صلاح عبد العزيز – نص ديوان : آكُلُ العَالَمَ بِقَضْمَةٍ
*
صَوْتٌ أَوَّلٌ وَلَا أَحَدٌ
**
لَكَ الظِّلُّ وَلِىَ بَهْجَةُ الظِّلِّ ، لَكَ المُتَاحُ وَلِىَ مَا قَبْلَ المُتَاحِ وَمَا بَعْدَهُ ، أَنَا الجَوْهَرُ الذِى لَا يُحَدُّ ، وَالظِّلُ الأَوَّلُ لِلأَرْضِ ، وَاكْتِمَالُ الكَوْكَبِ المُتَوَهِّجِ ،. دَفْقُ أَصَابِعِى النَّيَازِكُ المُشْتَعِلَةُ ،. أَخْرُجُ مِنْ عَتْمَتِىَ بِالزَّوَابِعِ ؛ غَيْرَ أَنِّىَ الرَّحِيمَةُ بِكَ ،. خَاصَتِىَ فِى الغَامِضِ المَكْشُوفِ ، وَالكَلَامِ الطَّيِّبِ ، وَأَيَّامِىَ لَا نِهَائِيَّةٌ ، وَلَيْسَ لِىَ شَبَهٌ ، وَكُلُّ مَنْ تَشَبَّهَ بِىَ هَالِكٌ ،. سِلَاحِىَ الدَّهْشَةُ ، وَلِمَنْ يَخْضَعُ دَعْوَتِىَ المُبَاحَةُ ،. المَحْمُولُ بِدَهْشَتِهِ لَا يَكُونُ ، فَأَنَا المَكْنُونُ بِلَا مَكْنُونِ ،.
المَاءُ أَنَا
وَالنَّارُ أَنَا
وَالتُّرَابُ أَنَا
وَالهَوَاءُ أَنَا
وَأَنَا لَا أَنَا
فَاسْمَعْ أَيُّهَا الإٍنْسَانُ ..
(22)
*
الخاضع لمشيئتها
**
فِى الحِجَابِ وَفِيمَا وَرَاءَ الحِجَابِ مَشْغُولٌ أَنَا بِكِ ، فِيمَا فَوْقَ أَنَا هُنَاكَ كَمَا أَنَا هُنَا حَيْثُ لَا هُنَا وَلَا هُنَاكَ ،. أَنَا الخَفِيفُ الخَفِيفُ المُتَمَتِعُ بِمَا لَمْ يَتَمَتعَ بِهِ أَحَدٌ ،. سِكِّيرٌ وَعِرْبِيدٌ ، مُتَهَتِكٌ وَمَارِقٌ ، وَخَاضِعٌ وَمُرْتَبِكٌ ، وَمَهْزُومٌ وَظَافِرٌ ، وَشَاهِدٌ وَسَاكِنٌ ، وَكُلُّ مَسْلَكٍ سَلَكْتُهُ بِزَائِدِ مَحَبَّتِكِ هَائِماً مُتَحَرِكاً ، حُراً وَمَحْبُوساً بِفَائِضِكِ ، وَمَكْسُوراً وَمُجْبَراً بِعَتْمَةِ نَورِكِ مُتَوَهِجٌ ، البَعِيدُ فِى الدُّنُوِّ سَابِحٌ فِى مَلَكُوتِكِ ، قَشَّةً عَلَى بَحْرِكْ وَفِى بَحْرِكِ وَمِنْ بَحْرِكِ ، نَقْشٌ بِقِشْرَةِ الكَونِ مِنْ كَوْنِيَّتِكِ .
(23)
*
إلى كابى حنا
عدنان شيخموس
زكريا شيخ أحمد
نص
أنا كردى
**
كل اتهام يعوزه الدليل
ولا دليل لى على محبتك
إلتمست البكاء فى دمعة رصيف
يفر من تحت قدمى
وقعت فى هوة
رأيت دنانير الفقراء وهى تعد ولا تكفى
رأيت بكاء أطفال شردتهم الحرب
كل أمنياتهم أن يكنسوا الشوارع
آمنين
تجولت فى مدن خربة
يضاجع الهواء بها حديد التسليح
البنايات المتهاوية تشكل فراغا
يلضم الروح بإبرة العدم
أقمشة من الدم
ولا أحد يوصلها بغير البارود
فى بيت بعيد تركت ما أحب
جثث عائلتى بأكفانها
لم يتثن لى دفنهم بدون عزاء
وميدالية بلاستيكية أهداها لى أبى
بها مفتاح البيت
وصور ربما ما تزال على جدران
تسفعها الريح
ماذا يفعل من لا صوت له
فى أرض معطاءة التشرد ككفك
يحبو وله أربع
لا يستطيع الركض الا بسيارة الهوان
والتسول على الطرقات
أنا كردى
باعنى لص فى سوق النخاسة
وأنا أصرخ
أنا كردى أنا كردى
بيعة خاسرة
فى العواصم الحضارية لم أر غير وطنى
المهدم
والمشنوق معى فى قيدى
لست مرئيا
وتاريخى الدموى يرفرف فى ميادينها
جملة معلقة فى فراغات النصوص
لا تعنى غير مزبلة يطرطر عليها الطغاة
أنا بائس فى مستنقع
اللامعقول
وليس لى يد سوى أننى كردى
العودة إلى البيت شبه مستحيلة
فقدت مفتاحى
وانصهرت ميداليتى بدمعى
وأنا أبحث فى عواصم الضباب
عن ثلج بلا ثلج وعن نار بلا نار
وعن جبل وضعته فى جيبى
وعن واد حملته صغيرا
وعن كرم وتفاح فلم أجد
سوى
لوحات إرشادية لمطعم الكلاب
الأمانى المعلقة دائما لا تأتى بخير
هى أرواحنا المستباحة
فى المقاهى والأغنيات
وثرثرة النسوة فى السرير
والحكايات فى بكاء الصبية
والنوم إذ يدفن رأسه بأجسادنا
معلق أيضا
فمتى أنام يا أبى
وأنا أنتظر يدك
تمتد بحلم يلذ الطعام فيه والشراب
والشمعة المضاءة والدالية
وأشجار التوت
متى
وكل اتهام يعوزه الدليل
ولا دليل لى على محبتك
إلتمست البكاء فى دمعة رصيف
يفر من تحت قدمى
وقعت فى هوة
(24)
*
محاولة لترتيب الفوضى
**
حيث يمكن للعالم
أن يتصور
حدائق بلا أشجار
أو حبيبات مرورهم يمكن
أن يجعل الصيف
ذا طقس شتوى
إدفع عن نفسك بأقصى ما تستطيع
ذلك الهواء البارد من عظامك
ومن جنوح مخيلتك لعالم أفضل
تستطيع فيه أن تتنفس
وتلعب مع أطفالك
ليكن
تحملك فوق تلك الأذية
دون كراهية تأكلك
من الداخل
*
فى التدنى لا ترى آدميتك
لا ترى إنسانا آخر
لا ترى غير نفسك
مع ذلك يمكن استنساخك
فى أشخاص آخرين
بحكم العشرة
خطورة ذلك
أن قلبك الإلهى
لا ينفض ماران عليه
فتعلم أيها الإنسان
تعلم
أن عمرك
إن طال
إن قصر
ليس بالطويل
ليس بالقصير
لا يتعدى ما قدّر لك
المهم أن
ما نفعله يوميا
يجب
أن يكون منسجما مع الضرورة
*
لتكوِّن فوضى مرتبة
عليك وحدك إزالتها
عليك أن تمسك مقشة
لا يعنى ذلك إزالة الفوضى نهائيا
بل محاولة ترتيبها
كأن تدنو لشجرة
خدشها شخص ما
بإزميله
كى يكتب اسم حبيبته
كتعبير
عن تقادم الزمن
دون أن يفصح عن هوية
بللت ورق الشجر
كما يمكن للأجساد المباعة
مقدما
أن تلقى برائحة
تتمهل ولا تغادر
لعدة سنوات
وهى تمر
تسلم عليك كل صباح
فى طريقها لعمل ما
كان يشغلها
وقتها
*
يمكن عن طريق الاحتمال
أن نرى كل ما فى الغد
دفعة واحدة
كومضة
ليكن فى علمك
أن الرؤى حين ترسل
إشاراتها
بطيئة
فامنح نفسك هدأة الوقت
معرفة الرموز تتطلب
معرفة نفسك
*
فى حالة ما كتلك الحالة
من يتخيل أن له كيان فهو مخطئ
فى معظم الأحوال أنت لاشئ
الكراهية لا تقتل
إنما المحبة
لا أكثر من ذلك
المهم فى الحالة الأخرى
ولأنك فى منتصف الليل لا ترى
بكاء غيرك
ولا تسمع سوى التنهدات
تجعل الشراب الذى يمكن تناوله
بدون سكَّر أحيانا حامضا
وتظل تشرب
السكْر فى تلك الحالة
لا يجلب غير الصداع
أما إن سمعت
فإنك تبكى ولا تدرى ما حولك
*
الخروج من عنق زجاجة
لابد له من طريقة
تجبرك
السكون فى الزجاجة
يجعلك بلا فائدة كجنى المصباح
لم تكن زجاجة بل
كانت الدنيا تضيق
كثقب إبرة
(25)
*
تَذْكَرَةُ ذِهَابٍ وَإِِيَابٍ
**
المُحْزِنُ حِينَ يَتَنَاوَلُوكَ كَلَحْمٍ حَىٍ
تنضج على مهل وأنت فى مكانك
لا تعرف
أن
ليس فى ممكناتنا اختراقهم
كما لو يعنى هذا
أن تفتح للظلام بابا
لا ضوء فيه ولا نهار
لشوارع منتقاة فى الذاكرة
على نارهم
قابلة للشى من بعيد
لا يمكن الخروج من بوابة النفس
إلا بتذكرة ذهاب وإياب
من يمنحك العودة
كمن يمنحك الحياة
فى الواقع لاشئ
فى الخارج
لاشئ
فى الداخل
ومع ذلك لن يمنحوك صك الغفران
بوابة مظلمة تدلف منها
تجد أشواك الكلام
يسحبون ذاكرتك فتعدو فى شوارعك
على غير هدى
لا تفرق بينهم وبين أى شئ
يطبق عليك الصمت كآلة حادة
فى لحمك الغير قابل للنضج
على أفواههم
وبين أسنانهم النظيفة
كنتُ أتوقع ذلك
كمن يأكل لحم أخيه وهو ميت
برابرة قساة فى ثيابنا
يملكون تذاكر الذهاب والإياب
فى تبادل أماكننا
مرة نحن مرة هم
على أشكالنا نقع كالطيور
الذى يجعل الإنسان فى موقف كهذا
الوعى الزائف
وحين نطمس الذاكرة
أين نذهب ومتى نعود
الناجِىَ الوَحِيدُ
مَْن يَمْلِكُ تَذْكَرَةَ الذِّهَابِ وَالإِيَابِ
نص ديوان :
آكُلُ العَالَمَ بِقَضْمَةٍ
صلاح عبد العزيز – مصر 🇪🇬 🇪🇬 🇪🇬
الزقازيق
ديسمبر 2020





