَ لَا تَحِيضُ وَلَا بِذْرَتِكَ تَحْمِلُ – تَنْقُشُ قَصَائِدَكَ ،.
كَأَنَّكَ مِنْ قَدِيمٍ شَهْوَةٌ مُؤَجَلَةٌ ،.
المَاءُ وَالنَّارُ والتُّرَابُ وَالهَوَاءُ عَتَمَاتٍ وَلَا مَعْرِفَةً لَكَ ،
هُوَ المَوْتُ إِذَنْ ،
فَلْتَمُتْ أَيُّهَا الشَّاعِرُ رُبَّمَا فِى عَالَمِ الذَّرِّ تُولَدُ ، تَبْدَأُ خَلْقِكَ فِى لُغَةٍ لَا تُشْبِهُ اللِّغَاتِ وَسَمَاءٍ لَا تُشْبِهُ السَّمَاءَ ،
رُبَّما فِى عَالَمِ المَوْتِ تَحْيَا ،. بِيَابِسَةٍ كَسَفِينَةٍ مُلْقَاةٍ للسَّلَاحِفِ تَغْسِلُ ما تَبَقَّى مِنْكَ بِدَمِ القَصَائِدِ عَلَى حَجَرِ مَاءٍ ،.
طَحَالِبٌ تُعِيدُ عَنَاصِرَكَ مِنَ الفَوْضَى ، لَمْ تَكنْ غَيْرَ رُوحٍ إِلَى صَلْصَالِهَا تَجْلِسُ ،
وَكَأَنَّ مَوْتَكَ يَتَكَرَّرُ كُلَّ مُوَاجَهَةٍ مُحْتَمَلَةٍ ،.
(2)
*
امرأة الداخلِ
**
ألْقتْ أيَامَكِ مِن نَافِذةِ عمرِكَ ،
هَربَتْ بِقصَائِدِكَ إِلَيْكَ
وَلا غَيْرُكَ يَفْتَحُ ،.
لِلدَّاخِلِ فِى عَالَمِكَ المُتَوَحِشِ تَاهَتْ فِى مُدُنِكَ ،. لَمْ تَخْرجَ مِنْكَ إِلَيْكَ ، إِلَيْهَا تَرْحَلُ ثُمَّ تُغَلِّقُ بَابَكَ ،. تَوَدُّ فِى أَقْنِعَتِكَ رَسْمَ شِفَاهٍ عَلَى شَفَتِكَ ،.
صَوْتَانِ يَضِيعَانِ فِى البَرَّيَّةِ
يَبْدَآنِ سِجَالَهُمَا اليَوْمِىِّ ،.

  • إِفْتَحِى ؛ لَعَلِّى مِنْ تَوَحُشِ رُوحِى أَنجُوَ بآلَامِى …
  • إِفْتَحْ ؛ لَعَلَّكَ فِى غَابَاتِىَ تَسْتَرِيحُ ،. لَعَلَّكَ فِى قُرَاىَ وَفِى طِينِىَ تَغْتَسِلُ …
    أَقُولُ : أَيَّتُهَا الجَمِيلَةُ آنَ أَنْ نَلْتَقِىَ …
  • آنَ فِى دَاخِلِنَا أَنْ نُشْبِعَ مَنْ مَرَقَتْ أَرْوَاحُهُمُ فِى السُّدُمِ وَلَا رَصِيفَ لَهُمُ …
  • لَوْ الْتَقَيْنَا ثَانيَةً ………
  • مُتَدَاخِلَانِ وَلَا نَلْتَقِى فِى غَيْرِ الكَلَامِ ……
    صَوْتَانِ ضَائِعَانِ فِى برِّيتِهما وَكُلَّمَا التَقَيَا يَفْتَرِقَانِ ،. وَمَعَ ذَلِكَ عِنْدَمَا تَنْظُرَهُمَا تَجِدَهُمَا وَاحِداً بِوَجْهٍ وَاحِدٍ ،.
    (3)
    *
    العَواصِفُ
    **
    يَخرُج الدَّاخِلُ للخَارجِ يَخْرُجُ الخَارِجُ للدَاخِلِ ،. اخْتِلاطُ العَناصِرِ فِى هَيْأَتِى كَاخْتِلَاطِ العَنَاصِرِ فِى هَيَأَتِهَا ،. كُلٌّ مِنَّا فِى اتْجَاهِ الآخَرِ ،. عَرَقٌ مِنَ السُّلَالَاتِ القَدِيمَةِ يَتَفَجَّرُ فِى عَاصِفَةٍ تَتَلَبَسُ وُجُوهَنَا ،. تَنْبُتُ بِذْرَةُ الكَوْنِ حِجَابًا وَرَاءَ حِجَابٍ يَغْشَى عُيُونَنَا النُّعَاسُ ،. فِى الحُلُمِ أُمْنِيَةُ الرُّوحِ تَسْتَجِيبُ وتَصْعَدُ فِى مَلَكُوتِهَا ،. تَتَكَوَّنُ شَمْسٌ وَيَتَكَوَّنُ قَمَرٌ وَتَزَّاوَجُ الكَائِنَاتُ ،. تَبْدَأُ تَقَاوِيمُ النَّبَاتَاتِ مِنْ أُنْثَى وَذَكَرٍ فِى نَهْرٍهَا المُنْسَابُ ،. كَمَا العَوَاصِفُ تَظَلُّ وَتعِيدُ تَشْكِيلَ الكَوَنِ وَهْىَ تَحْتِى وتَحْتَهَا وأنا تَحْتِى وتَحْتَهَا ،. وَمَعَ ذَلِكَ تَظَلُّ عَذْرَاءً وَكُلَّمَا شَاخَ الكَوْنُ نُعِيدُ الكَرَّةَ مِنْ جَدِيدٍ ،.
    (4)
    *
    فِى اللَّيلِ وَالنَّهَارِ
    **
    الفُصُولُ التِى تَتَوَالَى لَا تَعْنِى النِّهَايَاتُ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى اثْنَيْنِ إِلَى أَرْبَعةٍ ،. تَتَوَالَى الأعْدَادُ إِلَى أَنْ تَصِلَ لِلَانِهَايَةِ ،. كُنَّا مُنْشَغِلِينَ بِالنَّسْغِ نَفْرِدُ أَشْرِعَةً مِنْ أَشعَّةِ شَمْسٍ وَنُورِ قَمَرٍ يَتَوَالَدُ ليلٌ وَنَهَارٌ ،. مِنْ فُتَاتِ الأكْوَانِ المُنْتَهِيَةِ يَتَجَمَّعُ كَوْنٌ آخَرٌ ،. أَزْرَعُ الحُقُولَ مُضِيئَةً نتَعَارَفُ فِى القُرَى وَالمَصَانِعِ ، وَحَضَارَةً ،. نَجْلِبُ حِجَارَةَ اللَّيلِ للَّيْلِ وَالنَّهَارِ للنَّهَارِ وَنُبْصِرُ أَيُّنَا لَهُ الصَّحَرَاءُ أَيُّنَا لَهُ المَاءُ أَيّنَا لَهُ مَا يَكُونُ مِنَ الدَّوَامِ وَيَسْتَفِيضُ ، فى رُبُوعِ الأَرْضِ كُنْتُ عَاشِقاً ، فِى نَهْرِهَا كُنْتُ مُسْتَفِيضاً ، بالليْلِ والنَّهَارِ دَائِمَ الشَّقَاءِ فى لُغَةِ الحِجَارةِ أنْقُشُ بِلُغَةِ المَوَارِيثِ خَاتَمِى ،.
    (5)
    *
    العَائِدُ للحَيَاةِ
    **
    تَكَاثَرْنَا أَيَّتُهَا الجَمِيلَةُ وَتَشَكَلْنَا مِنَ الطِّينِ أَنَا مَيِّتٌ وُعُدْتُ حَيًّا ،. تَصِيدُنِى القَصِيدةُ وَأَخْرُجُ مِنْ كِتَابِهَا صَفْحَةً بَيْضَاءَ ، أَخْرُجُ وَلَا عَقْلَ لِى، كُنْتُ فِى حِضْنِهَا المَلِكُ ،. الآنَ أَتَعَلَّمُ الهِجَاءَ ، أَتَعَلَّمُ رَسْمَ الحُرُوفِ ، أَتَعَلَّمُ نَقْشَ حِجَارَةٍ صَمَّاءَ ، أَتَعَلَّمُ مَا لَا أَتَعَلَّمُهُ أَبَداً ،. فَلَا تَتْرُكِينِى يَا امْرَأَةً أَنَامُ فِى العَرَاءِ ، وَظَهْرِى بِلَا غِطَاءٍ ، أَنَامُ فِى ظُلْمَةِ القُرُونِ وَأَنْسِجُ فِى بَرْدِيَّةِ جَهْلٍ تَارِيخِىَ المُزَيَّفَ ، مَا يُؤَرِقُنِى فَى دِيوَانِ أَرْضِكِ يَخْرُجُ مِنْ طِينَتِى مَا يَقْهَرُ الدَّهْرَ بِجُدْرَانِ مَعْبَدٍ ،. كُلُّ كَلِمَةٍ زَانِيَةٌ وَكُلُّ شَاعِرٍ بَرِئٌ فَلَا تَأْخُذِينِى بِجِنَايَةِ الكَلَامِ أَنَا يَدُكِ الفَاعِلَةُ وَإِزْمِيلُكِ فِى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ ،. العَائِدُ حَياً عَلَى يَدِكِ يُقْبِلُ ،. فِى مُوَاجَهَةِ القَصِيدَةِ عَرَقٌ نَازِفٌ ، مِلْحٌ عَلَى جُرْحٍ ، فَرَحٌ عَارِمٌ بالتَّوَالُدِ ، شَعْبٌ مِنَ الطِينِ فَخّارٌ نَاضِجٌ ،.
    (6)
    *
    أخْرُجُ مِنَ النَّصِّ كَشَاعِرٍ أَعْرَجٍ
    **
    الشَّاعِرُ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى مُوَاجَهَةِ مَنْ لَا يُوَاجَهُ ،. نَادِرٌ مَنْ لَمْ يَفْقِدْ حَوَّاسَهُ والذِى يَخْرُجُ مِنَ النَّصِّ يَعْرُجُ قَلِيلاً دُونَ أَنْ يُبْصِرَ مِنْ أَىِّ مَتَاهَةٍ دَخَلَ مِنْ أَىِّ مَتَاهَةٍ خَرَجَ شَعْبٌ مِنْ لَفَائِفِهَا الكِتَّانِيَّةِ ،. مَاذَا تفْعَلِينَ بِى ، فِى وُجُودِكِ أفْقِدُ كُلَّ حَوَاسِىَ ، بِأَىِّ أَرْضٍ أَنَا ،. يَا عَاشِقَ السِّرِّ لا تَبُحْ ،. الخُرُوجُ مِنْهَا مُشْكِلَةٌ بِمَوْتٍ ،.
    (7)
    *
    أَيَامُ الإنْسَانِ السَّبْعَةُ
    **
    دَرْوِيشٌ صَغِيرٌ مَذْبُوحٌ بِوَتَرِ النِّدَاءِ ،.
    وأتمايلُ
    هَكذا رأيْتهم
    مَنْ يمْشُونَ عَلَى المَاءِ ..
    مَنْ يسٔتعِيدُ صَدَاقَةً مَفْقُودَةً
    بَين الثُّعْبَانِ والإنْسَانِ ،.
    وَمَنْ يَنْظُرُونَ إلَى وَجْهِكَ
    ويَقْرَؤُونَ الفَاتِحَةَ ..
    تَركْتُ جِلْبَابَ أُمِّىَ وَتُهْتُ
    كُنْتُ أَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَيْهَا
    فِى بَيْتٍ ذِى أَعْمِدَةٍ
    بَعْدَ عِدَّةِ سَاعَاتٍ وَجَدْتُهَا ،.
    لَكِنَّنِى كُنْتُ مَا أَزَالُ تَائِهاً
    مَعَ الثَّعَابِينِ وَالحَيَّاتِ ،.
    الخِيَامِ التِّى تُشْبِهُ التِّكِيَّاتِ
    والطَّعَامِ الذِّى يُوضَعُ بِلَا طَلَبٍ ،
    أَيَّامُ الإنْسَانٍ السَّبْعَةُ عِشْتُهَا
    إِلَى أَنْ مَاتَتٍ أُمِّى ..
    فِى أَيَّامِى السَّبْعَةُ

كُنْتُ مُمْسِكاً بِجِلْبَابِهَا ،.

هامش : إشارة إلى رواية (أيام الإنسان السبعة) لعبد الحكيم قاسم
(8)
*
حيرة مرهونة بالطقس
**
لَنْ تَعْرِفَ الفَرَحَ إِنْ لَمْ تَكُنْ قَادِراً عَلَى الحُلْمِ ..فَابْدَأْ حُلُمَكَ مِنَ الآنَ ……
الطَّقْسُ فِى حَالَةٍ مُغَايِرَةٍ يَلْزَمُهُ صُرَاخُ آلَةٍ مَعْدَنِيَّةٍ بِأَحْشَائِكَ .. يَلْزَمُهُ أَنْ تُوجِدَ الشَّمْسَ تَنْتَزِعُ نِيرَانَهَا ،. فَكَمْ مِنَ الوَقْتِ يَلزَمُكَ .. وَكَمْ تَتَحَدَّثُ فِى حُلُمِكَ عَنْ هَذَا وَمَا سَيَكُونُ يَوْماً ،.
هَذِهِ الحَيْرَةُ التِى تَسْتَهْلِكُ الإِنْسَانَ ، مَا بَيْنَ مَوْتِهِ وَحَيَاتِهِ ، الضَّجَرُ شَئٌ قَاسٍ ،. فِى الانْتِظَارِ تَعِىَ أَنَّكَ مَرْهُونٌ بِهِ ،. وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ حَتَّى لَوْ كَانَ حَوْلَكَ الكَثِيرُونَ حِينَ تَصْنَعَ طَقْساً يُنَاسِبُكَ .. وَلَا يُنَاسِبَهُمُ ..
فِى المَطَرِ كُنْتَ سَحَابَةً تَلْتَقِيهَا وَلَا تَلْتَقِيكَ ،. فِى تِلْكَ المَدِينَةِ العَجُوزِ الظَّمَأُ سِلْعَةٌ مُشْتَرَاةٌ ، وَالمَوْتُ مَجَانِىٌّ ، وَالمَطَرُ حِجَارَةُ قُلُوبٍ تَنْهَمِرُ ،. فِى شَوَارِعَ مِنْ قِطَطٍ جَائِعَةٍ ،. وَأَنْتَ كَلْبٌ ضَالٌ لَا تَجِدُ مَاءً وَلَا ظِلًّا ،. هُنَاكَ ..
عُلْبَةُ اللَّيلِ مَليئَةٌ بِالبُكَاءِ ،. فِى زَاوِيَةِ فَمِهِ يَسْتَرِيحُ غُرَابٌ ،. فِيمَا مَضَى نُجُومٌ ضَوْؤُهَا عَتْمَةٌ تَسْقُطُ بِأَرْجُلِنَا ،. بِعِظَامٍ هَشَّةٍ يَدُوسُ عَلَى زُجَاجِهَا فِى دَمِكَ مُشَاةٌ مُشْتَعِلُونَ ،. النَّوْمُ أَيْضاً أَشْوَاكُ سَنْطٍ مُعَبَّأَةٌ ،. وفى عِظَامِكَ تِلْكَ النُّجُومُ تَنْهَشُ ،.
مُعَلَّبَاتٌ مِنْ كَبِدِ الفُقَرَاءِ ، عَصَائِرُ مِنْ لُحُومِهِمُ ، وَتَظَلُّ تَسْمَعُ أَوْجَاعاً فِى المِيَاهِ وَالحَصَى وَحَوَائِطِ البِيُوتِ .. تَظَلُّ صَرَخَاتِهِمُ فِى خَشَبِ السِّقُوفِ تُدْمِى أُذُنَيْكَ ثُمَّ تَسْقُطُ مَغْشِيًّا عَلَيْكَ ،.

مَا نُغَيِّرُهُ لَا يَدُومُ .. وَمَا يَدُومُ ظُلُمَاتٌ تَصْنَعُ مِنْكَ مِصْفَاةً ،. لا تُنْفِذُ حَتَّى مِيَاهَكَ .. كَمْ أَنْتِ قَاسِيَةٌ أَيَّتُهَا الأَرْضُ .. فِى صَلَوَاتِكِ الخَمْسِ تَأْكُلِينَ أَبْنَاءَكِ .. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ تِلْكَ الرُّؤَى نُوَاصِلُ الرَّحِيلَ فِى الإِقَامَةِ .*

هامش : إشارة إلى أعلنت (ميثاق الإقامة بالرحيل) لمحمد عفيفى مطر
*
(9)
*
الغَرَقُ فِى مِيَاهٍ ضَحْلَةٍ
إلى عبد الحميد البرنس
**
الأَمَاكِنُ القَلِيلةُ الغوْرِ يمكن لها أن تغرقك ،. مفتونا بموتك على الطرقات وسعيدا أنك الآن روحا تحرر من كيانه المادى ،. لكنما تظل الأماكِن القليلة الغَور مصْدر إزعاجٍ ..
ميراث من الهياكل العظمية فى قرى النهر ،. والجبال شواطئ عزلة لا تخضع لساكنها ، وأنت تبحث عن نفسك لا ترى وجهك ولا تراها الغارقة فيك والصارخة على لسانك ..
سافر الوطن من تحت قدميك وفى سورة الخلق تعيدك الأمنيات .. ترسمه كأنك وطن لوطنك ،. ترتعش فى ذاكرتك الغابات ، ترتعش المحيطات وأرتعش بجانبك كجزيرة تغرق ..
أمنا الأرض متى تضيق مساحتها نهرب منها إليها ، تضمنا بوجهها الآخر ذلك الوجه الذى ما إن يبتسم حتى ينتزع أحبابنا ، ونحن بعيدين نحتضن جثثهم الطازجة فى الذاكرة ونبكى ..
تذكرت الآن بكائى بين يديك ، تذكرت أن العالم مات منذ سنوات طويلة ، نعيد بعثه على ورق ميت ، ونعيش فى جثته ، نعيش لأننا الموتى نسير إلى حتفنا الحتمى مرغمين أن نحيا ..
(10)
*
الموت على طريقتها
**
تُشْبِهِينَ كل الناس
ولا تشبهين أحداً
عندما انظر
أنت وحيدة وفريدة
لكنما الخيال أحيانا
يجعل الآخرين يشبهونك
ولهذا أفتقدك جدا
حين ينامون
تدخل يد الليل وتنام فى سريرى
أظل يقظا ،.
بيد الليل أربت على خيالك
كى تنامى بجوارى
وكى تظلين سعيدة
كما لو أننا حقيقيان هذه الليلة
مُنذ عَام فائتٍ
جاءنى شبح موعدك
عقد معى صفقة
فى أحوال كثيرة يحدث هذا
طالما الصفقة سارية ،.
وحتى بدونها
لكننى ظللت وحيدا
أقبل على وجوههم
صورك الماشية فى الطريق
أحببت تلك الوجوه
لا أفتقدك فيها قط ،.
الرجال والنساء
والأولاد والبنات
وحتى البنايات والشجر
والعربات التى تمر سريعا على جثتى ،.
ولهذا افتقدك جدا
كنت سعيدا وأنا أموت بك
ويدك وهى تحملنى إلى المشفى ،.
وككل الجثث الباسمة
تستقبلنى بسمتك الحانية
الموت على طريقتك ليس موتا
إنما المتاح أحيانا
فى عالمك الافتراضى
أن تلمس يدك الأشياء القليلة المتبقية
من ذاكرتى قبل أن أغيب
فى النسيان
أو أن النسيان نفسه يكون أنتِ
كما لو أننا حقيقيان …
(11)
*
ماذا أقول عنك ،. ماذا تقولين عنى
**
فى مساحة ضيقة
من الكلمات على طريقة النثر
وَضَعَتْ علامات ليست كعلامات الترقيم
لن يعرف غيرى
أين تَوقَفَتْ
أين تكون جملتها الملتبسة
أين خطاها على وجه النص
لا شاطئ بالقصيدة
المعنى حين يراوغك نص ما
لا تحاول أن تصبح مصححا نحويا
لا تتصور فى التو
أن الشعراء لا لغة لهم غير الهدم
بناء قبر ليس كأى بناء
القصيدة قبرى
النص قبرى
أنا قبر يسكن نفسه
يتحرك فى معكوس ظنك
فى اتجاه مالا اتجاه له
غير أنى أعطيك بعض الظن
كأن أترك الصورة كشكل مفتوح
ليس كذلك فى معظم الأحوال
أنتَ مرآتى
أسكن بين النظرة
بين الكلمة
أضيق إذا اتسعتَ
عاجُ الأسنانِ بذئبةٍ
آكل العالم بقضمةٍ
أمنحنى نفسى
لا أحتاج نهرا
لا أحتاج آخرين
مكتفية بذاتى
الأجساد المعطلة دائما
هكذا تتكاثر
لا أريد بحرا أيضا
فى تلك الحالة العطف ممنوع
فى تلك الحالة أنت ميت فىّ
(12)
*
شاعر بلا نص
**
إنتهى النص وانتهيت
هكذا قال :
صرت عاديا
يقرأ الحوادث فى جريدة الصباح
يمشى فى الطريق كعادى
يحى جمهور البارحة
من صفق أكثر مما ينبغى
لشاعر بالكاد خرج منى
صفق بيدين لم تكن معه
ماذا سيقول هذا الشاعر
أعتقد أنه لن يقول شيئا
سيحمل أوراقه
وينزوى باحثا عن
يدين صفقتا يسمع بداخله
صدى القصيدة القديمة
ويقول :
ليسوا لأنهم شعراء تحبينهم
(حبينى) أنا
فأنا لست شاعرا
تصدقى علىّ بكلمة واحدة
تكون مفتاح قصيدتى القادمة
ربما حينئذ أكون مثلهم
ربما أسترد يدى …
(13)
*
توأمان منهزمان
**
كُلَّمَا غَادَرَتْ عَرَبَةُ النوم
يبدأ فى التو سباق يومى رتيب
الملل فيه ربما يدفعنا
للتخلى عن قشة على سطح ماء
كأى شخصين على كفى رهان
ثالثهما الهواء
نجلس فى مقهانا الاختيارى
لا نتصارع حول أنثى
بالطبع لا نتفق على اقتسامها
بل ندخن قليلا ونستجم
من عناء عملنا اليومى
الإمكانيات الضحلة تجعل العالم تعيسا
من يفكر فى الانتحار ليس العالم
العالم مستمر وأبدى
أما أنا فربما أفكر أن أنهى الرهان
كفائز سريع الخسارة
لن أمسك بقشة النجاة
علىّ الانهيار ثانية
ليس بسبب الرهان اللعين
بل تلك الكتابات الأولية
التى يتعين على مراجعتها
كل ليلة
ترقبنى وربما تقول لى :
متى تكون الجميلة
متى ينبغى لها أن تفرش أعضاءها
متى يحين وقتها .
كأن لم يحن وقتى
كأن سمائى لم تلتحف جسدها
الماكرة
كثيرة علىّ فى الكتابة
هى المتقنعة فى شكل وطن
أحزن
عندما تأخذ شكل العالم كفجيعة
عصية على الفهم
كثير منا عانق نهرا أو بحرا
كما عتمة تضئ بهجة الأمل
الذى أعرفه عن القصيدة
الذى أعرفه عن العالم أيضا
أنه يأخذ شكل امرأة
توقعك فى غوايتها
لا تعطيك نفسها
الخلط فى تلك المسائل
يا حبيبتى
يجعلنا توأمين منهزمين ..
(14)
*
موت منعكس وردئ
**
لا أتصور أن ألقى بنفسى من الدور الثالث ، تتلقانى حبال الغسيل إلى أن أهبط على الأرض ، أصاب ببضع خدوش وكدمات ثم أعيد الكرة فتتلقانى حبال الغسيل مرة أخرى ، ثم أحاول من جديد .
الكابوس الذى يتكرر كلما راودتنى فكرة كى أقلع عنها بالتأكيد ، إلى أن حدثْتُ جارى عن ضعف حبال الغسيل ، مؤكد كنت أكذب ، وحالما استبدل جارى حباله لم تراودنى الفكرة أبدا .
هكذا تخلصت من كوابيسى واحدا تلو الآخر ،. فى مشاهد درامية متعددة ، آخرها كأن أهبط من أسفل لأعلى فى لغة معكوسة وكرجل بطئ الفهم بعد عدة أيام وجدتنى فوق سطح المعنى أصعد للأسفل .
أكره كما أحب ، وأمارس تمارين الضغط ، وعلى الحياة أن تستجيب .. ما ليس له حيز يفعل هذا .. من كابوس الهبوط إلى كابوس الصعود إلى مشنقة فى الوسط ، الأغرب من ذلك أفلت من مشنقتى كل مرة .
الأفضل أن أتخيل سيناريوهات أخرى للموت ، باستثناء النار والغرق وتحت الهدم كآخر صيحات . ذاك الموت المتكرر فى نص حياتى – فى ظنى – ليس بموت ، بل موت منعكس وردئ ….
(15)

1 2 3الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading