مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

عفريت الزيت – بسام الطعان- سوريا

صورة لرجل يرتدي نظارات، يظهر بملامح جادة على خلفية بيضاء.

                               

   هل رأى أحدكم في حياته عفريتاً ؟ وهل في عالمنا هذا عفاريت؟ أنا عفريت الزيت، أو أبو ذاكرة معطوبة، هكذا يقولون عني، هذا صحيح اعترف بذلك، نعم ذاكرتي معطوبة، و”مبعوجة ” أيضا.

   اسمي نعيم، ولكن نادرا ما يناديني أحد بهذا الاسم، وهذا لا يقلقني أبداً. عمري ثلاثون سنة، وأوصافي ـ يا لها من أوصاف ـ هي التي جعلتني بنظرهم عفريتاً: رأسي كبير وهجره الشعر منذ سنوات، أكتافي عريضة أكثر من اللازم، خواصري غير متجانسة، أما بطني فتبدو مثل تل أثري.

   أملك ورشة لتنجيد السيارات، وأنا شاطر في مهنتي، لكنني كثير النسيان، وهذا يسبب لي مشاكل عديدة مع الزبائن.

   حين يطلب مني أحدهم أن أقوم بتنجيد سيارته بقماش ولون معين، أمنحه ابتسامة وأقول:

   ـ تكرم عينك.

   ولكن حين يعود ليأخذ سيارته يصاب بخيبة أمل، ثم يبدأ الاحتجاج ومعه التوبيخ وبعض الشتائم لأنني لم أنفذ ما رغب به، وفي النهاية أكون الخاسر الوحيد.

   ما حصل لي كان سببه أحد الزبائن، فأنا لم أفكر بهذا الموضوع أبداً, لأنه لم يخطر على بالي أصلا، ويبدو أنه لم يخطر على بال والدي أيضا، فلو خطر على باله لكان قد قام بهذه المهمة وأنا طفل صغير.

   تركت الزبون سيارته في الورشة كي يستلمها في الغد وهي منجدة على أكمل وجه، وكنتُ أشتغل بكل همتي حين سمعته يقول لأحد أصدقائه إنه مستعجل لأن المطهّر سيأتي ليطهّر ابنه.

   ما إن سمعت هذا الكلام حتى ابتسمت بغبطة وقلتُ في نفسي:” لماذا لا يأتي بالطبيب فهو أشطر من المطهّر؟”

   في الصباح دخلت الحمّام، وعندما خلعت ثيابي، تذكرت كلام الرجل فاغتسلت بسرعة، وقررت أن لا أذهب إلى الورشة, ارتديت ملابس نظيفة،  تطيبت بأفضل العطور، وخرجت وأنا أتباهى بأناقتي.

   وصلت إلى عيادة  طبيب، جلست في الصالة بانتظار دوري، فتراءت لي حبيبتي الواقفة أمامي بقوامها الرشيق، ووجهها الحليبي الذي تزين بغصون اللوز ـ على قول الشعراء ـ  ولكن فجأة اختفت حبيبتي من أمامي، فقد طردها الممرض وهو يدعوني إلى الدخول.

   دخلت إلى الطبيب بخطوات لا تعرف الخوف أو الخجل:

   ـ مرحباً دكتور..؟

   دعاني للجلوس بإشارة من يده وهو ينظر إلى أوراق أمامه.

   طال انتظاري بعض الشيء وأنا أوزع نظراتي في أرجاء الغرفة بالتساوي، وحين انتهى من تفحص أوراقه سألني مما أشكو.

   لم أعرف بماذا أجيب، لأن لساني كان قد ” انخرس” تماماً، بحثت عن كلمات أقولها لكن ذاكرتي كانت كعادتها معطوبة.

   ـ مما تشكو؟

   بقيت صامتاً حدّ الماء الراكد، حاولتُ  تذكّر الحوار الذي دار بين الزبون وصديقه في ورشتي، ولكن “عبث”.

   بعد لحظات تحرك لساني:

   ـ دكتور اخصيني.

   أرسل اليّ نظرات غريبة عبر نظارته:

   ـ نعم؟!

   ـ اخصيني.

   ضحك الطبيب بعذوبة وكأنني أدغدغه، ثم اختلط ضحكه بالسعال وبعد أن هدأ قال:

   ـ لماذا تريد أن أخصيك؟

   فلم أقل له إنني على أبواب الزواج، وكنت خائفاً ألا يقبل لأنني كبير السن، وإنما قلت:

   ـ اخصيني واطلب المبلغ الذي تريده.

   تراجع إلى الوراء وطلب مني أن أطرد هذه الفكرة من رأسي.

   حين بقيت مصراً على ما أريد قال بعصبية:

   ـ لا أستطيع.. ثم هذا ممنوع.

   قلت في نفسي:” ممنوع! .. لماذا ممنوع؟ يبدو انه طماع”.

   ثم أخرجت من جيبي مبلغاً كبيراً من المال ولوحت به:

   ـ خذ ما تريد ولا داعي لهذا الكلام, وإذا لم تستجب لي فسأذهب إلى طبيب آخر.

   أمام إصراري واغراءاتي التي لا تقاوم استجاب لطلبي بعد أن أخذ مني تعهداً.

   قال لي وهو يعد النقود:

   ـ متى تريد ذلك؟

   ـ الآن.. الشغلة بسيطة ولا تحتاج إلى كمبيوتر.

   رمقني بنظرة لم أفهم لها معنى, ثم تحدث إلى نفسه بصوت هامس, شعرت أنه لا يرى أمامه سوى أبله.

   أما أنا فقلتُ في نفسي أيضا:” بشرفي.. أنت الأبله يا “أبو بطن كبيرة”.

   آثار التخدير كانت لا تزال تسري في جسدي وأنا أبدو مثل دبابة معطوبة.

   في الطريق التقيتُ بصديقي الميكانيكي (آكوب)، وحين لاحظ أنني أسير ببطء قال وهو يبتسم:

   ـ  أين كنتَ يا عفريت الزيت؟ لماذا تمشي هكذا وكأنكَ شاحنة تمشي على الغيارات البطيئة؟ لماذا لم تفتح الورشة؟

   ـ أنا مريض.

   ـ لا تكذب .. أنت لا تمرض، قل لي من أين تأتي ؟

   ـ كنت أزور أحد أصدقائي.

   ثم سألته إلى أين هو ذاهب، فقال مع ابتسامة عريضة:

   ـ إلى الطبيب ليطهّرني.

   سقطت الكلمة الأخيرة على رأسي مثل ضربة فأس، وشعرت بعدها بأنني داخل إبريق مليء بعفاريت ترقص فوق رأسي وتسخر مني.

   لم يخرجني آكوب من الابريق، وانما تركني ومضى. أما أنا فكنت أجرّ خطواتي جراً مثل محراث خلف تركتور قديم .

   دخلت الدكان واشتريت قنينة كوكا كولا صغيرة، لكنني حين حاولت فتحها انتابني ألم رهيب، فلاحظ  البائع ذلك وقال:

   ـ خير نعيم؟ هل أنت مريض؟

   قلتُ وأنا أعاني من الألم:

   ـ عملت شويّة تصليحات.

   ضحك البائع وقال:

   ـ تصليحات بالمحرك أم بالعداد؟

   أشرتُ بيدي إلى الأسفل، فضحك وقال:

   ـ هذه ليست تصليحات بل تنزيل محرك!

   تمنيت لو بقيت ذاكرتي معطوبة، تابعت طريقي نحو الورشة، ولم أدفع له ثمن الكوكا كولا، لأنني نسيت، وما إن وصلت حتى وجدت الزبون بانتظاري:

   ـ هل انتهيت من تنجيد السيارة؟

   قلت وأنا أكاد أرتجف من الألم:

    ـ امهلني بعض الوقت.

   ما إن جلست على الكرسي، حتى شعرت أن الورشة تدور بي، وحين سمعتُ الطبيب يضحك بعذوبة في رأسي، أدركتُ أنني لم أعد عفريت الزيت، بل صرتُ عفريتاً بلا زيت.

bassamaltaan@yahoo.com

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading