صلاح عبد العزيز – نص ديوان : آكُلُ العَالَمَ بِقَضْمَةٍ
*
همهمات
**
أنت أيها الداخل
أنت أيها الخارج
أنت أيتها الخفية
أنتما أيكما معى
أنتم لستم هنا
نحن من لا نكون
نحن من لا يهوى اختبار الهواء
إننا نسغ الشجر وصوت الحشرات الوادعة
تخيلت أن الحصى كنز
تخيلت أن التراب طعام
تخيلت أنى حى
أنادى روحى ولا تستجيب
أنا هنا
وكلى هناك
بيننا حبل الهواء الرخو
بيننا صمت الدهر وجلال النظرة
أنت أيها الداخل
لا تدخل
أنت أيها الخارج
لا تخرج
ضَع متَاعك نُصْب عينى
أنْتِ أيتها الخفية
أراك
أنتما أنتم
ليس هنا غيرى أنا الحجر
والشجر
والصوت الضائع
ليس لى غير ورق
يساقط فى خريف عمرى
أنا الورق
يأكله زمن فى الرحى
ليس لى غصن غير
أصابع البصر
أنظروا
لست شجرا
أنا حجر ينبت ثم يصبح ماء
أنا ماء يتسرب ثم يصبح ترابا
أنا تراب يسيل فى الطرقات
ثم يصبح بشرا
أنا بشر للحياة والموت
وآخر السلالات
أنا السلالة فى داخلكم
وخارجكم
إهدئى أيتها العواصف حين أتكلم .
(16)
*
مناديل الضباب
**
ذاتَ صَباحٍ باكر
بالكاد يخفى الضباب رؤوس الأشجار
بالكاد رؤوس الأشجار والضباب
متآمران
بالكاد انتبه أن الضباب مناديل ورقية تنزف
بالكاد تخبرنى الأشجار أن شيئا ما سيحدث
عمرى المسرع كسيارة تحطم فى جذعها
بالكاد أحملنى على محفة روحى
إلى رؤوس الأشجار
بواسطة الضباب
العالم صغير من أعلى
ليس الوقوف على الإسفلت
كالوقوف على الصخور
فلتقف على أعلى صخرة
تلين الصخرة تحت قدميك
ولن يلين لك العالم
لو وقفت على شجرة ربما
بالكاد أتنفس ضبابى الخاص
تتبلل الأرض بالدموع
عندما تسير تلك المناديل
تسحب نفسها بالطرقات
كفائض حزن
تتجذر فى مسام التربة
تغرقنا بملحها
لا تلقى بمنديلك
حتى لا أتنفس حزنك
المناديل الورقية لها استعمال آخر
ولها رأى آخر
بالكاد تعرف أن شيئا ما سيحدث
(17)
*
خط الأفق الشرقى
**
حين تتمدد بلا عمل
هذا يعنى أن الحياة توقفت قليلا
ويمكن لها أن تسير فى أى لحظة
مِثلما فِى الشاطئ الآخر
حِينَ يلُوّح لك خيال ما
أو صديق ما
فى معاناة مشتركة وهذا لا يعنى
صداقة دائمة على كل حال
أجبرنا الترقب على المجازفات
والانتظارات السيئة
ومهما كان
يندفع فيك اللاوقت فى المياه
وقصبات الصيد والأسماك أيضا
وحتى النباتات والحشائش
وتظل هكذا إلى أن تشعر بالجوع
حين تواصل الطريق
تتعدى القرى النائمة
ترى بضع بيوت على خط الأفق الشرقى
ندف الصقيع تساقط على النباتات
بامكانك أن ترى
بذرة الحياة تدب فى المكان
من وسط تلك البرودة
حين يبدأ أول خيط للضوء
مخترقا حبيبات الظلام
التى تستعد للرحيل
الإقامة فى ذلك المكان ليلة كاملة
لا يعنى الرحيل متأخرا
لم يكن هناك صيد
هذه الليلة المقمرة
ويمكن المواصلة ذلك النهار أيضا
حِينَ ذاك تتكرر المشاهد
على بحر يبدو أن الحلم
هو أن لا تبحر فيه
على ذلك الخط يبدو
الأفق مائلا للزرقة
وهذا لا يعنى أن الخرائط الزرقاء
صادقة
طالما حاصرتنى قباب صنعها الوهم
والخلاء وكل هؤلاء الذين تخلوا عنك
تصعد وجوههم كلما
امتد بصرك فى البعيد
وبذلك لا تشعر أبدا بالوحدة
وهكذا لا تعود سريعا للبيت
(18)
*
مواجهات محتملة
**
أن تواجه نفسك الآتية من بعيد
وترقب استداراتها
إن ابتعدتْ
تشعر بالأسى
أنك غفوت قليلا دون داع
كان يمكن أن تحدثها
عن ذلك الخليط من البشر الميؤوس منهم
الذين يحدقون فى وجهك
حين تتكلم عن مزية العزلة
كمستنقع تغطس فيه السحابات ولا تظهر
إلا فى قطرات تبلل وجهك
وتجعل وجعك بلا فائدة
رغم أنك ككل المساءات تغفو وحيدا
إلا أنهم فى أحوال كثيرة
كعطش أقدامه الكثيرة
تتفرع مثل أشواك قنفذ نائم
تنغرس فيك
فى المواجهات تشرع الخناجر فى صيد الدماء وتلهث خلفك
كلما بنيت حائطا بينك وبينهم
يتحول الحائط لشخص تواجهه
لا تعرف إذا كان خنجره منك أو منهم
أنت الملوث بهم
حتى أنك تعيش مرغما
فى تلاشيك شيئا فشيئا
ولولا ذلك لما كنت الآن
فى يوم ما
سوف تواجه قدرك الذى لا تعرف
غير أنه مثل عصا بيدك وحدك تشير إلى أنك استنفذت رصيدك
ككل المنبوذين
تلوح للسماء بتلك القبضة
التى ربما رأيتها فى رواية لا تتذكر تفاصيلها
على وجه التحديد
ما يتبقى منك وليمة للسراطين
فى البعيد مازلت ترقب تلك المواجهة المحتملة
لصديق أو ربما عدو
يعزلك كجدار عن حقيقة أنك لا تعرف بالدقة المطلوبة كيف تواجه من لا تستطيع
ليس عالما افتراضيا تعيش فيه
بل عالم من الأشباح التى تتحرك بين عالمين
تحدثها وتحدثك
وتظل مستغرقا فيه بالكامل
لم تستبدل عالم الواقع بهذا العالم
بل فُرض عليك
بسبب العزلة والوقوع بين عالمين
تتراوح بينهما
وهما يتصادمان وينتجان وميضا حارقا
كالوجع الغير مغلق دائما
حتى يحتوى ما تراه مناسبا من آلامك
ودائما ما تقول لمن يقربك
خذ منى ما يخصك ..
ما يخصك فقط .
(19)
*
لليلة واحدة
إلى تامر الهلالى
**
أن تحب لليلة واحدة
ذلك يشعرك بأنك الوحيد
الذى يجب أن يُحَب
المهم أن تنطفئ لوحات الميادين
دون أن يتعطل السير
أن تأخذ قبلة لتنير الظلام
تصبح شمعة
ويظل الميدان ساهرا الليلة
أن تحب لليلة واحدة
معناه الرحمات من كف سمائها
انفجار الأرض ينابيع سعادة
رايات معلقة ذات ألوان
ترفرف بقلبك
ويظل شارعنا بهجة مستفزة
بكامل ليلتك
إنجاز رائع لتلك الليلة
يتيمان ويتيهان فى حضرة القصيدة
تلك الغاوية المضللة اللعينة
القابضة على القلب
والتى نريدها كل ليلة
لكنها تريدنا لليلة وحيدة
واللحظة الأنسب للنهاية
أن تحب لليلة واحدة
ما يمنعك من التداول كعملة رخيصة
ويجعلنى كأب روحى
مفترض أن ينعى آباء مثله
فى العام 2020
وذلك أقصى ما يمكن .
(20)
*
حشائش وبرديات
**
توضأت من رحيق زهرة
ما بين الحشائش تلويت
صرت الصليل على بابك
فليستأذن ذووا الحاجات
أو لا يستأذنوا
بابى غير موصد
تلويت فى الحشائش
نعمت بنعومتها
على رأسك كنت ثابتا
فى المستنقعات والرمال
أتلوى
ولا أعقر قدم أحد
حشائش بألوان بهجتك
من اتجاهاتك الست
تسير بأقدامك
قبور مستعارة للغرباء
ما يتكلم به العشب
وما تنطق به البرديات
السفر لأبعد من حدودك
لا يجب
لا يجب أيضا
انتظار أسماكك المتوحشة
ولا يجب أن احدق فى وجوهك
الكثيرة
الذى بيننا يتجدد
ليس حجابا واحدا
إذا أُسدل حجابٌ
يكون حجابا آخر
أشدُّ عتمة
فى العتمة الأولى
بيدى الواهية
لا أزيح سوى الصمت
بيدى التى لا أراها
ولا أصابعى حتما تكون معى
عندما تكونين معى
أحجبة كثيرة تصنعنا
غير أننى انفذ من خلالها
فى مائك المتناثر
تسقط نجوم
تنبثق شمس
من عتمتك المضيئة
أمسكت صوتك
التائه
فى اتجاه صوتى
التائه
من أين يأتى المحبوس فى الجدران
بعد جهد
صوتك التائه
صوتى التائه
آن أن يلتقيا …..
(21)





