📰 آخر الأخبار
توقع الربيع/كارين بوي-ترجمة:يوسف سامي اليوسفتهويمات/هيام الدرنجي - فلسطينمدينة بلا مطر/بدر شاكر السيابMeeting at Night by Robert Browningالساعة الخامسة وعشرون/إليسار عمراندوريس ليسينغ .. التجربة الإنسانية بين الفن والواقع /عصام البرّام3 Poems By Jasna Gugić-Croatiaأفضل أعمال آن كارسون/ميرف إمري-ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيمتفاصيل غبيَّة/محمود حمدون   تحولات ما بعد القص في سحر الواقع /اسامة غانمAraby by James JoyceDarkness / by Lord Byronريشةٌ على خدٍّ وجسدْ/ناهدة الحلبيالتحول الأنطولوجي لهوية الإنسان المعاصر في ظل المكان الشبكي/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربBombs the Size of Potatoes in a Cradle /Bahtiyar Hidayet - Azerbaijanما زلت انهض - قصيدة للشاعرة الامريكية مايا انجيلو/ترجمة سالم الياس مدالو أصعب من ضربة سيف/  بسام الطعانحين أعودُ إليَّ/ عارف عبد الرحمنقراءة في بَرُّ الوَالِدَيْنِ بَيْنَ القِيمَةِ الدِّينِيَّةِ وَالسُّلُوكِ الإِنْسَانِيِّ/أ.د. حمام محمد — الجزائر    بيرماسينز كاسيرن : قصيدة هايبون معاصرة للأمريكية روث هولزر-ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال القصة القصيرة/محمد عنانيHot and Cold Blood by F. Scott FitzgeraldA Canary for One by Ernest HemingwayWAITING 4 SPRING/Dominique de Groen-Belgiumما بين آيات الشغف وعتمة البوح - غسان عزيز
توقع الربيع/كارين بوي-ترجمة:يوسف سامي اليوسفتهويمات/هيام الدرنجي - فلسطينمدينة بلا مطر/بدر شاكر السيابMeeting at Night by Robert Browningالساعة الخامسة وعشرون/إليسار عمراندوريس ليسينغ .. التجربة الإنسانية بين الفن والواقع /عصام البرّام3 Poems By Jasna Gugić-Croatiaأفضل أعمال آن كارسون/ميرف إمري-ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيمتفاصيل غبيَّة/محمود حمدون   تحولات ما بعد القص في سحر الواقع /اسامة غانمAraby by James JoyceDarkness / by Lord Byronريشةٌ على خدٍّ وجسدْ/ناهدة الحلبيالتحول الأنطولوجي لهوية الإنسان المعاصر في ظل المكان الشبكي/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربBombs the Size of Potatoes in a Cradle /Bahtiyar Hidayet - Azerbaijanما زلت انهض - قصيدة للشاعرة الامريكية مايا انجيلو/ترجمة سالم الياس مدالو أصعب من ضربة سيف/  بسام الطعانحين أعودُ إليَّ/ عارف عبد الرحمنقراءة في بَرُّ الوَالِدَيْنِ بَيْنَ القِيمَةِ الدِّينِيَّةِ وَالسُّلُوكِ الإِنْسَانِيِّ/أ.د. حمام محمد — الجزائر    بيرماسينز كاسيرن : قصيدة هايبون معاصرة للأمريكية روث هولزر-ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال القصة القصيرة/محمد عنانيHot and Cold Blood by F. Scott FitzgeraldA Canary for One by Ernest HemingwayWAITING 4 SPRING/Dominique de Groen-Belgiumما بين آيات الشغف وعتمة البوح - غسان عزيز
أدب عالمي

«الحياة أفضل»: الترويج للدادائية والسريالية/ديفيد هوبكنز-ترجمة أحمد محمد الروبي

لقد أعلن السرياليون باستخدامهم أسلوبًا تقديميًّا «جافًّا» جَعَلَ أغراضًا كالصور الفوتوغرافية تَظهَر كأنها وثائق أو أدلة مادية؛ عن الْتِزامهم بمشروع استقصائي، ومحاولة منظمة للتمحيص في حظ الإنسان في مواجهة «مبدأ الواقع»؛ ولذا ينبغي أن تُفهَم الدوريات باعتبارها المكامنَ المميزة للأيديولوجية السريالية.

fig9

شكل ٢-٥: غلاف دورية «الثورة السريالية»، العدد الأول (١٩٢٤).

في حالة صورة بيريه، من الواضح أن الصورة ارتبطت بمناوأةِ السرياليين الشديدة للكاثوليكية؛ فكثير منهم نشأ بحسب تعاليم الدين، وعلاوةً على معارضة نزعته الأخلاقية، فقد أُصيبوا بالفزع بسبب الحلف الذي تشكَّل في أوائل العشرينيات بين أحزاب اليمين السياسي والمؤسسات الكاثوليكية في فرنسا، بدايةً تحت مظلة حكومة «كتلة وطنية»، ومن بعدها — تحديدًا منذ عام ١٩٢٤ — تحت لواء حلف حاكم بين الراديكاليين والاشتراكيين. ومما أثار حنقَهم أكثرَ من غيره التوجُّهُ المؤيد للكاثوليكية بين المفكرين الفرنسيين في منتصف عشرينيات القرن العشرين، وفيهم رموزٌ أمثال جان كوكتو. وموقفهم من هذا التوجُّه مُسجَّلٌ في صورة على غلاف عدد يونيو ١٩٢٦ من دورية «الثورة السريالية»، وفيها يتجلَّى جمعٌ من الناس يتطلَّعون إلى السماء، وسُمِّيَت ﺑ «الهدايات الأخيرة». والواقع أن الصورة اقتُبِسَت من مصوِّر مغمور آنذاك ومشهور حاليًّا يُدعَى يوجين أتجيت، وهو متخصِّص في السجلات الوثائقية لباريس، «اكتشفه» مان راي في كبره إذ كان يعيش على مقربة منه. وكانت صورة أتجيت التي الْتُقطت عام ١٩١٢ ببساطة سجلًّا لخسوف، لكنَّ السرياليين، كما هي عادتهم، أعادوا استثمارَ الصورة بمعانيهم الخاصة.

من الواضح أن التصوير الفوتوغرافي أسلوبٌ وظَّفه السرياليون للتشديد على رسائل سياسية أو اجتماعية، وهناك حالة لافتة للنظر تحديدًا أُعِيد فيها تخصيصُ صورةٍ، ولكنها لم تكن حتى من مصدر معلوم؛ فكانت الصورة تتألَّف ببساطة من صورتين فوتوغرافيتين مجهولتين للشقيقتين بابين تُسمَّيان «قبل» و«بعد»، وأُعِيد نشرهما في دورية «السريالية في خدمة الثورة» في مايو ١٩٣٣.

لقد ارتكبَتِ الشقيقتان واحدة من أبشع الجرائم التي وقعت في أوائل الثلاثينيات بباريس وأكثرها إثارةً للجدل، وقد سرد نصٌّ نُشِرَ في الدورية السريالية نفسها، وتحديدًا في قسمٍ مخصَّصٍ ﻟ «القصص الإخبارية» أو الأخبار الغريبة، كيف نَمَتْ لدى هاتين الشابتين البرجوازيتين بشكل لا يداخله شك — بعد أن أودعَتْهما أمُّهما للخدمة ببيت من البيوت المحترمة بمدينة لومان — كراهيةٌ شديدة لربَّتَيْ عملهما، فانتهى بهما الأمر إلى قتلهما بدقة طقسية؛ حيث اقتلعتا أعينهما وهشَّمتا رأسَيْهما.

fig10

شكل ٢-٦: «الشقيقتان بابين: قبل وبعد»، من دورية «السريالية في خدمة الثورة»، العدد الخامس، (مايو ١٩٣٣).

على مستوًى واحد، ناظرَتِ الصورةُ المزدوجة للشقيقتين — التي سجَّلَتْ تحوُّلًا مذهلًا في ملامحهما — افتنانَ السرياليين ﺑ «الجمال الاختلاجي»؛ وهو ضرب من الصدمات الفعلية فيما يتعلَّق بالظواهر البصرية الاستثنائية. وعلى الرغم من ذلك، تعاطَفَ السرياليون أيضًا مع ردَّةِ الفعل العنيفة تجاهَ الاسترقاق الممثَّل في الفعل الذي أقدمَتْ عليه الشقيقتان. وإذ آمَنَ السرياليون بأن الأخلاق المقبولة عادةً ما تساعد في التستُّر على الجُبْن الأخلاقي، فقد وَقَّرُوا المجرمين في حالات أخرى؛ ففي العدد الأول نفسه من دورية «الثورة السريالية»، على سبيل المثال، وضعوا لقطاتٍ فوتوغرافيةً مُقرَّبة لأنفسهم حول صورة لجيرمين بريتون، اللاسلطوية التي اغتالت ماريوس بلاتو، قائد إحدى المنظمات اليمينية المتطرفة. وبهذا استدعت صورة الشقيقتين بابين نطاقًا كاملًا من المشاغل السريالية (وكذلك الدادائية) المرتكزة حول العلاقات بين الإجرام والأخلاق.

وإذ استخدم السرياليون الصورَ، إلى جوار النصوص، في دورياتهم، فقد أقاموا علاقة معقَّدة وساخرة بقضايا عصرهم، ويعزِّز ذلك بقدْرٍ أكبر النقطةَ التي مفادها أن السريالية — وبقدْر أكبر حتى من الدادائية — كانت منشغلةً بالحياة بأبعادها العامة والأخلاقية، بالقدْر الذي انشغلت فيه بالجماليات؛ ولكنْ لم يَرَ الدادائيون والسرياليون اهتماماتهم الاجتماعية محصورةً فحسب في البُعْد «الرسمي» للحياة العامة. وكما تجلَّى لنا من اهتمامِ السرياليين بالشقيقتين بابين، أو عبثِ الدادائيين الساخر بالتجارة، كانت هناك رغبة في الانخراط في الطيف الكامل للمعرفة والتمثيلات الاجتماعية. وعلى الرغم من أن أغلب الدادائيين والسرياليين انتسبوا إلى الطبقة الوسطى، فقد كان لديهم افتنانٌ شديدٌ بثقافة العامة، أو بما يُشتهَر في فرنسا باسم «الشعبي».

مُتَع شعبية

في واحدة من أروع وأعمق المقالات التي كُتِبَت عن السريالية، طرح الكاتب الألماني الماركسي والتر بنيامين السؤالَ التالي: «ما الشكل الذي تقترح أن تتَّخِذَه الحياةُ إذا حدَّدَتْه في لحظة فارقةٍ أنشودةٌ عامةٌ تجري على ألسنة الجميع؟» وإذ استدعى الناقد بذلك الإمكانات الثورية للمواد الثقافية المُفترض كونها «هابطةً»، فقد كان يعبِّر عن فكرة شائعة خلال أوائل الطليعية في القرن العشرين؛ فقد اعتنَتْ حركات كالتكعيبية بشدة بهدم التمايز ما بين الثقافة «الراقية» و«الهابطة»، الأمر الذي يتجلَّى، على سبيل المثال، في استحداث الرسام الفرنسي ليجيه أفكارًا دعائيةً متكررة في الرسم التكعيبي. لقد أَضْفَت الالتزاماتُ اليسارية لكلٍّ من الدادائية والسريالية انحرافًا معينًا لِلَفتاتهم التآزرية مع «الشعبي»، ولو أنه في بداية القرن العشرين كانت الثقافة العامة عادةً شيئًا مصنوعًا من أجل الشعب لا نابعًا من الشعب نفسه. فَهِم بنيامين التزامَهم بشاعرية «كل يوم» فهمًا شاملًا. وإذ ناقَشَ روايةَ أندريه بريتون المسمَّاة «ناديا» (١٩٢٨) — وهي تناقش العلاقة العاطفية التي ربطت بين الكاتب وصاحبة اسم الرواية — يكتب بنيامين:

بريتون وناديا هما الحبيبان اللذان يحوِّلان كلَّ شيء شعرنا به خلال رحلاتنا الحزينة بالقطار … خلال فتراتِ ما بعد الظهيرة الكئيبة، يومَ الأحد، في أحياء البلوريتاريا بالمدن الكبرى، في النظرة الأولى خلال النافذة المغبَّشة بفعل الأمطار، في شقة جديدة؛ إلى تجربة ثورية. إنهما ينتقلان بالقوى المهولة «للجو» المستتر في تلك الأشياء إلى درجة الانفجار.

في هذا القسم وفي القسم التالي له، أودُّ أن أرسم الخطوطَ العريضة لبعض السُّبُل التي من خلالها ارتبَطَ بها السرياليون، والدادائيون من قبلهم، بكلِّ ما هو «يومي»؛ وبذلك ستتحوَّل المناقشة في هذا الفصل من الطريقة التي أدرجَتْ بها الدادائيةُ والسريالية رسائلهما في العالم الاجتماعي، إلى الدرجة التي يتشبَّع بها إنتاجُهم وأسلوبُ حياتهم بهذا العالم.

بدايةً من الدادائية، سنَجِد الكثيرَ من الأمثلة لفنانين يستخدمون تحديدًا اصطلاحات دارجة للتقليل من شأن «فنية» إبداعاتهم؛ ومن ثَمَّ تُوظِّف لوحةُ بيكابيا «صورة فتاة أمريكية في حالة عري» (شكل ٢-٧) أسلوبًا من الصور التجارية موجودًا في الإعلانات الرخيصة أو الأدلة التجارية المصورة. لقد تكلمتُ بالفعل عن الدادائيين وسخريتهم من العالم التجاري، ويمكن التشديد على ذلك بحقيقة أن كلمة «دادا»، بعيدًا عن أي اشتقاق معجمي (انظر الفصل الأول)، استخدَمَتْها شركةٌ من شركات زيوريخ، وتُعرَف باسم بيرجمان آند كو، قبل ظهور الدادائية، للإعلان عن مستحضرات تجميل. لكن أفضل طريقة للتدليل على محاكاة الدادائية للثقافة الشعبية تكمن في النظر إلى مثال آخَر لدوريةٍ دادائيةٍ، وأصدرَتْها هذه المرة مجموعةُ برلين بعنوان «كل إنسان كرته الخاصة» في فبراير ١٩١٩، بغلافٍ يحمل واحدًا من أوائل أمثلة التجميع الصوري الدادائي لجون هارتفيلد.

على العكس من دوريات الدادائية الأخرى ببرلين — مثل «الدادائية» حيث تمَّ توظيفُ العديد من الخطوط الطباعية والتصاميم المتعدِّدة الاتجاهات — يعمل التصميم في هذه الدورية كمونولوج على مخطط تقليدي. وما وراء ذلك، كما هو حال دادائية برلين عامةً، من المهم أن يُقِيم المرءُ وزنًا للخلفية السياسية للمونولوج. وخرجت الدورية، التي تُعتبَر واحدة من سلسلةٍ من الدوريات التي أنتجها فصيل هارتفيلد-هيرتسفيلده-جروتس الشيوعي المتحمِّس التابع لدادائية برلين، بعد أسابيع قلائل من قمع الثورة الشيوعية في برلين بقيادة الثائرَيْن كارل ليبكنيشت وروزا لوكسمبورج، قمعًا وحشيًّا على يد الفيلق الحر المؤتمِر بأمر وزير الدفاع جوستاف نوسكه.

fig12

شكل ٢-٨: «كل إنسان كرته الخاصة»، غلاف دورية، إصدار وحيد (١٥ فبراير ١٩١٩).

يهاجم الغلاف ببراعة الحزبَ الاشتراكي الحاكم الجديد؛ حيث اصطفَّتْ رءوسُ رموزِ الحزب والمروِّجين له، وفيهم نوسكه، حول مروحة دوَّارة وأعلاهم طُرِح السؤال التالي: «مسابقة وجائزة: مَن منهم الأجمل؟» هذه إشارة مباشِرة إلى المسابقات ذات الجوائز المعروضة على تصاميم الإعلانات التي كانت الأحزاب السياسية تضعها في الصحف. سبقت الصورة عن عمد أيضًا مقالةً لشقيق هارتفيلد، ويُدعَى فيلاند هيرتسفيلده، يتساءَلَ فيها حول ما إذا كان بالإمكان اعتبار الانتخابات التي فاز بها الحزب الشيوعي ديمقراطيةً، وخاصةً بالنظر إلى حقيقة أن دعاياته الانتخابية موَّلها أناسٌ ذوو مصالح مؤيِّدة للحزب الشيوعي. يتلاعب التصميم ككلٍّ إذن بالدعاية الجماهيرية، وينتقد دورَها في اختلاق الموافقة السياسية. لقد كان التجميع الصوري للرجل المرتدي قبعةً سوداء مستديرة إلى جوار عنوان الدورية — الذي يرجع أيضًا لهارتفيلد — تعزيزًا بصريًّا بالتبعية للنصيحة المدمجة في العنوان، التي مفادها ألَّا يسمح الإنسانُ لنفسه بأن يتحكَّمَ فيه الآخَرون، بل يتحكَّم هو في نفسه.

والْتماسًا للتوازن، يمكن القول بأن تصميم غلاف هارتفيلد ينتقد الثقافةَ الشعبية — وتحديدًا في هذه الحالة الدعاية السياسية — بدلًا من أن يؤكِّدَها. ومرة أخرى، يرسِّخ ذلك التباينَ بين الدادائية والسريالية؛ لأن السرياليين عادةً ما يغرسون توجُّهًا احتفاليًّا أكثر صراحةً تجاه الثقافة الشعبية؛ يتجسَّد ذلك في موقفهم من شخصية «فانتوماس»، وهي الشخصية الفرنسية المشهورة جدًّا في سلسلة «مذكرات البنس المرعب» التي نشرها فويارد، بدايةً من عام ١٩١١ وما بعده. كان السرياليون يُجِلُّون شخصيةَ فانتوماس الخيالية، وهو مجرم عتيد الإجرام شديد المراوغة، ارتكَبَ جرائمَ قتْلٍ مروِّعةً منتحِلًا العديدَ من الشخصيات، وأَجَلَّه السرياليون نظرًا لشخصيته الغامضة الخارجة على القانون. وفي الثالث من نوفمبر عام ١٩٣٣، قرأ الشاعر السريالي روبرت ديسنوس على الملأ قصيدتَه الملحمية «رثاء فانتوماس» في الإذاعة الفرنسية والبلجيكية، التي كدَّسَ فيها صورًا رهيبة أغلبُها مستوحًى من أغلفة كتب فانتوماس: فانتوماس يرتدي قبعة عالية سوداء، وتتدلَّى منه ذيول، ويحوم بشكل منذِر بالسوء والعاقبة الوخيمة فوق أسطح بيوت باريس، بندولات صافقة بشرية من أولها إلى آخِرها داخل جرس عملاق، والدم يتدفق لأسفل منها وكذلك المجوهرات … وما إلى ذلك. وبالمِثْل، قدَّمَ الرسَّام البلجيكي رينيه ماجريت — الذي تدين واقعيتُه التصويرية المتكلفة عمدًا بالكثير للصور المشهورة (مثل أغلفة مجلات نيك كارتر البوليسية) — فروضَ الطاعة والولاء صراحةً إلى نُسَخ فيلم فانتوماس التي ظهرت بين عامَيْ ١٩١٣ و١٩١٤، وأخرَجَها لويس فيولاد. واستُخلِصت واحدة من أشهر صور ماجريت، وتُعرَف باسم «السَّفَّاح المقتول» (١٩٢٧)، من الناحية التكوينية، من لقطة لإحدى تلك النسخ.

إن ما أبهر السرياليين هو الطريقة التي استحضرَتْ بها مآثرُ فانتوماس أسطورةً مدنية حديثة تتفق مع الاحتياجات التخيُّلية لآلاف الباريسيين. وإذ افتُتِن السرياليون بالحياة اللاواعية للثقافة الشعبية، فقد تبنَّوْا التمثيلات الشعبية بدرجة أقل من الانتقاد مقارَنةً بالدادائيين؛ ولكنَّ المدينة بحد ذاتها كانت، أكثر من أي شيء، هي التي صنعوا منها أسطورةً، وتستدعي هذه الفكرة المهمة الآن مناقَشةً جديدة.

المدينة

إذا كنَّا بصدد البحث عن صور قوية للمدينة الحديثة، فسنجد أن لوحات وصور جورج جروتس المنتسبة إلى حقبة دادائية برلين تمثِّل خيارًا واضحًا؛ فقد صوَّرَ جروتس — الذي نَمَتْ لديه رؤيةٌ تشاؤمية بشكل حادٍّ للطبيعة البشرية بينما كان يخدم في الجيش الألماني خلال عامَيْ ١٩١٤ و١٩١٥ — المدينةَ كدوَّامةٍ جهنميةٍ من القوى الجامحة. وفي خطابٍ كتبه عن لوحته «مهداة إلى أوسكار بانيتسا» (١٩١٧-١٩١٨)، وصَفَ «أعدادًا غفيرةً من الوحوش البشرية الممسوسة»، مضيفًا: «إنني مقتنع تمامًا بأن هذا العصر يبحر بنا إلى دماره؛ فردوسنا الملوثة … فكِّروا فحسب: أينما تخطوا تفوح رائحة العفن.» وفي لوحاته اللاذعة بشكل حادٍّ، التي ظهرت في منشورات دادائيةِ برلين مثل «مفلس!»، أو ظهرت على هيئة صور بطريقة الطباعة الحجرية في ملفات نشرَتْها دارُ نشر ماليك فيرلاج المملوكة لفيلاند هيرتسفيلده، صوَّرَ برلين خاضعة لهيمنة الذين انتفعوا من الحرب والذين عانَوْا ويلاتها؛ منتفعين منتفخين كبرياءَ، وكسيحين من جرَّاء الحرب يستحقون الشفقة. وحتى الأعمال الأخف وطأةً لجروتس، مثل لوحته «داوم تتزوَّج» (شكل ٢-٩) المرسومة بألوان الماء ممزوجة بتجميعات صُوَرية، والتي أشارَتْ نوعًا ما إلى زواجه عام ١٩٢٠؛ تستدعي صورةَ برلين وهي تعجُّ ببائعات الهوى والآليين، وثمة لمحة لشارع عديم الملامح في الخلفية.

إن رؤية جروتس الدادائية لبرلين تبعُد كثيرًا عن التمثيلات السريالية في باريس، وهي ليست بالحقيقة المفاجئة إذا نظرنا إلى الموقف فيما بعد الحرب العالمية في المدينتين. بالنسبة إلى السرياليين، كانت باريس مدينةَ وحْيٍ، واكتسبَتْ أماكنُ بعينها صفةَ المزارات الطليعية. في عام ١٩٢١، انطلق دادائيو باريس في رحلات قصيرة عجيبة لمناطق غير مبشرة مثل كنيسة سان جوليان لو بوفر. وباعتبارهم سرياليين، فقد بحثوا عن مواقع غريبة أو مُثيرة للمشاعر تحديدًا، وربما كان أكثر تلك المواقع إجلالًا «القصر المثالي» لساعي البريد شيفال الذي يبعد في واقع الأمر مسافةً عن باريس، ويقع في قرية أوتيريف بالقرب من ليون، وبناءً عليه فقد استدعى الوصولُ إليه شكلًا من أشكال الحج. أقام شيفال «قصره»، بهيكله المغطَّى بقشرة صلدة، والمتضخم بشكل لافت — والشبيه بقصر برايتون بافيليون إذا نظر إليه شخصٌ منتشٍ بالأفيون — بأحجار غير عادية جمَعَها على مدار ٣٣ سنة خلال جولاته كساعي بريد.

fig13

شكل ٢-٩: جورج جروتس، «داوم تتزوَّج إنسانَها الآلي المتحذلق «جورج» في مايو ١٩٢٠. جون هارتفيلد راضٍ جدًّا عنها.» قلم رصاص، وقلم حبر، وألوان مائية، وكولاج، ١٩٢٠.

fig14

شكل ٢-١٠: «القصر المثالي» لساعي البريد شيفال.

إن المنطق الهَوَسي الذي يُضفِي على «القصر» هيئتَه — وحقيقة أن الذي بناه لم يكن يتمتَّع إلَّا بالقليل من الادِّعاءات الفنية التقليدية — راقٍ بشكل لا يمكن مقاومته للحس السريالي. كفلَتْ لهم باريس نفسها العديدَ من المواقع الإضافية؛ كالمتحف المهجور من قبلُ الذي يحوي اللوحات الرمزية العجيبة لجوستاف مورو، ومتنزهِ بوت شومون المبتذل بشكل يبعث على الحزن، وبرجِ سان جاك المرتبط بالخيميائي الباريسي نيكولا فلاميل الذي يرجع للعصور الوسطى.

بَدَتْ هذه الأماكن وأمثالها جزءًا من مدينة بديلة؛ مدينة مستترة عن السياح، أنقذها بمعجزة مخطِّطو المدينة، ويحكمها منطقُ الرغبة اللاشعورية لا المنفعة اليومية. يجول المؤلفان في أعظم روايتين في بدايات السريالية — وهما: رواية «ناديا» لبريتون، ورواية «فلاح باريس» للويس أراجون (تحوَّلَتْ إلى سلسلة لأول مرة في الفترة خلال عامَيْ ١٩٢٤-١٩٢٥) — في أرجاءِ باريس الُمسَلَّم بأنها «غابةٌ من المؤشرات» على حد تعبير بريتون، وشبكة من العلامات والمنذرات بالوحي والكشف. يمكن اعتبار السرياليين هنا وَرَثةً طبيعيين لمفهوم الشاعر الفرنسي شارل بودلير عن الفنان العصري باعتباره «جوَّالًا» مدنيًّا ملتزمًا بتجميل التدفُّق المدني. في رواية أراجون «فلاح باريس» التي وضعها تحديدًا لتأكيد «الأسطورة العصرية»، يقدِّم المؤلفُ خطَّ سيرٍ مفصَّلًا لأماكن باريسية لها وقْعٌ شاعري عليه، وأشهرُ ما يجد فيه متعةً بالغةً المظهرُ المهجور لممر الأوبرا، وهو عبارة عن سوق على هيئة رُواق مقنطر من المقرَّر هَدْمه قريبًا كجزء من عملية التحديث الجارية تحت لواء الإمبراطورية الثانية برعاية البارون هاوسمَن. وإذ يصف الجوَّ العام باعتباره «متحفًا مائيًّا بشريًّا»، يتمهَّل أراجون برفق عند العديد من منافذ المحلات؛ محل لطوابع البريد، وآخَر للعِصِيِّ، وثالث لتصفيف شعر السيدات، ويستدعي الأخير تيارًا من الخيالات السريالية؛ حيث يتخيَّل أراجون المُتَع التي يَحظَى بها مصفِّفُ الشعر المبتدئ، الذي سيكون قوام عمله طوال الحياة «فك شفرات تلك التشابكات التي ألمحت منذ فترة وجيزة إلى التقلُّب أثناء النوم.»

سمح السرياليون بشكل منتظم للمدينة بأن تخترق أنفسهم، وأن تحدِّد أفعالهم أيضًا. بحلول أوائل الثلاثينيات، كان هذا جزءًا من عملية جدلية بشكل ذاتي الوعي، أمسى فيها الجزءُ الباطن الذي سبق أن ساد الكتاباتِ والفنونَ السريالية، في طباقٍ مع إملاءات الواقع الخارجي. إن الأحداث اليومية التي بَدَت نتاج المصادفة فحسب — كاللقاءات العارضة ظاهريًّا على قارعة الطريق — اعتُبِرت مُناظِرَةً للحاجة النفسية. كان مبدأ «المصادفة الموضوعية» هذا محوريًّا لأعمالٍ سريالية بعينها في أوائل الثلاثينيات، مثل رواية بريتون المسمَّاة «الأواني المستطرقة» (١٩٣٢)، وقامت عليه «لقاءات» مع «أغراض عُثِر عليها بالمصادفة» غامضة ومهمة بذاتها؛ تلك اللقاءات التي عاشها السرياليون خلال زياراتهم المنتظمة لأسواق السلع المستعملة بباريس.

مثل هذه الأفكار المتعلِّقة بكيفية اجتياز مساحات المدينة، تُعَدُّ — من عدة أوجه — بمنزلة تصوُّر إيجابي للتجربة الحداثية، وهذا أمر تتفرَّد به السريالية. ومع ذلك، جديرٌ بالملاحظة أنه استنادًا إلى أفكار والتر بنيامين، شدَّدَ كُتَّابٌ أمثال هال فوستر على أنه على العكس من تأييد فكرة «تقدمية» للحداثة أو التحديث، يمكن النظر إلى تأكيد السرياليين على «المهجور» — كما في إصلاح وترميم مواقع مثل «ممر الأوبرا» — باعتباره نقدًا للرأسمالية، وكأنَّ أطلالَ الماضي تعود إلى الحياة كي تسكنها. ومن هذا المنطلق، على الرغم من انغماس السرياليين في شبكة إشارات المدينة، يمكن القول بأنهم لا يَلقَوْن مرارةً حيال تَبِعات المَشهَد المدني بقدر ما يفعل، مثلًا، دادائيو برلين.

حدَّدَ هذا الفصل مكانَ كلٍّ من الدادائية والسريالية في العالم؛ إذ بيَّنَ كيف اكتسبتَا معانيَ حداثيةً للتشعُّب، وسمحتَا «للحداثة» بالتغلغل في إنتاجهما وأساليب حياتهما. لقد رجحت كفةُ متطلبات الحياة دومًا أمام متطلبات الفن، ولكنْ مهما حقَّرَتِ الدادائية والسريالية من الفن، فقد حقَّقَ المشاركون فيهما شهرةً واسعةً أساسًا كممارسين للفن؛ ولذا، آنَ الأوان لأن نستسلم ونلتفت إلى الجوانب الجمالية.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية