«الحياة أفضل»: الترويج للدادائية والسريالية/ديفيد هوبكنز-ترجمة أحمد محمد الروبي
ديفيد هوبكنز
ديفيد هوبكنز: أستاذٌ بقسم تاريخ الفن بجامعة جلاسجو، ومؤلف الكتاب الشهير: «ما بعد الفن الحديث: ١٩٤٥-٢٠٠٠». من أعماله السابقة: «مارسيل دوشامب وماكس إرنست: مشاركة العروس».

في قصيدة نُشِرت عام ١٩٢٣، أكَّدَ رائد السريالية أندريه بريتون على إعلاء الحياة على الفن؛ حيث اختتَمَ قصيدتَه قائلًا: «وبما أن الكلمات أمست مشحونةً/فالحياة أفضل.» رفض الكُتَّاب والشعراء المرتبطون بالدادائية والسريالية إخضاعَ التجربة الحياتية للتجربة الفنية؛ ربما كانوا مثاليِّين أو سُذَّجًا إذ حاولوا التوفيقَ بين تلك المبادئ، لكن هذا هو مستوى الطموح الذي يميِّز الدادائية والسريالية باعتبارهما بنيتَيْن ثقافيتَيْن طليعيتَيْن في جوهرهما. كيف نفذت إذن هاتان الحركتان إلى نسيج الحياة اليومية؟ وكيف حاولتَا التسلُّلَ إلى العالَمِ الذي يتجاوز المعارضَ الفنية؟ وكيف روَّجَتَا لأنفسهما؟
في هذا الفصل، سأركِّز على مَيْل الدادائيين والسرياليين إلى «العروض» — سواء أكانت عروضًا عابرةً في مكان مغمور، أم أحداثًا عامةً تَحظَى بالترويج المناسب — وقدرتهم على إقامة عروض مُثيرة للألباب متى شاركوا في معارض فنية. وسأُمعِن النظر أيضًا في دورياتهم واستخداماتهم للتصوير الفوتوغرافي.
بصرف النظر عن الكيفية التي طرحت بها كلٌّ من الدادائية والسريالية نفسَها على العالم الخارجي، كيف تخيَّلَ المشاركون في تلك الحركتين علاقتَهم بذلك العالَم؛ أي علاقتهم بظاهرة الحداثة الاجتماعية؟ للمساعدة في تسليط الضوء على هذه المسألة، سأُمعِن النظرَ في علاقتهم بالثقافة الشعبية، وكيف استوعَبوا المدينة نفسها، وبناءً على السرد الأساسي السابق طرحه في الفصل السابق، سنركِّز على «لحظات» محورية بعينها بغيةَ بناءِ مجموعة مصورة من «اللقطات» للدادائية والسريالية.
الأسقف الساحر ومعرض الدادائية
لنبدأ بإعادة بناء لحظة دادائية تأسيسية؛ لو كنَّا قد قمنا بزيارةٍ لكباريه فولتير ليلةَ الثالث والعشرين من يونيو عام ١٩١٦، لَوجدنا أنفسنا داخل غرفة تحوي مسرحًا وبيانو وطاولات ومقاعد تَسَعُ حوالي ٥٠ شخصًا. وتوضِّح صورةٌ فوتوغرافية للوحة فُقِدَت الآن لمارسيل يانكو (انظر الشكل ١-١) أنه لم تكن هناك مسافة تقريبًا بين المؤدِّين والجمهور. تؤكِّد روايات شهود العيان على الدخان الذي كان يملأ القاعة، وصخب الجمهور الذي كان قوامه طَلَبة ومفكِّرين اشتراكيين وهاربين من الحربية وصعاليك سكارى، حيث كان الكباريه يقع في «منطقة الترفيه» في زيوريخ.
يُحمَل الشاعر الدادائي هوجو بال إلى خشبة المسرح، وبحسب مذكراته:
كانت قدماي داخل أسطوانة من الكرتون الأزرق اللامع بلغَتْ وركيَّ، فبَدَا شكلي أشبه بالمسلة … وأعلاها ارتديتُ سترةً ذات ياقة عالية مصنوعة من الكرتون، قرمزية من الداخل وذهبية اللون من الخارج … وارتديتُ أيضًا قبعةَ ساحرٍ طويلةً مخطَّطة بالأزرق والأبيض.
وما أنِ استقرَّ قبالة مجموعة من حوامل النوتات الموسيقية التي تحمل نصوصًا مكتوبة بقلم رصاص، شرع يتحدَّث بطريقة خطابية وبشكل رسمي:
gadji beri bimba
glandridi lauli lonni cadori
gadjama bim beri glassala …
كيف لنا أن نستجيب لذلك؟ ربما سخر الجمهور منه. وفي مناسبة أخرى، أهَّبَهم بال إذ قال: «في هذه القصائد الصوتية، نشجب بالكامل اللغةَ التي أساءت الصحافةُ استغلالَها … يجب أن نرجع إلى الخيمياء الأعمق للكلمة.» وهو التصريح الذي يفسِّر نوعًا ما العبثية المحضة لتعويذته. كان بال نفسه مرتبِكًا؛ وإذ وجد نفسه ينشد في مرحلةٍ ما بأسلوب شعائري ينتكس به إلى طفولته الكاثوليكية، حُمِلَ بعيدًا عن خشبة المسرح «وهو يتصبَّب عرقًا وكأنه أسقف ساحر.» وبعدها بفترة وجيزة، تخلَّى بال عن الدادائية إلى الأبد؛ حيث كرَّسَ نفسه في نهاية المطاف إلى الدراسات الدينية.
بلغت عروض دادائية أخرى بكباريه فولتير ذروتها خلال تلك الفترة تقريبًا؛ فقد أطلق الدادائيون — إذ بادروا بإعادة تمثيل الآثار الأليمة والمدمرة للحرب التي كانوا معارضين لها — قوًى وجدوها هم أنفسهم مثيرةً للزعزعة والاضطراب. وكنتيجة لذلك كانت هناك فترةُ ركودٍ في تقدُّم الدادائية، من منتصف عام ١٩١٦ وحتى بداية عام ١٩١٧.
بعد ذلك، أمست دادائية زيوريخ تدريجيًّا «محتَرَمَة»؛ فالجماعة انتقلت إلى الضفة الأخرى لنهر ليمات، وأقامت سهراتٍ في بنايات مدنية برجوازية لا تشوبها شائبة. وصف هيولسنبك في نهاية المطاف معرض الدادائية الذي استضاف عددًا من الأحداث في قاعاتٍ أعلى محلِّ سبرونجلي للحلويات؛ بأنه «صالون فنون جميلة لتدريم الأظافر، ترتاده سيدات عجائز يحتسين الشاي، ويحاوِلْنَ إحياءَ قُوَاهنَّ الجنسية المتلاشية بمساعدة «شيء مجنون».» كانت رسوم الدخول عالية جدًّا، وثمة قائمة بالحضور. من الواضح استنادًا إلى ذلك أن الدادائية، مهما اعتبرناها بوهيمية الطابع، أصبحت سريعًا متماشيةً مع الأعراف البرجوازية. ويُفيد السياق الأوسع، بطبيعة الحال، أن الدادائيين وجدوا، من سخرية القدر، أنه من الضروري أن يستميلوا جمهورًا مثقَّفًا ليبراليًّا كي «يُفْهَموا»؛ وهي مفارقة ستظلُّ فكرة محورية متكرِّرة طوال فترة النشاط الدادائية والسريالية الطليعية.
لقد نبعت الفضيحة الأولى للدادائية من أحداث حضرها قليل من الناس، ومن ثَمَّ استندت الدادائية من البداية إلى عملية صنع أساطير ذاتية. هناك طريقة أخرى روَّجَتْ بها الجماعة لنفسها من البداية، وكان ذلك عبر منشورات الجماعة إبَّان صدور منشورات طليعية سابقة مثل المجلة المستقبلية الإيطالية «لاسيربا»، أو الدورية البريطانية الدوامية «بلاست». كان «كباريه فولتير»، المنشور الأول لجماعة زيوريخ، الذي صدر عام ١٩١٦، منشورًا جادًّا نسبيًّا؛ حيث أورد نُسَخًا لأعمالٍ لشخصيات طليعية مرموقة أمثال بيكاسو، إضافةً إلى أعمال الدادائيين، بل إن هذا المنشور صدر في طبعة فاخرة في قوالب خشبية أصلية. صدرت مجلة دادائية زيوريخ التالية، وسُمِّيَت «الدادائية»، في الفترة بين عامَيْ ١٩١٧ و١٩١٩، وكانت جريئةً في تصميمها؛ حيث استغلَّتِ الخطوطَ الطباعية المتنافرة، خاصةً في طبعتها الثالثة. وكانت تلك المجلة أيضًا «دوليةَ» الطابع بشكل توكيدي؛ حيث احتوَتْ على أشعار لأتباع الدادائية من أماكن أخرى، مثل فرانسيس بيكابيا ولويس أراجون.
بعروضها الأسطورية بالكباريه، ومجلاتها المطبوعة يدويًّا في أجزاءٍ منها، كانت دادائية زيوريخ، ولو إلى حدٍّ ما، «محليةَ الصنع»؛ وهي لم تبذل جهدًا كبيرًا في واقع الأمر من أجل تسخير تقنيات الدعاية الحديثة. يمكننا أن ننظر إلى معرض الدادائية التالي الذي أُقِيم في برلين، وسنرى العمليةَ المعاكسة تمامًا تحدث.
هذا الحدث الذي تمَّ تصميمه تأسِّيًا، دون انضباط — وعلى نحو ينطوي على مفارقة شديدة — بمعرض تجاري، كانت له سابقةٌ مشهورة في معرض الدادائية بكولونيا الذي أُقِيم في العشرين من أبريل عام ١٩٢٠، وصُمِّمَ بحيث يتسبَّب في أكبر قدرٍ من الإزعاج لجمهوره؛ إذ دلف الناس إلى معرض كولونيا عبر مَبْوَلة عامة لقاعة الخمر، وفي افتتاح المعرض ألْقَتْ عليهم فتاةٌ صغيرة ترتدي فستانًا لأحد الكوميونات أشعارًا فاضِحةً، وتضمَّنتِ الأعمالُ المعروضة منحوتةً لماكس إرنست، وأُلحِق بها فأس لتكسير المنحوتة. كان حدث برلين — الذي أُقيم في معرض تجاري خلال الفترة من ٣٠ يونيو إلى ٢٥ أغسطس عام ١٩٢٠، وعُرِف باسم «المعرض الدولي الأول للدادائية»، وحوى حوالي ٢٠٠ عمل فني اتخذَتْ شكلَ العديد من الوسائط — صداميًّا بالقدر نفسه، لكنه كان مبنيًّا من البداية تلبيةً لغاية الحصول على أكبر قدرٍ من الدعاية. واستُنسِخت على نطاق واسع الصورةُ الفوتوغرافية الشهيرة الموجودة بالقاعة الرئيسية للمعرض (شكل ٢-١)، التي تضمَّنَتْ زيًّا رسميًّا محشوًّا لضابط بروسي مثبَّتًا عليه رأس خنزير ومُعلَّقًا في السقف؛ وتمثالًا لعرض الأزياء من تصميم جورج جروتس وجون هارتفيلد، رأسه على هيئة مصباح مضيء. ونشرَتِ الصحفُ على مستوى العالم — من باريس وحتى بينويس أيريس — مقالاتٍ تتناول الحدثَ.

شكل ٢-١: عرض لمكونات معرض الدادائية الدولي الأول، برلين، يونيو ١٩٢٠.
كان المعرض الدولي للدادائية، شأنه شأن كباريه فولتير، تجربةً مثيرة للاضطراب بشدة. وكما يتضح من الصورة، تضمَّنَتْ جدرانُ المعرض تجميعاتٍ صُوَريةً لهاوسمَن وأمثاله، ولوحات لجروتس وأوتو ديكس، لكنها تنافست على اهتمام الجمهور مع ملصقاتٍ تحمل شعاراتٍ مثل «الدادائية تميل إلى البروليتاريا الثورية»، و«كل إنسان يستطيع أن يتبنَّى الدادائية»، و«مات الفن: فَلْيحيَ عصر فن الآلة الجديد لتاتلين». كان من الصعب على المُشاهِد الفصلَ بين الفن (المناقض) المعروض والحاجز الجدلي؛ وبالطبع هذا هو تحديدًا الأثر المنشود. إن الشعار الداعم لتاتلين كاشف تحديدًا عن الاستراتيجية الكلية لجماعة برلين؛ فقد كان تاتلين — الشخصية الرائدة البارزة في البنائية الروسية الذي لم يعرفوا أعمالَه كلها — يُعتبَر تجسيدًا لاتجاه مادي جديد للفن، ومن ثَمَّ جاء تناقُضُ الروحانية الزائفة الممثَّلة بالنسبة إليهم في جيل التعبيرية. لكن النقطة المحورية المتعلِّقة بهذا الحدث هو أن الشعارات التي رفعها كشفَتْ عن وعْيِ دادائيِّي برلين بالقوة المتزايدة للإعلان في الحياة اليومية؛ فبدلًا من النأي عن عمليات العالم التجاري، سلبوه استراتيجياته لنشر رسالتهم.
المحاكمة الصورية وشارع تماثيل عرض الأزياء
حمل نوعَا تجليات الدادائية اللذان تعرَّضْنا لهما — الدادائية «المحلية الصنع» ولكن السريعة التحوُّل إلى أسطورة، والدادائية الأخرى الميَّالة بشكل واضح نحو الدعاية الجماهيرية — معالمَ رغبةِ الحركة في الإطاحة بالقِيَم الحالية أو إحداث ثورة فيها. وبالالتفات إلى حدثَيْن آخَريْن مناظِرين — أحدهما سريالي بدائي، والآخَر سريالي متكامل الأركان — سيسهل علينا تحديد بعض الفروق المحورية بين الدادائية والسريالية. يكشف الحدث الأول عن التحوُّل من الدادائية إلى السريالية، الذي وقع في باريس كجزءٍ من «الحركة الغامضة» خلال الفترة بين عامَيْ ١٩٢١ و١٩٢٤.
في الثالث عشر من مايو عام ١٩٢١، شارك أندريه بريتون ومجموعة من حلفاء الدادائية، إضافة إلى عدد من الشخصيات الأدبية والسياسية، في «محاكمة صورية» عجيبة، أُقيمت لاختبار مدى إيمان بريتون بأن موريس بارِس، المؤلف اليميني المشهور، مُدان ﺑ «جرائم ضد أمن العقل». بالنظر إلى صورة فوتوغرافية للحدث، يمكننا أن نرى أنه كان ينطوي على درجة من العبثية اللحظية. ارتدى الدادائيون أنفسهم لباسَ المحكمة العليا بشكل مُتقَن، بينما مُثِّل بارس — الذي لم يتنازل ويدافع عن نفسه — على هيئة دمية. وعلى الرغم من ذلك، كان الحدث مصمَّمًا بعناية وهادئًا في نبرته؛ حيث تخلَّى عن عفوية التجليات الدادائية السابقة مثل كباريه فولتير السابقة مناقشته.
من عدة أوجه، صُوِّرَت المحاكمة من البداية على اعتبار أنها «بيان موقف» من جانب بريتون، علاوةً على كونها فرصةً للتصوير (وهي الاستراتيجية التي سنناقشها لاحقًا). دفع قليل من الناس رسمًا لقاءَ حضور المحاكمة، لكن التركيز كان موزَّعًا بالتساوي على المشاركين ووجهات نظرهم الأيديولوجية. جديرٌ بالذكر أن المشاركين لم يكونوا أتباعَ الدادائية فحسب، بل إنهم دعَوْا «شهودًا» لحضور الحدث، وتراوح الشهود ما بين الروائية القومية راشيلد وجورج بيوش، وهو الشيوعي الذي دافَعَ عن المجرمين السياسيين في المحاكم. عُقِد الاجتماع في بنايات سبق أن استخدَمَها نادي فوبورج، وهو عبارة عن جمعية لتطوير الخطابة الارتجالية تأسَّسَتْ خلال الثورة الفرنسية، ودُعِيَ للاجتماع لفيفٌ من الشخصيات العامة البارزة لمناقشة الأمور السياسية قبل إقامة تلك المحاكمة البوهيمية. (في مرة من المرات، حرَّضَ اجتماعٌ للنادي على الهجوم على سجن الباستيل.)
آمَنَ بريتون وزملاؤه «القضاة» بأن بارس — الذي أُعجِب به تحديدًا أراجون ذات مرة — خان التزامه نحو الضمير الفردي الواضح في رواياته في ثمانينيات وتسعينيات القرن الثامن عشر؛ وبذلك فقد استسلم إلى التحوُّل إلى اليمين في السياسة الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى؛ ولذا استغلَّ بريتون المحفلَ الدادائي لا للتشتيت ولكن للتمحيص في مجموعة متجانسة من الأفكار، ولو أنها أفكار تعدَّتْ بشدة على الاهتمام الوليد للجماعة السريالية بحقوق الهجرة. كان هذا الحدث أيضًا تمرينًا على السياسة الثقافية. ومما أثار ازدراء تريستان تزارا، الذي أُصِيب بالذعر من أن الدادائية يمكن أن تتبنَّى موقفًا انتقاديًّا؛ أنَّ بريتون يمهِّد للانتقال إلى برنامج طليعي متكامل، وهي العملية التي ستُفضي في نهاية المطاف إلى انعقاد «مؤتمر باريس»، السالف ذكره في الفصل الأول، ومنه إلى السريالية.

شكل ٢-٢: صورة فوتوغرافية للمحاكمة الصورية لموريس بارس في ١٣ مايو ١٩٢١. من اليسار إلى اليمين: لويس أراجون، شخص مجهول الهوية، أندريه بريتون، تريستان تزارا، فيليب سوبو، ثيودور فرانكل، الدمية التي تمثِّل بارس، جورج ريبيمون-دوسينييه، بنجامين بيريه، وغيرهم من رفاقهم في الدادائية.
إذا كانت «المحاكمة الصورية» السريالية البدائية ترتبط بعلاقة متنافرة بعفوية كباريه فولتير الدادائي، فثمة حدث أكثر حداثةً، وهو هذه المرة مَعْرَض للحركة السريالية المتكاملة الأركان، يقدِّم لنا تباينًا صارخًا مع معرض الدادائية الذي أُقِيم في برلين. إجمالًا، كانت تجهيزات المعارض تقليديةً إلى حدٍّ كبير في السنوات الأولى للسريالية، ولم تشرع الجماعة في تجربة تصميم المعرض كما فعل الدادائيون، إلا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر — إلى حدٍّ كبير بغيةَ استعراضِ دوليَّةِ الحركة. وكان المعرض الدولي للسريالية، الذي عُقِدَ في معرض جورج ويلدينشتاين للفنون الجميلة بباريس عام ١٩٣٨، نقطةَ تحوُّل محورية.
الْتَمس بريتون مواهب الدادائي السابق مارسيل دوشامب لتجهير هذا المعرض، وأصدر دوشامب أوامره بتعليق ١٢٠٠ كيس من الفحم المغبر المحشوِّ بالصحف بشكل مشئوم، أعلى المساحة الرئيسية للمعرض التي أُضِيئت بواسطة مبخرة مشتعلة فحسب؛ ومن ثَمَّ كان من الصعب رؤية الأعمال المعروضة، وفي الافتتاح تمَّ تزويد الزائرين بمصابيح كاشفة. وعزَّزَ من الجانب الليلي لمساحة العرض وجودُ سريرين ضخمين؛ كل واحدٍ منهما في زاويةٍ من زوايا القاعة.
كانت هناك نقاط مضيئة دراماتيكية أخرى؛ ففي فناء البناية، استطاع الزائرون أن يختلسوا النظرَ إلى عمل سلفادور دالي «سيارة أجرة مطيرة»، ليجدوا أمام أعينهم تمثالَ عرضِ أزياء على هيئة أنثى شبه عارية تعجُّ بالحلزونات، وتستقر على المقعد الخلفي في شلال من الماء. وعندما يدلف الزائرون إلى المعرض، يُضطَرُّون إلى المشي بطول «شارع تماثيل عرض الأزياء»، ومن ثَمَّ يُسمَح لهم افتراضيًّا «بالاختيار» من بين ١٦ تمثالَ عرضِ أزياء، كلٌّ منها يرتدي زيًّا مثيرًا جنسيًّا، يُفهَم منه أنها ﻟ «بائعات هوًى»، وأن كلًّا منها نتاجُ خيالاتِ فنان سريالي مختلف.

شكل ٢-٣: عرض لتجهيزات المعرض الدولي للسريالية بمعرض الفنون الجميلة بباريس، ١٩٣٨.
تتباين هذه المؤثرات تباينًا شاسعًا عن تلك التي استخدمها دادائيُّو برلين بمعرضهم. كلتا الجماعتين شرعتَا في بثِّ الاضطراب والتشويش، لكن السرياليين كانوا كما هو واضح معنيِّين بإغراءات فانتازيا اللاوعي بدلًا من الصدمات المادية التي يفضِّلها الدادائيون. من الواضح أن الأحلام كانت تستدعيها الزخارف الليلية للقاعة الرئيسية للمعرض المقام عام ١٩٣٨، بينما استثار «شارع تماثيل عرض الأزياء» حلمَ يقظةٍ مثيرًا جنسيًّا بطريقة غريبة على الغرائز الساخرة الدادائية. وشأنهم شأن الدادائيين، استغلَّ السرياليون ديكورَ المعرض كوسيلةٍ لاستقطاب الدعاية، لكن انشغالهم بعالم الأزياء تجاوَزَ إلى حدٍّ كبير انشغالَ أسلافهم؛ فقد استُعِيرت تماثيلُ عرض الأزياء مثلًا من بيوت أزياء رائدة، ولم يكن من قَبِيل المصادفة أن شرع سلفادور دالي في التعاون مع إلسا شياباريللي في العام السابق فيما يختص بتصميم الأزياء. وفي الوقت الذي سخر فيه الدادائيون من التجارة بمعرض الدادائية، يمكننا أن نرى أن السرياليين متواطئون معها نوعًا ما. وباعتراف الجميع، ارتبط ذلك ارتباطًا وطيدًا بالشكل الدولي الذي كانوا مصرِّين على ترسيخه؛ حيث أُقيم معرضان سرياليان دوليان في براغ ولندن عامَيْ ١٩٣٥ و١٩٣٦ على الترتيب؛ وحقيقة الأمر أن معرض الدادائية ببرلين يكاد يبدو ضيق الأفق بالمقارَنة. ولكنْ، إلى حدٍّ ما، خاطَرَ السرياليون «ببيع» منتجاتهم للعالَم التجاري. لو كانت «المحاكمة الصورية» التي عُقِدت عام ١٩٢١ استعراضًا للحزم الأيديولوجي للجماعة، فقد كشف المعرض الذي أُقيم عام ١٩٣٨ كيف أن نزعته إلى الدعاية يمكن أن تهدِّد آراءَها السياسية، وستظهر هذه الفكرة مجددًا لاحقًا.
أن تكون دادائيًّا، وأن تكون سرياليًّا
إلى الآن، استعرضنا الأحداث، فلنتحوَّلْ بعد ذلك إلى الأشخاص أنفسهم. لو أن المبادئ الدادائية والسريالية رُوِّجَت بأقوى نزعة استراتيجية ممكنة في عروضهم ومعارضهم، وغالبًا مع الوضع في الاعتبار الممارسات التجارية، فإلى أي مدًى انصبَّ تركيز شعراء وفنَّاني الحركتين على بناء السمعة الشخصية؟ علامَ كان ينطوي كوْنُ المرء دادائيًّا أو سرياليًّا؟
إننا نَمِيل بشكل عام للنظر إلى الدادائية والسريالية باعتبارهما مترادفتين تسلكان سلوكًا عجيبًا، وهناك العديد من الأمثلة داخل الدادائية تحديدًا تدعم هذه الفكرة، ولعل أقوى الروايات تلك المتعلِّقةُ بآرثر كرافان. وُلِد كرافان في سويسرا عام ١٨٨٧، وكان ابن أخت أوسكار وايلد، وعاش عيشة الترحال في العديد من الأماكن الأوروبية. في باريس، بين عامَيْ ١٩١٢ و١٩١٥، نشر مجلةً أدبية فاحشة بعنوان «الآن»، وكرَّسها لإهانة أعضاء حركة الطليعية الفنية، وبحلول عام ١٩١٦، ارتحل إلى برشلونة حيث تحدَّى بطلَ العالم في الملاكمة في الوزن الثقيل جاك جونسون للقتال. كان كرافان ببنيته القوية ملاكمًا هاويًا، واعتاد أن يُعلِن عن نفسه قبل اشتباكاته بقائمةٍ لا يصدِّقها عقلٌ من بيانات الاعتماد على غرار: «لص الفنادق، والداهية، والحاوي، والسائق»، وغير ذلك من الأسماء؛ وأيًّا كانت مؤهلاته، لم يكن أهلًا لجونسون الذي أطاح به في الجولة السادسة. ومن غير المدهش أن الدادائي فرانسيس بيكابيا، الذي كان بصدد نشر دوريته «٣٩١» أثناء تجواله في برشلونة، أمسى مؤيِّدًا متحمِّسًا لكرافان. وعندما ظهر كرافان عام ١٩١٧ في أمريكا، طلب إليه مارسيل دوشامب أن يُلقي محاضرةً أمام «جمعية الفنانين المستقلين» (التي سنتناولها بإسهاب لاحقًا). قدَّمَ كرافان عرضًا دادائيًّا ملائمًا؛ حيث وصل سكران، وخَلَع ملابسه، وأخيرًا اعتقلتْه شرطة نيويورك، بعد ذلك اختفَى كليًّا عام ١٩١٨، وساقَتْه شهوةُ حبِّ السفر والتجوال إلى المكسيك؛ حيث من المعتقَد أنه انطلق في قارب تجديف إلى بوينس آيريس، ولم يَرَه أحد بعدها قطُّ.
إن إقدام كرافان على ارتكاب شكل رمزي من أشكال الانتحار الدادائي من عدمه، يظل أمرًا مفتوحًا للنقاش، لكنَّ ازدراءَه للتقاليد ضَمِنَ له الشهرةَ الباقية. ومن هذا المنطلق، فإنه يجسِّد المعتقَدَ الدادائي بأن أسلوب حياة المرء يمكن بحد ذاته أن يكون بمنزلة فئة من فئات الدادائية. من بين الخصال الدادائية الجوهرية في شخصية كرافان ولعُه بالهوِيَّات الزائفة (كلص الفندق، وما إلى ذلك)، وكثيرًا ما ابتكر المشاركون في الحركة أسماءً مستعارة لأنفسهم؛ ففي برلين، عُرِف ريتشاد هيولسنبك ﺑ «الدادائي العالمي»، وراءول هاوسمَن باسم «دادازوف»، وأطلق يوهانس بادر على نفسه اسم «الدادائي الخارق». طوَّرَ بادر بشكل عارض نزعتَه المتَّسِمة بجنون العظمة إلى ذروة ساخرة تنافس كرافان من حيث تبجُّحه المحض؛ ففي فبراير ١٩١٩، بعد أن أعلن نفسَه في السابق «رئيسًا للكرة الأرضية» في بيان دادائي، عطَّلَ الاجتماعَ الافتتاحي للجمعية الوطنية في فايمار، حيث طالَبَ بتسليم الحكومة إلى الدادائيين. وفي مكان أبعد، أمسى ماكس إرنست في كولونيا «داداماكس»، بينما طلب دوشامب في نيويورك من مان راي تصويرَه فوتوغرافيًّا وهو يرتدي ملابس نسائية عصرية، مجسِّدًا شخصيةَ روز سيلافي الغامضة، في تَوْرِيةٍ تفتقر إلى الجانب الفني عمدًا إذا نُطِق الاسمُ بالفرنسية؛ حيث يعني «إيروس هذه هي الحياة».
بابتكارهم شخوصًا بديلة، ألمح الدادائيون إلى أن الهوِيَّة ليست ثابتةً، وأنها في حالة تقلُّب باستمرار؛ لقد شكَّكوا ضمنًا في فكرة أن الشخصية البشرية ذات جوهر ثابت أو «طبيعة بشرية» جوهرية، وهي الفكرة التي تُعَدُّ في حدِّ ذاتها جزءًا من الأيديولوجية البرجوازية، وامتدت هذه الفكرة بقدْرٍ أكبر في التقلُّبات الجنسية لدوشامب، بحيث أُلقِي بظلال الشك على فكرة أن الهوِيَّة الجنسية يحدِّدها علمُ البيولوجيا. وفي سياق نقاشنا المتعلِّق ﺑ «صورة» الفنان، يوحي ذلك بأن الصورة المحكمة أو المحدودة كانت تحديدًا شيئًا يتفاداه الدادائيون؛ ولذا فقد أُعجِبوا بالمواقف الاجتماعية الفاضحة لشخصيةٍ مثل كرافان. وكما تجلَّى لنا من معرض الدادائية ببرلين، يتضح أنهم كانوا متأرجحين حيال هوس العصر الحديث بالدعاية والعروض العامة؛ حيث أيَّدوها وقلَّلوا من شأنها في آنٍ واحد.
وبالالتفات إلى الشخصيات العامة للفنانين السرياليين، فمن المدهش — ما إذا نظرنا إلى الانشغالات التحليلية النفسية للحركة — أن الهوِيَّات البديلة كانت مُتبنَّاة على نطاق أضيق. كانت الشخصية البديلة لماكس إرنست «الطائر الفائق» لوبلوب استثناءً واضحًا. لقد فضَّلَ الفنانون عمومًا الاستعراضَ الخارجي على الإذعان، وامتدَّ ذلك إلى إعادة توكيدٍ لقواعد السلوك الراقية المتأنِّقة لأواخر القرن التاسع عشر، التي كان يُعتبَر الاستعراضُ المفرط بموجبها بذيئًا. ارتدى العديد من السرياليين الروَّاد النظارةَ المتأنِّقة المخصَّصة لعين واحدة (وكذا الكثير من الدادائيين)، بينما كبَتَ الرسَّام البلجيكي ماجريت علانيةً أيَّ دلالة على نفسه واسعة الخيال بتبنِّيه القبعةَ المستديرة السوداء وشمسيةَ نبلاء المدينة. وعندما انغمس السرياليون في افتنانهم بالملابس الفاخرة أو التحوُّلات المُثيرة للاضطراب للهوِيَّة، فعلوا ذلك عادةً في السياق المقبول اجتماعيًّا للحفلات التنكُّرية للطبقات الأرستقراطية. وهناك بعض الصور الفوتوغرافية التي لا تُنسَى لماكس إرنست، على سبيل المثال، وهو متقمِّص شخصية لوبلوب في محفل عام ١٩٥٨؛ وكان سلفادور دالي الاستثناء الواضح لهذه القاعدة.
إن حبَّ الظهور الصارخ لدالي — الممثَّل رمزيًّا بشاربه المعقوف الذائع الصيت — سيئُ السمعة، ولكن ظاهرة دالي تستدعي المزيدَ من العناية تحديدًا؛ لأن طُلَّاب الحداثة يجدون ترويجَ الفنان لذاته أمرًا مزعجًا جدًّا. لقد مثَّلَ دالي صعوبات للسرياليين أنفسهم، وكان يَحظَى بقبول أندريه بريتون الكامل فحسب خلال فترة ما بين عامَيْ ١٩٢٩ و١٩٣٤، وبعدها تميَّزَتِ العلاقة بين الاثنين بالجفاء إلى حدٍّ كبير؛ فقد استهان دالي بالبروتوكولات الأيديولوجية للسريالية؛ وبمرور ثلاثينيات القرن العشرين، أيَّدَ دالي المشاعر الملكية والفاشية على حدٍّ سواء. نما لديه أيضًا ولع فطري بالفن الهابط؛ حيث أمسى منبهرًا بالتجليات الأكثر تجاوزًا للفن الحديث، وكتب مقالةً مبتكرةً في الدورية السريالية «المينوتور» عام ١٩٣٣ عن المصنوعات الحديدية الفنية الشبيهة بالنباتات اللولبية لمداخل هيكتور جومرد لمترو باريس. صُمِّمَت لوحاته الصاخبة الألوان المُنَفَّذَة باستعراض من البداية بحيث تكون معاديةً للجمالية، ووصفها بأنها «تصوير فوتوغرافي بألوان لحظية أنجزَتْه يدُ المصوِّر الرقيقةُ والمسرفة … والفائقة التصوير واللدونة والمضلِّلة والمفرِطة السوء والواهنة للاعقلانية الملموسة.»
إن هوسَ دالي المستمر بنفسه، وعشْقَه لكلِّ ما هو غيرُ لائق سياسيًّا وغامضٌ بشكل جمالي؛ يمكن أن يُنظَر إليه كقرار مقصود بأن يلعب دورَ السوقي في عينَيْ أندريه بريتون. وقد حدث أن أعاد السريالي الرائد بريتون ترتيبَ أحرفِ اسمِ دالي فأصبح «أفيدا دولارز» (بمعنى «الساعي وراء المال»)؛ حيث أظهر دالي في المرحلة اللاحقة كل الدوافع التجارية التي أنكرتْها السرياليةُ الرسمية. ومع ذلك، كما أوحينا أعلاه، بحلول عروضها العامة أواخرَ الثلاثينيات، أمسَتِ السريالية مرتبطةً بالرأسمالية، ولو بشكل غير مريح، وأقرَّ دالي ببساطة بتلك الحقيقة. لم يستحيِ السرياليون أيضًا من إدراك قيمة دالي كوسيلة للدعاية والإعلان، ومن ثَمَّ جاء حضوره لمعرض عام ١٩٣٨، في الوقت الذي كان فيه يفقد حظوتَه لديهم رسميًّا. لقد كانت عبقريةُ دالي في الذوق السيئ هي التي استخلصَتْ من جورج أورويل واحدًا من ردود الأفعال الأدبية القليلة تجاه السريالية خلال الثلاثينيات. وعلى الرغم من أن أورويل قرَّرَ أن دالي كان «مُعاديًا للمجتمع معاداةَ البرغوث له»، وأن أعماله «مريضةٌ وباعثةٌ على الاشمئزاز»، فإن أورويل انشغل بالتحدي الأخلاقي لتلك الأعمال باعتبارها شكلًا من أشكال الفن. ويجوز أن نستنبط من ذلك أن دالي وحده من بين السرياليين صاغ لنفسه صورةً عامةً تتَّسِق مع معايير الدادائية الخاصة باللاعقلانية.
انتشار فكر دوشامب: مراجعات الدادائية
درسنا كيف عَمَدَ الدادائيون والسرياليون بمثابرةٍ إلى تطوير سمعتهم، ولكن كيف أمست تلك السمعة راسخةً تحديدًا؟ على أي حال، كان جمهور الفن الطليعي آنذاك محدودًا. في نهاية دورة حياة أول دورية سريالية — كانت تُعرَف باسم «الثورة السريالية»، واستمرت لخمس سنوات — بلغ عدد المشتركين فيها ألفَ مشترك فحسب، وكان من المستحيل أن يكون جمهورُ السريالية أكبرَ بكثير.
في حالة دالي، انتشرَتْ أنباءُ أنشطته غير العادية بسرعة؛ ففي المعرض الدولي للسريالية بلندن عام ١٩٣٦ على سبيل المثال، ارتدى دالي لباسًا لغوَّاصي أعماق البحار، فلفت انتباه الكثيرين، لكن السمعة تُبنَى غالبًا بسُبُل أكثر دهاءً. يُعَدُّ اسم دوشامب مرادفًا لبعض الأعمال المتمردة للدادائية والسريالية، وعلى الرغم من ذلك فإن الرجل نفسه كان عاشقًا للخصوصية وغامضًا (عن عمد)؛ كيف إذن أمست طائفةُ دوشامب راسخةً؟
ثمة رواية مختصرة وردَتْ عن إنكار مَبْوَلة دوشامب ورفضها بمعرض الفنانين المستقلين بنيويورك في أبريل عام ١٩١٧. بعد شهر من المعرض، ظهرت دورية دادائية بدائية صغيرة بعنوان «الأعمى»، واحتوت على صورة فوتوغرافية للغرض المثير للحفيظة، ومقالة موجزة لكاتب مجهول، تتبنَّى أسلوبًا غاضبًا زائفًا، استجابةً لإنكار المَبْوَلة ودفاعًا ضد تهمة انتحال الملكية المفترضة:
ليس من المهم معرفة ما إذا كان السيد مات قد صنع النافورة بيديه أم لا، المهم أنه اختارها؛ فقد اختار غرضًا حياتيًّا عاديًّا، ووضعه بحيث ذَوَتْ أهميتُه النافعة تحت العنوان الجديد ووجهة النظر الجديدة، وابتكَرَ فكرةً جديدة لذاك الغرض.
لا شك أن دوشامب كان وراء هذه المقالة — لعله أقنع إحدى صديقاته، ربما بياتريس وود، بكتابتها — ما دام أنها تقدِّم المبرِّرَ الفلسفي لأعماله الفنية «الجاهزة» (الأمر الذي سنسهب في مناقشته في الفصل الثالث). لكن السبب الأكثر إلحاحًا لهذه المقالة كان يكمن في إثارة الجدل الذي لم يكن ليُثار لولاها؛ فالأحداث الفعلية المحيطة بإنكار «النافورة» غير معلومة تقريبًا، وحتى الغرضُ الأصلي يبدو أنه قد اختفى في مرحلةٍ ما أثناء معرض الفنانين المستقلين. وسبب تحوُّله إلى أيقونة دادائية يرجع إلى الصورة الفوتوغرافية التي ظهرت بدورية «الأعمى» التي الْتقَطَها المصوِّرُ الحداثي ألفريد شتيجليتس (شكل ١-٢)، ولو أن دوشامب — في مرحلة لاحقة من حياته — طلب، بطريقة يشوبها الضيق، إنتاجَ «نُسَخٍ» من تلك الصورة.
كل ذلك يؤكِّد إلى أي مدًى كانت «النافورة» و«الفضيحة» التي ارتبطت بها شأنين مُدَبَّريْن. وفي الوقت نفسه، تسلِّط تلك الواقعةُ الضوءَ على فكرةٍ تستحق الآن أن تَحظَى بأهمية محورية؛ ألَا وهي الطريقةُ التي كانت تعمل بها المنشوراتُ الدادائية والسريالية.
كانت دورية «الأعمى» واحدةً من أوائل سيلٍ مفاجئٍ من الدوريات التي نشرها الدادائيون في المواقع المختلفة للحركة، والأرجح أن أكثر تلك الدوريات وأوسعها أثرًا، وأطولها عمرًا، هي دورية فرانسيس بيكابيا «٣٩١»، التي نشرها بشكل متقطِّع خلال فترة ما بين عامَيْ ١٩١٧ و١٩٢٤، من أي مكان صادَفَ أنْ كان فيه، سواء أكان برشلونة أم نيويورك أم باريس. أوحى اسم الدورية بنوع من التطوُّر الثوري من مجلة المصوِّر الأمريكي ألفريد شتيجليتس السابقة والمسمَّاة «٢٩١»، والتي سُمِّيت بهذا الاسم تيمُّنًا بعنوان معرضه بالشارع الخامس في نيويورك.
في عدد صدر عام ١٩٢٠ من دورية «٣٩١»، أسهم بيكابيا بقدر أكبر في نشر أسطورة دوشامب؛ فقد انتقى موناليزا دوشامب المستفِزَّة المناوِئة للفن، وهي اللوحة «الجاهزة الصنع» التي استعرضها عام ١٩١٩، وهي عبارة عن موناليزا مطبوعة ومضاف إليها شارب ولحية، ونسخها بيكابيا (دون اللحية التي من الواضح أنه غفل عنها) فأمست قريبة الشبه جدًّا بنسخةٍ للوحةٍ من لوحاته الخاصة قوامها حبر مرشوش، وعنوانها «العذراء المقدسة»، وبذلك تأكَّدَتْ سمعة العملَيْن السيئة. وفي أكتوبر عام ١٩٢٢، في صفحات مجلة دادائية أخرى تُعرَف باسم «الأدب»، وهي لسان جماعة باريس، عزَّزَتْ من أسطورة دوشامب مقالةٌ رئيسية أخرى عنه بقلم أندريه بريتون؛ وهنا أعطى بريتون دفعةً لمفهوم دوشامب الذهني الأكثر عنايةً باللفتات والإيحاءات من خلق أعمال فنية، الأمر الذي من شأنه أن يؤمِّن له سمعتَه بين أعضاء الجماعة السريالية الوليدة: «هل يُحتمَل أن مارسيل دوشامب يصل إلى النقطة الحَرِجة للأفكار أسرع من غيره؟»
من الواضح أن أسطورة دوشامب بُنِيت من خلال المجلات والصور الغامضة بقدر ما استندت إلى عرض إنتاجه الشحيح نسبيًّا؛ فهو لم يُقِم معرضًا مناسبًا لأعماله وحدها سوى معرضه الاستعادي عام ١٩٦٣. وحتى سمعة أعظم أعماله «عروس جرَّدها عزابها من ثيابها» اعتمدت في تشكُّلها على توصيفات تقديرية وتعليقات عارضة في الدوريات السريالية، وأبرزها مقالة بريتون «منارة العروس» المنشورة بالدورية السريالية «المينوتور» عام ١٩٣٤-١٩٣٥، بدلًا من أن تعول على مشاهدة الجمهور للعمل الفني فعلًا. إن مسألةَ كيفية تخطيط دوشامب نفسه لبناء سمعته مدهشةٌ، ولكن لا يَسَعنا مناقشتها هنا، ومن الواضح أن بنية النشر التحتية للدادائية بذلت أغلبَ الجهود نيابةً عنه. ولكن، من الضروري الآن أن نتعقب طريقة عمل الدوريات من السياق الدادائي وصولًا للسياق السريالي لاستكشاف نقاط الاتصال وأوجه الاختلاف بقدر أكبر بين الحركتين. لقد كانت للدوريات أهمية أكبر للسريالية من الدادائية؛ وبالمثل، إذا كان التصوير الفوتوغرافي قد لعب دورًا مهمًّا في الترويج لدوشامب، كما رأينا في حالة «النافورة»، فقد أمسى أداةً محوريةً مطلقًا في المنشورات السريالية.
إهانة رجال الدين في الشارع وفرص التصوير الفوتوغرافي الأخرى: المراجعات السريالية
تحوي نسخة من الدورية السريالية «الثورة السريالية» الصادرة في ديسمبر ١٩٢٦ صورةً فوتوغرافيةً حميدة في ظاهرها لحوار بين شخصين، وثمة تعليق جذَّاب مطبوع تحتها «زميلنا بنجامين بيريه وهو بصدد إهانة رجل دين» (شكل ٢-٤).

شكل ٢-٤: «زميلنا بنجامين بيريه وهو بصدد إهانة رجل دين.» نُسِخت الصورة في دورية «الثورة السريالية»، العدد الثامن (ديسمبر، ١٩٢٦).
تبدو الصورة وثيقة فوتوغرافية عارضة وجامدة، لكنها محاطة بقصائد للشاعر السريالي بنجامين بيريه، تسخر واحدة منها من «مؤتمر شيكاجو القرباني» الذي «يسارع فيه الجميع نحو الفضلات الإلهية والبصاق المقدس.» والجلي أن الصورة، بدلًا من أن تكون لقطة عابرة، تمثِّل مشهدًا مفصلًا الغرضُ منه تعزيزُ الرسالة التجديفية للقصيدة. والحقيقة أنها تسجل ضربًا من «الحدث الأدائي»؛ فمن الواضح أن ثمة صديقًا لبيريه على مقربة منه لتصوير تصرُّفه.
وهذا مثال جيد على الطريقة التي يتمُّ بها توظيف التصوير الفوتوغرافي في المجلات السريالية. كانت الدوريات الرئيسية المعنِيَّة هي: «الثورة السريالية» (١٩٢٤–١٩٢٩)، و«السريالية في خدمة الثورة» (١٩٣٠–١٩٣٣)، و«المينوتور» (١٩٣٣–١٩٣٩)، وإن كنتُ سأشير كذلك طوال هذا الكتاب إلى دورية «وثائق» (١٩٢٩-١٩٣٠) التي تُعَدُّ لسان السرياليين المُنشقِّين الذين أحاطوا بجورج باتاي. ترواحت ضروب الصور الفوتوغرافية التي وظَّفَتْها تلك الدوريات ما بين الصور الفوتوغرافية المُظهَرة في الاستوديو، التي يلتقطها مصوِّرون سرياليون أمثال مان راي أو جيه-إيه بويفارد، والصور المُستولَى عليها ببساطة من مصادر أخرى. كانت هذه الصور تُوضَع في سياق المقالات العلمية، والمقالات الأدبية، وروايات الأحلام، وما إلى ذلك، وكثيرًا ما كانت تتنافس على نيل الاهتمام مع النُّسَخ المطابقة للأصل من اللوحات السريالية. وكان تصميم المجلات أكثرَ جديةً من الدوريات الدادائية مثل دورية بيكابيا «٣٩١» التي جربت بِحُريَّة العديدَ من الخطوط الطباعية. والواقع أن النموذج الذي احتذت به دورية «الثورة» هو دورية «الطبيعة»، وهي دورية علمية جادة بالقرن التاسع عشر.



