📰 آخر الأخبار
جان بول سارتر: الفيلسوف الذي جعل من الجحيم انعكاسًا للذات/عايدة جاويشتفاصيل مجهولة عن علاقة محمود درويش وتامار بن عامي/عبده وازنSynopsis for the Novel: The Price of Freedom By Biljana Petkovićمن أنا؟هشام فرجيحول زوجته المتوفاة - قصيدة للشاعر الانكليزي جون ملتون/ترجمة سالم الياس مدالوكاتب وشاعر سوري (عبد الكريم مراد): حوّل خساراته إلى كتابة، وجعل من الألم مادةً للتأمل...حاوره بسام الطعانفي ذكرى مولد سيّد الأنام/ غدير حميدان الزبونفِكرتُنا الأولى..رجاء الغانمي - العراقتساؤلات في مأزق المثقف العضوي*/ابتهال عبد الوهابالطبيعة / راما وهبةذكرى المولد النبوي الشريف/مناسبة عظيمة وذكرى عطرة لتعزيز الأخلاق الفاضلة والقيم والمُثل العليا-تحقيق / علي صحن عبد العزيزMisery by Nedaa Al-Durubiلا ابكي زجافا - عبد الرزاق الصغيرشرح ديوان المتنبي : قافية الباء/ عبد الرحمن البرقوقيشرح ديوان المتنبي: قافية الهمزة /عبد الرحمن البرقوقيالغيمة الغريبة/ بدر شاكر السيابأمام باب الله / بدر شاكر السيابأم البروم / بدر شاكر السيابحدائق وفيقة/ بدر شاكر السياببوذا/ داميان كيون - ترجمة صفية مختار On A Cold Winter Morning – A Haibun Poem By Salim Elias Madaloبين صحبة العالِم ومتعة النص يتجلى فن قراءة الكتاب/ صادق جواد المطر- القطيفسُنّة النساء/ عايدة محجوب أنيتا كوران غوينين .. الغرق : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالFIR TREES AREN\'T By Rita Kogan-Russia
جان بول سارتر: الفيلسوف الذي جعل من الجحيم انعكاسًا للذات/عايدة جاويشتفاصيل مجهولة عن علاقة محمود درويش وتامار بن عامي/عبده وازنSynopsis for the Novel: The Price of Freedom By Biljana Petkovićمن أنا؟هشام فرجيحول زوجته المتوفاة - قصيدة للشاعر الانكليزي جون ملتون/ترجمة سالم الياس مدالوكاتب وشاعر سوري (عبد الكريم مراد): حوّل خساراته إلى كتابة، وجعل من الألم مادةً للتأمل...حاوره بسام الطعانفي ذكرى مولد سيّد الأنام/ غدير حميدان الزبونفِكرتُنا الأولى..رجاء الغانمي - العراقتساؤلات في مأزق المثقف العضوي*/ابتهال عبد الوهابالطبيعة / راما وهبةذكرى المولد النبوي الشريف/مناسبة عظيمة وذكرى عطرة لتعزيز الأخلاق الفاضلة والقيم والمُثل العليا-تحقيق / علي صحن عبد العزيزMisery by Nedaa Al-Durubiلا ابكي زجافا - عبد الرزاق الصغيرشرح ديوان المتنبي : قافية الباء/ عبد الرحمن البرقوقيشرح ديوان المتنبي: قافية الهمزة /عبد الرحمن البرقوقيالغيمة الغريبة/ بدر شاكر السيابأمام باب الله / بدر شاكر السيابأم البروم / بدر شاكر السيابحدائق وفيقة/ بدر شاكر السياببوذا/ داميان كيون - ترجمة صفية مختار On A Cold Winter Morning – A Haibun Poem By Salim Elias Madaloبين صحبة العالِم ومتعة النص يتجلى فن قراءة الكتاب/ صادق جواد المطر- القطيفسُنّة النساء/ عايدة محجوب أنيتا كوران غوينين .. الغرق : قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالFIR TREES AREN\'T By Rita Kogan-Russia

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
وجهاً لوجه

كاتب وشاعر سوري (عبد الكريم مراد): حوّل خساراته إلى كتابة، وجعل من الألم مادةً للتأمل…حاوره بسام الطعان

عبد الكريم مراد2 1

كاتب وشاعر سوري ، خريج كلية الآداب جامعة دمشق قسم اللغة العربية، عمل لسنوات مدرساً لمادة اللغة العربية في المدارس الثانوية بمحافظة الحسكة، ثم هاجر إلى ألمانيا وما زال يقيم في مدينة إسن منذ سنوات طويلة، ومن غربته ينشر نتاجه في العديد من الصحف والمجلات العربية..

  • لكل مبدع بداية، نقطة تحوّل، حدثنا عن تجربتكِ الشعرية، وعن القصيدة الاولى، وما دافعكِ؟
    *بدايةً، أتوجّه إليكم بخالص الشكر والتقدير على هذه الاستضافة الكريمة، وعلى إتاحة هذه الفرصة للحديث عن تجربتي الشعريّة.
    أؤمن أنّ الشعر وليدُ المواقف التي يمرّ بها الإنسان؛ فقد تلمع الفكرة في الذهن، ثم تتسلّل إلى القلب، لتولد منها لحظة بوحٍ رقيق وهمس صادق. وكانت بدايتي الشعريّة الأولى على هذا النحو تماماً.
    حين كنت طالباً في كلية الآداب بجامعة دمشق، قسم اللغة العربيّة، راجعت أحد أطباء الجلديّة في دمشق، فكانت لي معه تجربة تركت في نفسي أثراً، بعدما لمستُ فيها استغلالاً للمريض وابتزازاً لا يليق بمهنة الطبِّ.
    عدتُ من تلك الحادثة وفي داخلي شيء يريد أن يُقال، فكانت القصيدة الأولى، وهي قصيدة موزونة في نحو عشرة أبيات، وُلدت من رحم ذلك الموقف.
    بعدها لم أتفرّغ للشعر، بل واصلتُ مهنتي التي أعدّها من أقدس المهن في حياتي، وهي مهنة التعليم، وبقي الشعر بالنسبة إليّ صوتاً يخرج حين يستدعيه الموقف.
    لكنّ التحوّل الحقيقيّ في تجربتي الشعريّة جاء مع اندلاع الثورة السورية عام 2011. يومها أصبح الواقع اليومي نفسه مادّةً شعريّة؛ فكنت أكتب بيتاً أو بيتين، وربما أكثر، بحسب ما أراه وأسمعه من أحداث ومواقف ومظاهرات كانت تشهدها المدن السورية المختلفة. وهكذا تراكمت الأبيات يوماً بعد يوم، حتى اكتملت قصيدة طويلة من الشعر الموزون، بلغت نحو ستين بيتاً، واخترت لها عنوان «ثورة الغاب».
    وقد واصلت كتابة القصيدة حتى أحداث السويداء، وأنهيتها قبل النصر بأيام قليلة، لتكون بذلك أقرب إلى سجلّ شعري لمشاهد عشتها وتابعتها، لا مجرد قصيدة كُتبت في مناسبة عابرة. وقد نشرتُها العام الماضي في موقع الجامعة العربية للثقافة والسلام في باريس.
    ولعلّ هذه التجربة أكدت لي أنّ الشاعر لا يختار دائمًا لحظة الكتابة، بل إنّ بعض المواقف هي التي تختار الشاعر، وتضع الكلمات على لسانه، وتدفعه لأن يقول ما يشعر به الناس ولا يجدون له صوتاً.
    ـ أروع موهبة الكاتب أو الشاعر هو التأليف، وهو أصعب جوانب العمل سواء كان عملاً روائياً أم قصصياً أم شعرياً ، برأيكِ على ماذا يتوقف نجاح الشاعر، على فلسفته ونظرته إلى الحياة، أم على أسلوبه وأدواته التي تخصه وحده، أم على موهبته؟ وأين تكمن روعة القصيدة الناجحة بكل المقاييس؟
    *سؤال جميل وعميق.. علينا ألا نضع الموهبة والفلسفة والأسلوب في مواجهة بعضها، لأنّ الشاعر الحقيقيّ يحتاج إليها مجتمعةً، لكن بدرجات مختلفة والدليل على سبيل المثال لا الحصر …..مدرس لغة عربية مبدع في النحو والإعراب لكنه لا يستطيع كتابة بيت شعري واحد، لذلك أقول وأعتقد أنَّ نجاح الشاعر لا يتوقف على الموهبة وحدها، ولا على فلسفته في الحياة، ولا على امتلاكه أدوات اللّغة والأسلوب، وإنّما على قدرته على تحويل هذه العناصر جميعاً إلى تجربة شعريّة صادقة ومختلفة.
    الموهبة هي البداية؛ فهي ذلك الحسّ الخفيّ الذي يجعل الشاعر يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما قد يعجز الآخرون عن التعبير عنه. لكنّها، وحدها، لا تصنع شاعراً كبيراً؛ فالموهبة التي لا تصقِّلها القراءة والثقافة والتجربة قد تبقى مجرّد جهوزية واستعداد جميل لم يجد طريقه إلى النضج.
    أمّا فلسفة الشاعر ونظرته إلى الحياة، فهي التي تمنح قصيدته روحها وعمقها.
    فالشاعر، في رأيي لا يكتب ما يراه بعينيه فقط، بل يكتب أيضاً ما يراه بوعيه ووجدانه. ولذلك فإنّ اختلاف الرؤية هو الذي يصنع في كثير من الأحيان اختلاف القصيدة.
    ثم يأتي الأسلوب، وهو البصمة التي تجعل القارئ يقول: هذه قصيدة فلان، حتى قبل أن يرى اسم صاحبها. والأسلوب لا يُصنع بالتكلّف، بل يتكوّن تدريجيًا من اللّغة والثقافة والتجربة والصدق وكثرة الكتابة، وهذه تمنحه الخبرة وتصقّل مهاراته الشاعرية مع روعة الأسلوب .
    لذلك أرى أنّ المعادلة الحقيقية هي: الموهبة والتجربة والثقافة : فالموهبة تفتح الباب، أمّا الثقافة والتجربة فتصنعان العمق وتؤسّسان الركن الشعري ، بينما الأسلوب يمنح الشاعر هويته، أمّا ما يمنح الحياة للقصيدة فهو الصدق .
    وقد يملك الإنسان موهبة كبيرة، لكنّه لا يترك أثراً؛ لأنّ الأثر الشعري لا تصنعه الموهبة وحدها، وإنّما تصنعه قدرة الشاعر على أن يحوّل تجربته الخاصّة إلى إحساس إنسانيٍّ يجد القارئ نفسه فيه. وفي النهاية، أظنُّ أنَّ الشاعر الناجح ليس من يكتب قصيدة جميلة فحسب، بل من يستطيع أن يجعل قصيدته تضيف شيئاً إلى روح القارئ، أو تغيّر زاوية نظره إلى الحياة، أو تترك فيه سؤالًا لا يستطيع أن يتجاهله وهنا تكمن القصيدة الناجحة .
    ـ الشاعر الموهوب الذي يكتب تحت الحالة العاطفية لا يقع في الرتابة أبدًا، فالمشاعر لديه نهر دفاق دائم الفيض، ومن لا يكتب تحت الحالة العاطفية لن يستطيع أن يطوّر أدواته، يحدد رموزه وبالتالي سيقع في تقليدية مملة، ما رأيك؟
    *لا أعتقد أن الشاعر لا يستطيع تطوير أدواته إلا تحت وطأة الحالة العاطفية. فالحالة العاطفية قد تكون الشرارة الأولى للقصيدة، لكنّها ليست بالضرورة اللحظة الوحيدة التي ينبغي أن تُكتب فيها.
    وأحيانًا، على العكس تماماً، يحتاج الشاعر إلى أن يبتعد قليلًا عن الحدث، وأن يترك للتجربة وقتها كي تهدأ، ثم يعود إليها بعين أكثر تأملًا ووعياً. وربّما تكون القصيدة التي تولد بعد هدوء العاطفة أعمق وأشد نضجاً من تلك التي كُتبت في ذروة الانفعال.
    ولعل أحمد شوقي مثال واضح على ذلك؛ فقد كان في عدد من قصائده يتناول الأحداث بعد أن تهدأ عاصفتها، ويترك للتأمل مساحة قبل أن يحوّلها إلى شعر. وقد عُدَّ هذا أحيانًا مأخذًا عليه، حتى وصل الأمر ببعض منتقديه إلى التشكيك في صدق مشاعره الوطنية، وذلك في معرض مقارنته بحافظ إبراهيم الذي كان يتناول الأحداث في عاصفتها، بينما أرى أن الشاعر ليس مطالباً بأن يكتب وهو في ذروة الانفعال حتى يثبت صدق انتمائه.
    فالعاطفة تشعل القصيدة، لكن الوعي والثقافة والتجربة والصنعة الشعريّة هي التي تمنحها شكلها وبقاءها. والشاعر الحقيقي، في رأيي، هو من يستطيع أن يحوّل انفعاله إلى رؤية، وتجربته إلى شعر، ومشاعره الخاصة إلى إحساس إنسانيّ يجد القارئ نفسه فيه.
    ـ برأيك هل استطاعت قصيدة النثر أن تؤسس لنفسها وجوداً وحضوراً فاعلاً في المشهد الشعري؟ وهل يجوز لنا اطلاق صفة القصيدة على القطعة النثرية كون القصيدة لها مدلولاتها الأدبية لغة ومعنى؟
    *يمكن أن تكون الإجابة أيضاً على مستويين كما السؤال:
    الأول : هل استطاعت قصيدة النثر أن تؤسّس وجوداً فاعلاً؟
    • نعم، استطاعت، وأصبحت منذ عقود جزءاً فاعلاً من المشهد الشعري العربيّ والعالميّ، ولها شعراؤها وقرّاؤها وتجاربها النقديّة.
      لكنَّ حضورها لا يعني أنّ كلّ نصّ نثري يُكتب على هيئة مقاطع هو بالضرورة “قصيدة نثر”.
      لأنَّ قصيدة النثر في رأيي، ليست كذلك لمجرّد التخلّي عن الوزن والقافية، وإنّما هي بناء شعري له منطقه الخاص؛ يقوم على التكثيف، والإيحاء، والصورة، والمفارقة، والإيقاع الداخلي، ووحدة التجربة، بحيث تصبح اللغة ذات طاقة شعريّة تتجاوز مجرّد السرد أو الخاطرة.
      ثانيًا: هل يجوز أن نطلق عليها صفة «قصيدة»؟
      هنا أتحفظ على تسميتها بقصيدة النثر رغم الدارج وأقول بحيادية ومشروعية ممكن القول بتسميتها “نص نثري، فالقصيدة في الموروث العربي ليست مجرّد قطعة أدبيّة جميلة، وإنّما لها مدلول لغويّ وأدبيّ وتاريخيّ عميق، ارتبط بالإيقاع والنسق والبناء الشعريّ.
      لكنّ اللّغة الأدبية تتطور، والمصطلحات تتّسع مع تطوّر الإبداع. ولذلك فإنّ إطلاق «قصيدة» على قصيدة النثر لا يعني بالضرورة أنّها مطابقة للقصيدة العموديّة أو شعر التفعيلة، بل يعني أنّنا أمام شكل شعريّ جديد له مقوماته وخصوصيته.
      وأنا شخصيًا أميل إلى الحيادية بموقف وسط وأقول :
      ليس كل نثر شعراً، وليس كلُّ نصٍّ خالٍ من الوزن قصيدة نثر.
      فالوزن ليس وحده معيار الشعر، كما أنّ غيابه ليس وحده معيار الحداثة. المعيار الحقيقيّ هو في السؤال التالي :هل استطاع النصّ أن يحوّل اللغة من وسيلة للتعبير إلى لغة شعرية قائمة بذاتها؟
      فإذا كانت قصيدة النثر قد تخلّت عن الوزن والقافية، فما الذي بقي فيها ليمنحها شرعية الانتماء إلى الشعر، ويميزها عن الخاطرة والنثر الأدبيّ؟
      وأظن أن هذا هو جوهر المسألة، وليس مجرّد خلاف على التسمية .
      ـ القصيدة والموسيقى توأمان، والحضور الإيقاعي في النص الشعري يمشي جنبًا إلى جنب مع الصور الشعرية، يتناغمان، فيستدعي أحدُهما الآخر، والقصيدة التي لا تُطرِب سامعها لا يحق لها الانتماء إلى الشعر، أليس كذلك؟
      الموسيقى في الشعر ليست بالضرورة موسيقى الوزن والقافية بل قد تكون في الإيقاع الداخلي وتآلف الأصوات وتكرار الكلمات وتوزيع الجُمل وانسجام الصورة مع المعنى. ولهذا يمكن لقصيدة
      النثر الناجحة أن تكون موسيقية ومؤثّرة حتّى من دون بحر خليل أو قافية منتظمة. غير أنّ اكتمال التجربة الشعريّة لا يقوم على عنصر واحد، بل على تآزر عناصرها جميعاً، فالموسيقى والإيقاع واللغة والأداء كأرجل طاولةٍ واحدة؛ إذا اختل أحدها، اختل توازنها. وإذا تكاملت جميعها وقفت القصيدة راسخةً في وجدان المتلقي.
      الأداء لا يصنع موسيقى القصيدة من العدم، وإنّما يكشفها ويبرزها ويمنحها حياة أعمق إذا كانت كامنة في بنيتها اللغوية. لذلك يمكن أن يكون السؤال أكثر دقةً وحدة.
      إذا كانت الموسيقى والإيقاع من أهم عناصر الشعر، فهل يستطيع نصٌّ أن يتخلى عن الوزن والقافية ويظل مع ذلك محتفظاً بموسيقاه الشعرية وشرعيّته.
      ـ تلعب اللغة دوراً أساسياً في نجاح النص وهي ملكة الأديب أو الشاعر رقم واحد، وهي أيضاً ترجمة للمشاعر والأحاسيس، وصورة معبّرة عن الفكر وما يجول فيه، وركنٌ أساسي في بنية النّص الأدبي كيفما كان جنسه ولونه، أنت كشاعر كيف تنظر إلى دورها في نصوصك الشعرية؟
      اللّغة في نظري ليست أداة أكتب بها القصيدة بل هي القصيدة نفسها، وعاء يحتضن الفكرة وجسر تعبر عليه المشاعر وروح تمنح النص حياته. يؤمن كل شاعر أنّ له لغته الخاصة هي التي تشكلت من ثقافته وتجربته ورؤيته للحياة وليست قيمتها في غرابة المفردات بل في الدقة والإيحاء والصدق. وفي تجربتي، أحاول أن أجعل اللغة شريكاً للفكرة لا خادمة لأنّ اللّغة ليست مجرّد وسيلة، بل عنصر حيّ يشارك في خلق المعنى ويمنح التجربة عمقاً. أشبه ما تكون بالخُضرة التي تكتسي بها شجرة الأفكار، إن نضرت ازدهرت الفكرة وأثمرت، وإن ذبلت ذبل أثرها في نفس القارئ. وهكذا تظل اللغة حجر الأساس والصوت الذي يبقى بعد كل شيء.
      ـ قديما كانوا يقولون: “الإنسان ابن بيئته ” لكن الآن نقول ” الإنسان ابن خيبته ” .. لا أحد ينكر أن البيئة لها تأثير كبير على ترتيب أفكار الكاتب ووضعها في قالب بهي يغري القارئ، إلى أي مدى استفدت من بيئتك التي تعيش فيها وأقصد ألمانيا ومدينة إسن تحديداً حيث تسكن، أم أنك ما زلت تستعير مواضيعك من البيئة السورية وخاصة بيئة منطقة الجزيرة الغنية والمتنوعة بالأحداث؟ وكيف يتم تناولك لهذه البيئة؟
      *أعتقد أنَّ عبارة «الإنسان ابن بيئته» ما زالت تحتفظ بكثير من دلالتها، لكنَّني أحببتُ في صياغتكم الجديدة «الإنسان ابن خيبته»؛ لأنَّها تضيف إلى البيئة الخارجية بيئةً أخرى أكثر عمقاً، هي التجربة الإنسانيّة بما تحمله من خيبات وأسئلة وذاكرة.
      أمّا عن تجربتي، فأنا أعيش في ألمانيا منذ سنوات، وفي مدينة إسن تحديداً، وقد استفدت بلا شكّ من هذه البيئة الجديدة، ليس بالضرورة من أحداثها اليوميّة وحدها، وإنّما من طبيعة الحياة فيها، ومن علاقتي بمجتمع مختلف، وثقافة مختلفة، ونمط آخر في النظر إلى الإنسان والحياة. فالاغتراب نفسه بيئةٌ ثريَّة للكاتب؛ لأنَّه يجعله يرى وطنه من مسافة، ويرى المكان الجديد بعين القادم من مكان آخر، وبين النظرتين تتشكَّلُ مساحة واسعة للتأمل والمقارنة.
      لكنّني، إذا أردت أن أكون صريحاً، فما زالت سوريا هي المنبع الأعمق لكثير من موضوعاتي، ولا سيّما منطقة الجزيرة السورية بما تحمله من تنوع قومي وثقافي واجتماعي، وما شهدته من تحوّلات وأحداث تركت أثرها في الذاكرة. وأنا لا أتعامل مع هذه البيئة باعتبارها مجرد مادّة سياسيّة أو تسجيلاً للأحداث، وإنّما أحاول أن أقرأ الإنسان داخل الحدث، وأن أبحث عن أثر السياسة والتاريخ في حياته ووعيه وذاكرته.
      وربّما لهذا السبب أجد نفسي أعود كثيراً إلى الجزيرة؛ فهي بالنسبة إليّ ليست مجرد جغرافيا تركتها خلفي، وإنّما ذاكرة ما زالت حاضرة في داخلي. وكلما ابتعد الإنسان عن مكانه، قد يكتشف أحيانًا أنَّه أصبح أكثر قدرة على رؤيته؛ فالقرب الشديد من الأشياء قد يحجب بعض تفاصيلها، بينما تمنحك المسافة فرصةً للتأمُّل وإعادة القراءة.
      وفي كتابتي، أحاول أن أتناول هذه البيئة من أكثر من زاوية: من الواقع الاجتماعي، ومن التاريخ السياسي، ومن التراث الأدبي والشعبي، ومن تجارب الناس اليوميّة، مع الاستفادة من تجربتي الشخصيّة ومن قراءاتي. ولذلك لا أريد أن أكون مجرّد ناقل لما يحدث، بل أحاول أن أطرح سؤالًا حول ما وراء الحدث: لماذا حدث؟ وكيف ترك أثره في الإنسان؟ وما الذي يمكن أن نتعلّمه منه؟
      وأعتقد أنّ الكاتب لا يكتب عن المكان الذي يعيش فيه فقط، بل عن الأمكنة التي تركت أثرًا فيه. قد أكون اليوم في إسن، لكنّ جزءاً كبيراً من ذاكرتي ما زال هناك، في الجزيرة السورية. وربّما تكون هذه المسافة بين المكانين هي التي تمنحني أحياناً زاوية مختلفة في النظر إلى الأشياء.
      لذلك لا أرى تعارضاً بين أن أعيش في ألمانيا وأن أكتب عن سوريا؛ فالجغرافيا تغيّرت، لكن الذاكرة لم تتغيّر. وما أكتبه في النهاية ليس عن مكانٍ فحسب، وإنما عن الإنسان الذي عاش في ذلك المكان، وما حمله معه من أسئلة وذكريات وخيبات وأمل.
      ـ في قصائدك جمال وصور بهية، من أين يتأتّى لك كل هذا، من الشحن العاطفي أم صدق التجربة أم من شحنة الروح، أم من التمكن اللغوي وخاصة أنك عملت لسنوات طويلة مدّرساً للغة العربية، أم ماذا ؟
      *أعتقد أنَّ الصورة الشعريَّة لا تولد من مصدر واحد، ولا يمكن أن تُنسب إلى عامل منفرد؛ فهي في رأيي حصيلة تفاعل بين التجربة والعاطفة والروح والخيال واللّغة. وكلّما كانت التجربة صادقة، كانت أكثر قدرة على أن تتحول إلى صورةٍ تصل إلى القارئ وتترك أثراً فيه.
      أنا أستمدُّ صوري من كل ما يحيط بي، لكنّني أختار منها ما ينسجم مع الموقف الشعري. فقد تأتي الصورة من تجربة عاطفيّة، أو من مشهد إنسانيّ، أو من موقف سياسي واجتماعي، أو من الذاكرة والتراث، أو حتى من قراءةٍ أدبيّة أو تجربةٍ تاريخيّة. وأحياناً تكون الصورة موجودة في الواقع، لكن الشعر هو الذي يعيد اكتشافها ويمنحها دلالةً أخرى. أمّا العاطفة، فلا شك أنها عنصر أساسي في الشعر، لكنّها في رأيي ليست كافية وحدها. العاطفة تشعل الشرارة الأولى، أمّا صياغة القصيدة فتحتاج إلى وعيٍ وخبرةٍ وخيالٍ وأداةٍ لغويّة. فقد تكون التجربة شديدة التأثير على صاحبها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنّها ستتحول إلى شعر جيد ما لم يمتلك الشاعر القدرة على تحويل إحساسه الخاص إلى تجربة يمكن للقارئ أن يجد نفسه فيها. وأعتقد أنّ صدق التجربة هو الأساس. فحين يكتب الإنسان عن شيء لمسه أو عاشه أو تأثر به بعمق، تكون كلماته أقرب إلى القلب. أمّا شحنة الروح فهي التي تمنح النص شيئاً يتجاوز المعنى المباشر؛ تلك النبرة التي لا تُشرح بسهولة، لكنّها تُحَسّ.
      وبالنسبة إلى اللّغة، فهي جزء أساسيّ من تكويني الأدبي. فقد عملت مدرسًا للّغة العربيّة لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، وكانت اللغة بالنسبة إليّ طوال هذه السنوات أكثر من مهنة؛ كانت ممارسة يومية ومعرفةً وتدريباً مستمراً. وقد منحتني هذه التجربة قدرةً أكبر على التعامل مع المفردة، وعلى معرفة ظلالها وإيقاعها وموقعها داخل الجملة والصورة.
      وأقول هذا من باب توصيف تجربتي لا من باب المبالغة؛ فقد كنت، والحمد لله، من المدرسين المميزين في مجال اللّغة العربية على مستوى محافظة الحسكة ويشهد بذلك القاصي والداني في تلك المرحلة، وأعتقد أن هذه الممارسة الطويلة تركت أثرها في كتابتي وفي علاقتي باللّغة.
      لكنّني لا أريد أن تتحوّل اللّغة في شعري إلى استعراض لغويّ. فاللّغة عندي وسيلة لخدمة الفكرة والإحساس والصورة، وليست غايةً مستقلة. قد أستخدم كلمة بسيطة جدّاً إذا كانت هي الأصدق والأقدر على الوصول، وقد ألجأ إلى مفردة تراثية أو تركيب أكثر كثافةً إذا كان المقام يحتاج إليها.
      لذلك، إذا سألتموني: من أين تأتي هذه الصور؟ أقول: من كل ذلك معاً. من تجربةٍ صادقة، وعاطفةٍ حقيقية، وروحٍ تتفاعل مع ما حولها، وخيالٍ يعيد تشكيل الواقع، ثم تأتي اللّغة لتمنح كلّ ذلك شكله النهائي.
      وأنا أؤمن أنّ الشاعر لا يصنع الصورة من فراغ؛ بل هو يلتقطها من الحياة، ثم يعيد خلقها باللّغة. وربّما يكون الفرق بين شاعر وآخر ليس في امتلاك المشاعر وحدها، وإنّما في القدرة على تحويل هذه المشاعر إلى صورةٍ شعرية تبقى في ذاكرة القارئ.
      ـ بعد كل هذه السنوات وأنت بعيد عن وطنك، ماذا قدمت لك الغربة، هل استفدت منها إبداعيا، أم أنها قللت من إبداعكِ وزادت من همومك؟
      *أمضت الغربة بي سنواتٍ طويلة، ولم تكن بالنسبة إليَّ مجرّد ابتعادٍ عن الوطن، بل كانت مدرسةً أخرى من مدارس الحياة؛ فقد قدّمت لي الكثير من الخبرات الإنسانيّة التي لا يتعلّمها الإنسان من الكتب، وإنّما يكتسبها من التجربة، ومن الاحتكاك بالناس، ومن مواجهة ظروف الحياة المختلفة.
      أمّا على صعيد الإبداع، فأستطيع القول إنّ الغربة لم تُنقص من إبداعي، بل أتاحت لي مساحةً أوسع للكتابة والتأمُّل. فقد أصبح لديّ وقتٌ أكبر للكتابة بنوعيها، شعراً ونثراً، والأهم أنّني صرت أكتب بصدقٍ أكبر عن تجربةٍ عشتها وعايشت تفاصيلها، لا عن مشاهد أراها من بعيد.
      وفي المقابل، زادت الغربة في داخلي مشاعر الشوق إلى الأهل والأصدقاء، وعمّقت حنيني إلى الوطن، ولا سيّما وأنا أتابع ما مرّ به وطني من آلام ومعاناة خلال هذه السنوات. وربما كان هذا الحنين أحد أهمّ منابع الكتابة لديّ؛ فبعض النصوص لا تولد من الفرح، وإنّما تولد من وجعٍ يسكن الإنسان، ومن ذاكرةٍ لا تستطيع المسافات أن تطفئها.
      لذلك أقول: إنّ الغربة أخذت مني أشياء كثيرة، لكنّها منحتني في المقابل تجربةً إنسانيةً أعمق، ونظرةً أكثر تأمّلاً إلى الحياة، ومساحةً أوسع لأعبّر بالكلمة عمّا أشعر به وما أراه.
      وربّما كان أعظم ما أبقته الغربة في داخلي هو أنّني، كلّما ابتعدت عن الوطن، ازددتُ قرباً منه في الكتابة والذاكرة والحنين.
      ـ الكورد لهم خاصية في الفلكلور، كالدبكات والموسيقى والأغاني والأزياء والعادات الاجتماعية الموروثة، ويمكن القول إن كلها أدوات تغني الشاعر والكاتب بشكل عام. ما مدى استفادتك إبداعيا من هذا الفلكلور الجميل؟
      *شكراً جزيلا لك لأنّك منحتني بسؤالك هذا الفرصة للحديث عن الفلكلور بوصفة ذاكرةً حيّة ومصدراً للإبداع المجرد عناصر تراثية من خلال تجربتي في اللغة العربية التي تساعدني في ذلك. نعم وبالتأكيد، فالفلكلور الكورديّ بما يحمله من غنى وتنوّع، من الدبكات والموسيقى والأغاني والأزياء والعادات والتقاليد الاجتماعية الموروثة، ليس مجرّد موروث ٍشعبيٍّ نحتفي به، وإنّما هو ذاكرةٌ حيّة تختزن تاريخ الإنسان ومشاعره وتفاصيل حياته.
      وقد أفدتُ منه إبداعياً بصورة كبيرة؛ فتناولتُ في بعض قصائدي قصصاً وشخصيات من التراث، وحاولتُ أن أعيد تقديمها برؤيةٍ شعريّة معاصرة، لأنّ التراث حين يدخل القصيدة لا ينبغي أن يبقى مجرّد حكايةٍ من الماضي، بل يتحوّل إلى تجربةٍ إنسانيّة قابلة للحياة في الحاضر.
      كما تناولتُ الفلكلور الكورديّ الغنائيّ، ولا سيّما فنَّ الدَّنگبێج، الذي أراه واحداً من أعمق أشكال التعبير عن الذاكرة الكورديّة؛ فالدَّنگبێج لم يكن مجرّد مغنٍّ يروي حكاية، بل كان حافظاً للذاكرة، ينقل عبر صوته قصص الحبّ والفقد والبطولة والمآسي والتحوّلات الاجتماعيّة.
      وكذلك استوقفتني الروايات التاريخيّة والاجتماعيّة التي يختزنها هذا التراث، وما تحمله من دلالاتٍ إنسانيّة تترجم حياة أبطالها ومجتمعاتها.
      ولذلك وجدتُ في الفلكلور مادةً خصبة للشاعر والكاتب؛ فهو يمنحه الشخصيات والصور والحكايات والإيقاعات، والأهمّ أنَّه يمنحه روح المكان وذاكرة الإنسان.
      وأعتقد أنّ المبدع الحقيقي لا يكتفي بأن يرث تراثه، بل يحاول أن يعيد اكتشافه، وأن يمنحه لغةً جديدة تحفظ أصالته وتجعله قادراً على مخاطبة الأجيال الجديدة.
      ـ أغلب السوريين خسروا كثيراً، منهم من فقد أحبته ومنهم من هاجر، وهذه الخسارة أثّرت فيهم كثيراً وخاصة بعد اندلاع الثورة السورية، وأنت أي خسارة في حياتك أثّرت فيك كإنسان وكشاعر؟ وكيف ترجمتها أدبًا؟.
      *لقد خسرتُ في حياتي تلك الأمور مجتمعةً؛ فقد هاجرتُ، وفقدتُ الوطن والأهل والأصدقاء، وفقدتُ العمل الذي كنت أقدّسه وأرى فيه جزءاً أصيلاً من كياني، ذلك العمل الذي منحني فرصة التميّز والتألق وترك بصمةً أعتز بها في حياتي، ويشهد عليها القاصي والداني، في الوطن وفي ديار الغربة.
      ثم كانت الخسارة الأشدّ وقعًا على قلبي فقدان زوجتي، فبدت الحياة بعد رحيلها أكثر قسوةً وثقلاً، وكأنّ الخسارات السابقة كلّها قد اجتمعت في لحظة واحدة. وقد علّمتني هذه التجارب أنَّ الإنسان لا يخرج من الألم كما دخله؛ فإمّا أن ينكسر تحته، أو يحوّله إلى معنى يواصل به حياته.
      أمّا أنا، فقد حاولت أن أحوّل خساراتي إلى كتابة، وأن أجعل من الألم مادةً للتأمل لا سبباً للانطفاء. انعكست هذه التجارب في كتاباتي النثرية وفي شعري، فحضرت فيها ثيمات الوطن والحنين والفقد والغربة والإنسان، لا باعتبارها ذكريات شخصيّة فحسب، وإنّما باعتبارها أسئلة إنسانيّة أوسع: ماذا يبقى للإنسان حين يفقد ما يحب؟
      وكيف يستطيع أن يحمل ذاكرته معه، ويواصل الحياة رغم كل ما انكسر فيه؟
      ولعلّ الكتابة كانت بالنسبة إليّ إحدى وسائل النجاة؛ فقد منحتني القدرة على أن أقول ما يعجز القلب أحيانًا عن قوله، وأن أحوّل الخسارة من جرحٍ صامت إلى نصٍّ يحمل شيئاً من تجربتي وتجربة كثير من السوريين الذين عاشوا الفقد والهجرة والغياب. وهكذا لم أكتب عن خساراتي لأستعيد الحزن، بل لأمنحه معنىً، ولأجعل من الوجع أثراً يبقى
      ـ الشاعر عبد الكريم مراد.. أمامك مرآة كبيرة، لا تشاهد فيها إلا مستقبل بلدك سوريا بعد سقوط النظام، صف للقارئ هذا المستقبل؟ وأي لون سيرتدي، هل سيكون رمادياً أم زهرياً وهو لون المحبة والتسامح والحياة؟
      *أعتزّ دائماً بكوني كنتُ معلّماً ومربّياً قبل أن أكون كاتباً أو شاعراً، ولذلك حين أنظر إلى مستقبل سورية لا أنظر إليه بعين الشاعر وحده، وإنّما بعين المربّي الذي يؤمن بأنّ بناء الإنسان هو الخطوة الأولى في بناء الوطن.
      وأنا على يقين بأن سوريّة لا بدّ أن تسير نحو الأفضل، وأن تفتح صفحة جديدة تتجاوز فيها عهود الظلم والاستبداد والفساد التي أثقلت كاهل البلاد والعباد. ولا أتوهم أنّ الطريق إلى التقدم والازدهار سيكون سهلاً؛ فالحرب تركت وراءها جراحاً عميقة ومفرزاتٍ اجتماعيّة واقتصاديّة ونفسيّة تحتاج إلى وقت طويل لمعالجتها، وإلى إرادة وطنيّة صادقة تتّسع لجميع السوريين.
      ومع ذلك، فإنّني حين أقف أمام تلك المرآة الكبيرة وأحاول أن أرى سورية القادمة، لا أريد أن أراها رمادية، مهما كانت أثقال الماضي. أريد أن أراها ترتدي اللون الزهري؛ لون المحبة والتسامح والسلام والحياة.
      أتمنّى سوريةً يتّسع وطنها لجميع أبنائها، ويكون فيها الاختلاف مصدر غنى لا سبباً للخصومة، وتصبح فيها كرامة الإنسان وحرّيته وعدالته أساساً للحياة العامّة. سوريّة لا يُقاس مستقبلها بمن انتصر على من، وإنّما بما تستطيع أن تبنيه لأبنائها جميعاً.
      ولذلك، فإنّ الشاعر الذي في داخلي، والمربّي الذي سبق الشاعر، كلاهما يريان المستقبل بلون واحد: لون التسامح والمحبة والسلام والحياة
      ـ سعدتُ بالحوار معك، وكلّ نبضة حرف مدهشة وهديل حمامة وأنت بخير .. وأخيراً ماذا أعطتك الكتابة، وماذا أخذت منك؟ أم أن الكتابة في أي حقل إبداعي دائمًا تعطي ولا تأخذ؟
      *أعطتني الكتابة الكثير، الكثير جدّاً، وربما منحتني أكثر ممّا أخذت منّي. كانت حاضرةً دائماً في حياتي، وكانت ملاذي حين تضيق بي الحياة، ووسيلتي لإطفاء مشاعر الشوق والحنين والأسى إلى الأهل والوطن والأحبّة التي كانت تتراكم في داخلي، ولا سيّما بعد الهجرة.
      منحتني الكتابة الصبر على ما آلت إليه أحوالنا، وعلّمتني أن أحتمل الغياب دون أن أفقد الأمل، وأن أحوّل ما يؤلمني إلى كلمات، وما يثقل القلب إلى نصّ يمكن أن يجد فيه الآخرون شيئاً من ذواتهم وتجاربهم.
      وعلّمتني أيضاً أنّ الوطن لا يُقاس بكنوز الدنيا، وأنّ قيمته الحقيقية تكمن في الذاكرة والانتماء والناس الذين يسكنون القلب، وأنّ الإنسان قد يبتعد عن وطنه آلاف الأميال، لكنّه لا يستطيع أن ينتزع الوطن من داخله.
      أمّا ماذا أخذت مني الكتابة؟ فقد أخذت شيئًا من وقتي وهدوئي، وربما أخذت من حياتي الكثير من اللحظات التي كان يمكن أن أعيشها بعيداً عن الورق والحروف. لكنّها، في المقابل، أعادت إليّ تلك اللحظات بصورة أخرى، وحوّلتها إلى ذاكرةٍ وكلماتٍ وأثر.
      وأدركت من خلالها أنّ عجلة الحياة تمضي إلى الأمام، شئنا أم أبينا، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يوقفها، لكنّه يستطيع أن يختار ماذا يترك خلفه في محطّاتها.
      ولعلّ صاحب الحظ السعيد، في نهاية المطاف، ليس من جمع أكبر قدر من المال أو الشهرة، وإنّما من استطاع أن يترك في محطات الحياة أثراً جميلاً، وأن يترك بعد رحيله شيئاً من روحه في قلوب الآخرين.
      وهذا، في تقديري، هو أجمل ما يمكن أن تمنحه الكتابة لكاتبها: أن تمنحه فرصةً ليبقى حيّاً في كلماته، وأن يظلّ صوته حاضراً بعد أن يغيب صاحبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة