دراسات أدبية
شرح ديوان المتنبي: قافية الهمزة /عبد الرحمن البرقوقي
قال — وقد طلب إليه سيف الدولة إجازة أبيات لأبي ذر سهل بن محمد الكاتب:١
الْقَلْبُ أَعْلَمُ يَا عَذُولُ بِدَائِهِ
وَأَحَقُّ مِنْكَ بِجَفْنِهِ وَبِمَائِهِ٢
فَوَمَنْ أُحِبُّ لَأَعْصِيَنَّكَ فِي الْهَوَى
قَسَمًا بِهِ وَبِحُسْنِهِ وَبَهَائِهِ٣
أَأُحِبُّهُ وَأُحِبُّ فِيهِ مَلَامَةً
إِنَّ الْمَلَامَةَ فِيهِ مِنْ أَعْدَائِهِ٤
عَجِبَ الْوُشَاةُ مِنَ اللُّحَاةِ وَقَوْلِهِمْ
دَعْ مَا بَرَاكَ ضَعُفْتَ عَنْ إِخْفَائِهِ٥
مَا الْخِلُّ إِلَّا مَنْ أَوَدُّ بِقَلْبِهِ
وَأَرَى بِطَرْفٍ لَا يَرَى بِسِوَائِهِ٦
إِنَّ الْمُعِينَ عَلَى الصَّبَابَةِ بِالْأَسَى
أَوْلَى بِرَحْمَةِ رَبِّهَا وَإِخَائِهِ٧
مَهْلًا فَإِنَّ الْعَذْلَ مِنْ أَسْقَامِهِ
وَتَرَفُّقًا فَالسَّمْعُ مِنْ أَعْضَائِهِ٨
وَهَبِ الْمَلَامَةَ فِي اللَّذَاذَةِ كَالْكَرَى
مَطْرُودَةً بِسُهَادِهِ وَبُكَائِهِ٩
لَا تَعْذُلِ الْمُشْتَاقَ فِي أَشْوَاقِهِ
حَتَّى يَكُونَ حَشَاكَ فِي أَحْشَائِهِ١٠
إِنَّ الْقَتِيلَ مُضَرَّجًا بِدُمُوعِهِ
مِثْلُ الْقَتِيلِ مُضَرَّجًا بِدِمَائِهِ١١
وَالْعِشْقُ كَالْمَعْشُوقِ يَعْذُبُ قُرْبُهُ
لِلْمُبْتَلَى وَيَنَالُ مِنْ حَوْبَائِهِ١٢
لَوْ قُلْتَ لِلدَّنِفِ الْحَزِينِ فَدَيْتُهُ
مِمَّا بِهِ لَأَغَرْتَهُ بِفِدَائِهِ١٣
وُقِيَ الْأَمِيرُ هَوَى الْعُيُونِ فَإِنَّهُ
مَا لَا يَزُولُ بِبَأْسِهِ وَسَخَائِهِ١٤
يَسْتَاسِرُ الْبَطَلُ الْكَمِيَّ بِنَظْرَةٍ
وَيَحُولُ بَيْنَ فُؤَادِهِ وَعَزَائِهِ١٥
إِنِّي دَعَوْتُكَ لِلنَّوَائِبِ دَعْوَةً
لَمْ يُدْعَ سَامِعُهَا إِلَى أَكْفَائِهِ١٦
فَأَتَيْتَ مِنْ فَوْقِ الزَّمَانِ وَتَحْتِهِ
مُتَصَلْصِلًا وَأَمَامِهِ وَوَرَائِهِ١٧
مَنْ لِلسُّيُوفِ بِأَنْ تَكُونَ سَمِيَّهَا
فِي أَصْلِهِ وَفِرِنْدِهِ وَوَفَائِهِ١٨
وَعَلِيٌّ الْمَطْبُوعُ مِنْ آبَائِهِ١٩
واستزاده سيف الدولة فقال أيضًا:
عَذْلُ الْعَوَاذِلِ حَوْلَ قَلْبِ التَّائِهِ
وَهَوَى الْأَحِبَّةِ مِنْهُ فِي سَوْدَائِهِ٢٠
يَشْكُو الْمَلَامُ إِلَى اللَّوَائِمِ حَرَّهُ
وَيَصُدُّ حِينَ يَلُمْنَ عَنْ بُرَحَائِهِ٢١
وَبِمُهْجَتِي يَا عَاذِلِي الْمَلِكُ الَّذِي
أَسْخَطْتُ كُلَّ النَّاسِ فِي إِرْضَائِهِ٢٢
إِنْ كَانَ قَدْ مَلَكَ الْقُلُوبَ فَإِنَّهُ
مَلَكَ الزَّمَانَ بِأَرْضِهِ وَسَمَائِهِ٢٣
الشَّمْسُ مِنْ حُسَّادِهِ وَالنَّصْرُ مِنْ
قُرَنَائِهِ وَالسَّيْفُ مِنْ أَسْمَائِهِ٢٤
أَيْنَ الثَّلَاثَةُ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالِهِ
مِنْ حُسْنِهِ وَإِبَائِهِ وَمَضَائِهِ٢٥
مَضَتِ الدُّهُورُ وَمَا أَتَيْنَ بِمِثْلِهِ
وَلَقَدْ أَتَى فَعَجَزْنَ عَنْ نُظَرَائِهِ٢٦
وقال يمدح الحسين بن إسحاق التنوخي، وكان قوم قد هَجَوْه، وعزوا الهجاء إلى أبي الطيب فكتب إليه يعاتبه، فكتب أبو الطيب إليه:
أَتُنْكِرُ يَا ابْنَ إِسْحَاقٍ إِخَائِي
وَتَحْسَبُ مَاءَ غَيْرِي مِنْ إِنَائِي٢٧
أَأَنْطِقُ فِيكَ هُجْرًا بَعْدَ عِلْمِي
بِأَنَّكَ خَيْرُ مَنْ تَحْتَ السَّمَاءِ٢٨
وَأَكْرَهُ مِنْ ذُبَابِ السَّيْفِ طَعْمًا
وَأَمْضَى فِي الْأُمُورِ مِنَ الْقَضَاءِ٢٩
وَمَا أَرْبَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ سِنِّي
فَكَيْفَ مَلِلْتُ مِنْ طُولِ الْبَقَاءِ٣٠
وَمَا اسْتَغْرَقْتُ وَصْفَكَ فِي مَدِيحِي
فَأَنْقُصَ مِنْهُ شَيْئًا بِالْهِجَاءِ٣١
وَهَبْنِي قُلْتُ هَذَا الصُّبْحُ لَيْلٌ
أَيَعْمَى الْعَالِمُونَ عَنِ الضِّيَاءِ٣٢
تُطِيعُ الْحَاسِدِينَ وَأَنْتَ مَرْءٌ
جُعِلْتُ فِدَاءَهُ وَهُمُ فِدَائِي٣٣
وَهَاجِي نَفْسِهِ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ
كَلَامِي مِنْ كَلَامِهِمِ الْهُرَاءِ٣٤
وَإِنَّ مِنَ الْعَجَائِبِ أَنْ تَرَانِي
فَتَعْدِلَ بِي أَقَلَّ مِنَ الْهَبَاءِ٣٥
وَتُنْكِرَ مَوْتَهُمُ وَأَنَا سُهَيْلٌ
طَلَعْتُ بِمَوْتِ أَوْلَادِ الزِّنَاءِ٣٦
وقال يمدح أبا علي هارون بن عبد العزيز الأوراجي الكاتب، وكان يذهب إلى التصوف٣٧.
أَمِنَ ازْدِيَاركِ فِي الدُّجَى الرُّقَبَاءُ
إِذْ حَيْثُ أَنْتِ مِنَ الظَّلَامِ ضِيَاءُ٣٨
قَلَقُ الْمَلِيحَةِ وَهْيِ مِسْكٌ هَتْكُهَا
وَمَسِيرُهَا فِي اللَّيْلِ وَهْيَ ذُكَاءُ٣٩
أَسَفِي عَلَى أَسَفِي الَّذِي دَلَّهْتِنِي
عَنْ عِلْمِهِ فَبِهِ عَلَيَّ خَفَاءُ٤٠
وَشَكِيَّتِي فَقْدُ السَّقَامِ لِأَنَّهُ
قَدْ كَانَ لَمَّا كَانَ لِي أَعْضَاءُ٤١
مَثَّلْتِ عَيْنَكِ فِي حَشَايَ جِرَاحَةً
فَتَشَابَهَا كِلْتَاهُمَا نَجْلَاءُ٤٢
نَفَذَتْ عَلَيَّ السَّابِرِيَّ وَرُبَّمَا
تَنْدَقُّ فِيهِ الصَّعْدَةُ السَّمْرَاءُ٤٣
أَنَا صَخْرَةُ الْوَادِي إذِاَ مَا زُوحِمَتْ
وَإِذَا نَطَقْتُ فَإِنَّنِي الْجَوْزَاءُ٤٤
وَإِذَا خَفِيتُ عَلَى الْغَبِيِّ فَعَاذِرٌ
أَنْ لَا تَرَانِي مُقْلَةٌ عَمْيَاءُ٤٥
شِيَمُ اللَّيَالِي أَنْ تُشَكِّكَ نَاقَتِي
صَدْرِي بِهَا أَفْضَى أَمِ الْبَيْدَاءُ٤٦
فَتَبِيتُ تُسْئِدُ مُسْئِدًا فِي نَيِّهَا
إِسْآدَهَا فِي الْمَهْمَهِ الْإِنضَاءُ٤٧
أَنْسَاعُهَا مَمْغُوطَةٌ وَخِفَافُهَا
مَنْكُوحَةٌ وَطَرِيقُهَا عَذْرَاءُ٤٨
يَتَلَوَّنُ الْخِرِّيتُ مِنْ خَوْفِ التَّوَى
فِيهَا كَمَا يَتَلَوَّنُ الْحِرْبَاءُ٤٩
بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي عَلِيٍّ مِثْلُهُ
شُمُّ الْجِبَالِ وَمِثْلُهُنَّ رَجَاءُ٥٠
وَعِقَابُ لُبْنَانٍ وَكَيْفَ بِقَطْعِهَا
وَهْوَ الشِّتَاءُ وَصَيْفُهُنَّ شِتَاءُ٥١
لَبَسَ الثُّلُوجُ بِهَا عَلَيَّ مَسَالِكِي
فَكَأَنَّهَا بِبَيَاضِهَا سَوْدَاءُ٥٢
وَكَذَا الْكَرِيمُ إِذَا أَقَامَ بِبَلْدَةٍ
سَالَ النُّضَارُ بِهَا وَقَامَ الْمَاءُ٥٣
جَمَدَ الْقِطَارُ وَلَوْ رَأَتْهُ كَمَا تَرَى
بُهِتَتْ فَلَمْ تَتَبَجَّسِ الْأَنْوَاءُ٥٤
فِي خَطِّهِ مِنْ كُلِّ قَلْبٍ شَهْوَةٌ
حَتَّى كَأَنَّ مِدَادَهُ الْأَهْوَاءُ٥٥
وَلِكُلِّ عَيْنٍ قُرَّةٌ فِي قُرْبِه
حَتَّى كَأَنَّ مَغِيبَهُ الْأَقْذَاءُ٥٦
مَنْ يَهْتَدِي فِي الْفِعْلِ مَا لَا تَهْتَدِي
فِي الْقَوْلِ حَتَّى يَفْعَلَ الشُّعَرَاءُ٥٧
فِي كُلِّ يَوْمٍ لِلْقَوَافِي جَوْلَةٌ
فِي قَلْبِهِ وَلِأُذْنِهِ إِصْغَاءُ٥٨
وَإِغَارَةٌ فِيمَا احْتَوَاهُ كَأَنَّمَا
فِي كُلِّ بَيْتٍ فَيْلَقٌ شَهْبَاءُ٥٩
مَنْ يَظْلِمِ اللُّؤَمَاءَ فِي تَكْلِيفِهِمْ
أَنْ يُصْبِحُوا وَهُمُ لَهُ أَكْفَاءُ٦٠
وَنَذِيمُهُمْ وَبِهِمْ عَرَفْنَا فَضْلَهُ
وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ٦١
مَنْ نَفْعُهُ فِي أَنْ يُهَاجَ وَضَرُّهُ
فِي تَرْكِهِ لَوْ تَفْطَنُ الْأَعْدَاءُ٦٢
فَالسَّلْمُ يَكْسِرُ مِنْ جَنَاحَيْ مَالِهِ
بِنَوَالِهِ مَا تَجْبُرُ الْهَيْجَاءُ٦٣
يُعْطِي فَتُعْطَى مِنْ لُهَى يَدِهِ اللُّهَى
وَتُرَى بِرُؤْيَةِ رَأْيِهِ الآرَاءُ٦٤
مُتَفَرِّقُ الطَّعْمَيْنِ مُجْتَمِعُ الْقُوَى
فَكَأَنَّهُ السَّرَّاءُ وَالضَّرَّاءُ٦٥
وَكَأَنَّهُ مَا لَا تَشَاءُ عدَاتُهُ
مُتَمَثِّلًا لِوُفُودِهِ مَا شَاءُوا٦٦
يَا أَيُّهَا الْمُجْدَى عَلَيْهِ رُوحُهُ
إِذْ لَيْسَ يَأْتِيهِ لَهَا اسْتِجْدَاءُ٦٧
احْمَدْ عُفَاتَكَ لَا فُجِعْتَ بِفَقْدِهِمْ
فَلَتَرْكُ مَا لَمْ يَأْخُذُوا إِعْطَاءُ٦٨
لَا تَكْثُرُ الْأَمْوَاتُ كَثْرَةَ قِلَّةٍ
إِلَّا إِذَا شَقِيَتْ بِكَ الْأَحْيَاءُ٦٩
وَالْقَلْبُ لَا يَنْشَقُّ عَمَّا تَحْتَهُ
حَتَّى تَحُلَّ بِهِ لَكَ الشَّحْنَاءُ٧٠
لَمْ تُسْمَ يَا هَارُونُ إِلَّا بَعْدَمَا اقـْ
ـتَرَعَتْ وَنَازَعَتِ اسْمَكَ الْأَسْمَاءُ٧١
فَغَدَوْتَ وَاسْمُكَ فِيكَ غَيْرُ مُشَارَكٍ
وَالنَّاسُ فِيمَا فِي يَدَيْكَ سَوَاءُ٧٢
لَعَمَمْتَ حَتَّى الْمُدْنُ مِنْكَ مِلَاءُ
وَلَفُتَّ حَتَّى ذَا الثَّنَاءُ لَفَاءُ٧٣
وَلَجُدْتَ حَتَّى كِدْتَ تَبْخَلُ حَائِلًا
لِلْمُنْتَهَى وَمِنَ السُّرُورِ بُكَاءُ٧٤
أَبَدَأْتَ شَيْئًا مِنْكَ يُعْرَفُ بَدْؤُهُ
وَأَعَدْتَ حَتَّى أُنْكِرَ الْإِبْدَاءُ٧٥
فَالْفَخْرُ عَنْ تَقْصِيرِهِ بِكَ نَاكِبٌ
وَالْمَجْدُ مِنْ أَنْ تُسْتَزَادُ بَرَاءُ٧٦
فَإِذَا سُئِلْتَ فَلَا لِأَنَّكَ مُحْوَجٌ
وَإِذَا كُتِمْتَ وَشَتْ بِكَ الْآلَاءُ٧٧
وَإِذَا مُدِحْتَ فَلَا لِتَكْسِبَ رِفْعَةً
لِلشَّاكِرِينَ عَلَى الْإِلَهِ ثَنَاءُ٧٨
وَإِذَا مُطِرْتَ فَلَا لِأَنَّكَ مُجْدِبٌ
يُسْقَى الْخَصِيبُ وَتُمْطَرُ الدَّأْمَاءُ٧٩
لَمْ تَحْكِ نَائِلَكَ السَّحَابُ وَإِنَّمَا
حُمَّتْ بِهِ فَصَبِيبُهَا الرُّحَضَاءُ٨٠
لَمْ تَلْقَ هَذَا الْوَجْهَ شَمْسُ نَهَارِنَا
إِلَّا بِوَجْهٍ لَيْسَ فِيهِ حَيَاءُ٨١
فَبِأَيِّمَا قَدَمٍ سَعَيْتَ إِلَى الْعُلَا
أُدُمُ الْهِلَالِ لِأَخْمَصَيْكَ حِذَاءُ٨٢
وَلَكَ الزَّمَانُ مِنَ الزَّمَانِ وِقَايَةٌ
وَلَكَ الْحِمَامُ مِنَ الْحِمَامِ فِدَاءُ٨٣
لَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَا الْوَرَى اللَّذْ مِنْكَ هُو
عَقِمَتْ بِمَوْلِدِ نَسْلِهَا حَوَّاءُ٨٤
وغنى المغني في دار الأمير أبي محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج فأحسن فقال:
مَاذَا يَقُولُ الَّذِي يُغَنِّي
يَا خَيْرَ مَنْ تَحْتَ ذِي السَّمَاءِ٨٥
شَغَلْتَ قَلْبِي بِلَحْظِ عَيْنِي
إِلَيْكَ عَنْ حُسْنِ ذَا الْغِنَاءِ٨٦
وبنى كافور دارًا بإزاء الجامع الأعلى على البركة، وطالب أبا الطيب بذكرها فقال:
إِنَّمَا التَّهْنِئَاتُ لِلْأَكْفَاءِ
وَلِمَنْ يَدَّنِي مِنَ الْبُعَدَاءِ٨٧
وَأَنا مِنْكَ لَا يُهَنِّئُ عُضْوٌ
بِالْمَسَرَّاتِ سِائِرَ الْأَعْضَاءِ٨٨
مُسْتَقِلٌّ لَكَ الدِّيَارُ وَلَوْ كَا
نَ نُجُومًا آجُرُّ هَذَا الْبِنَاءِ٨٩
وَلَوَ انَّ الَّذِي يَخِرُّ مِنَ الْأَمـْ
ـوَاهِ فِيهَا مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءِ٩٠
أَنْتَ أَعْلَى مَحَلَّةً أَنْ تُهَنَّى
بِمَكَانٍ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ٩١
وَلَكَ النَّاسُ وَالْبِلَادُ وَمَا يَسـْ
ـرَحُ بَيْنَ الْغَبْرَاءِ وَالْخَضْرَاءِ٩٢
وَبَسَاتِينُكَ الْجِيَادُ وَمَا تَحـْ
ـمِلُ مِنْ سَمْهَرِيَّةٍ سَمْرَاءِ٩٣
إِنَّمَا يَفْخَرُ الْكَرِيمُ أَبُو الْمِسـْ
ـكِ بِمَا يَبْتَنِي مِنَ الْعَلْيَاءِ٩٤
وَبِأَيَّامِهِ الَّتِي انْسَلَخَتْ عَنـْ
ـهُ وَمَا دَارُهُ سِوَى الْهَيْجَاءِ٩٥
وَبِمَا أَثَّرَتْ صَوَارِمُهُ الْبِيـ
ـضُ لَهُ فِي جَمَاجِمِ الْأَعْدَاءِ٩٦
وَبِمِسْكٍ يُكْنَى بِهِ لَيْسَ بِالْمِسـْ
ـكِ وَلَكِنَّهُ أَرِيجُ الثَّنَاءِ٩٧
لَا بِمَا يَبْتَنِي الْحَوَاضِرُ فِي الرِّيـ
ـفِ وَمَا يَطَّبِي قُلُوبَ النِّسَاءِ٩٨
نَزَلَتْ إِذْ نَزَلْتَهَا الدَّارُ فِي أَحـْ
ـسَنَ مِنْهَا مِنَ السَّنَا وَالسَّنَاءِ٩٩
حَلَّ فِي مَنْبِتِ الرَّيَاحِينِ مِنْهَا
مَنْبِتُ الْمَكْرُمَاتِ وَالْآلَاءِ١٠٠
تَفْضَحُ الشَّمْسَ كُلَّمَا ذَرَّتِ الشَّمـْ
ـسُ بِشَمْسٍ مُنِيرَةٍ سَوْدَاءِ١٠١
إِنَّ فِي ثَوبِكَ الَّذِي الْمَجْدُ فِيهِ
لَضِيَاءً يُزْرِي بِكُلِّ ضِيَاءِ١٠٢
إِنَّمَا الْجِلْدُ مَلْبَسٌ وَابْيِضَاضُ النـْ
ـنَفْسِ خَيْرٌ مِنَ ابْيِضَاضِ الْقَبَاءِ١٠٣
كَرَمٌ فِي شَجَاعَةٍ وَذَكَاءٌ
فِي بَهَاءٍ وَقُدْرَةٌ فِي وَفَاءِ١٠٤
مَنْ لِبِيضِ الْمُلُوكِ أَنْ تُبْدِلَ اللَّوْ
نَ بِلَوْنِ الْأُسْتَاذِ وَالسَّحْنَاءِ١٠٥
فَتَرَاهَا بَنُو الْحُرُوبِ بِأَعْيَا
نٍ تَرَاهُ بِهَا غَدَاةَ اللِّقَاءِ١٠٦
يَا رَجَاءَ الْعُيُونِ فِي كُلِّ أَرْضٍ
لَمْ يَكُنْ غَيْرَ أَنْ أَرَاكَ رَجَائِي
وَلَقَدْ أَفْنَتِ الْمَفَاوِزُ خَيْلِي
قَبْلَ أَنْ نَلْتَقِي وَزَادِي وَمَائِي١٠٧
فَارْمِ بِي مَا أَرَدْتَ مِنِّي فَإِنِّي
أَسَدُ الْقَلْبِ آدَمِيُّ الرُّوَاءِ١٠٨
وَفُؤَادِي مِنَ الْمُلُوكِ وَإِنْ كَا
نَ لِسَانِي يُرَى مِنَ الشُّعَرَاءِ١٠٩
وقال يذكر خروجه من مصر وما لقي في طريقه، ويهجو كافورًا:
أَلَا كُلُّ مَاشِيَةِ الْخَيْزَلَى
فِدَا كُلِّ مَاشِيَةِ الْهَيْذَبَى١١٠
وَكُلُّ نَجَاةٍ بِجَاوِيَّةٍ
خَنُوفٍ وَمَا بِي حُسْنُ الْمِشَى١١١
وَلَكِنَّهُنَّ حِبَالُ الْحَيَاةِ
وَكَيْدُ الْعُدَاةِ وَمَيْطُ الْأَذَى١١٢
ضَرَبْتُ بِهَا التِّيهَ ضَرْبَ الْقِمَا
رِ إِمَّا لِهَذَا وَإِمَّا لِذَا١١٣
إِذَا فَزِعَتْ قَدَّمَتْهَا الْجِيَادُ
وَبِيضُ السُّيُوفِ وَسُمْرُ الْقَنَا١١٤
فَمَرَّتْ بِنَخْلٍ وَفِي رَكْبِهَا
عَنِ الْعَالَمِينَ وَعَنْهُ غِنَى١١٥
وَأَمْسَتْ تُخَيِّرُنَا بِالنِّقَا
بِ وَادِي الْمِيَاهِ وَوَادِي الْقُرَى١١٦
وَقُلْنَا لَهَا أَيْنَ أَرْضُ الْعِرَاقِ
فَقَالَتْ وَنَحْنُ بِتُرْبَانَ هَا١١٧
وَهَبَّتْ بِحِسْمَى هُبُوبَ الدَّبُو
رِ مُسْتَقْبِلَاتٍ مَهَبَّ الصَّبَا١١٨
رَوَامِي الْكِفَافِ وَكِبْدِ الْوِهَادِ
وَجَارِ الْبُوَيْرَةِ وَادِي الْغَضَى١١٩
وَجَابَتْ بُسَيْطَةَ جَوْبَ الرِّدَا
ءِ بَيْنَ النَّعَامِ وَبَيْنَ الْمَهَا١٢٠
إِلَى عُقْدَةِ الْجَوْفِ حَتَّى شَفَتْ
بِمَاءِ الْجَرَاوِيِّ بَعْضَ الصَّدَى١٢١
وَلَاحَ لَهَا صَوَرٌ وَالصَّبَاحَ
وَلَاحَ الشَّغُورُ لَهَا وَالضُّحَى١٢٢
وَمَسَّى الْجُمَيْعِيَّ دِئْدَاؤُهَا
وَغَادَى الْأَضَارِعَ ثُمَّ الدَّنَا١٢٣
فَيَا لَكَ لَيْلًا عَلَى أَعْكُشٍ
أَحَمَّ الْبِلَادِ خَفِيَّ الصُّوَى١٢٤
وَرَدْنَا الرُّهَيْمَةَ فِي جَوْزِهِ
وَبَاقِيهِ أَكْثَرُ مِمَّا مَضَى١٢٥
فَلَمَّا أَنَخْنَا رَكَزْنَا الرِّمَا
حَ فَوْقَ مَكَارِمِنَا وَالْعُلَا١٢٦
وَبِتْنَا نُقَبِّلُ أَسْيَافَنَا
وَنَمْسَحُهَا مِنْ دِمَاءِ الْعِدَا١٢٧
لِتَعْلَمَ مِصْرُ وَمَنْ بِالْعِرَاقِ
وَمَنْ بِالْعَوَاصِمِ أَنِّي الْفَتَى١٢٨
وَأَنِّي وَفَيْتُ وَأَنِّي أَبَيْتُ
وَأَنِّي عَتَوْتُ عَلَى مَنْ عَتَا١٢٩
وَمَا كُلُّ مَنْ قَالَ قَوْلًا وَفَى
وَلَا كُلُّ مَنْ سِيمَ خَسْفًا أَبَى١٣٠
وَلَا بُدَّ لِلْقَلْبِ مِنْ آلَةٍ
وَرَأْيٍ يُصَدِّعُ صُمَّ الصَّفَا١٣١
وَمَنْ يَكُ قَلْبٌ كَقَلْبِي لَهُ
يَشُقُّ إِلَى الْعِزِّ قَلْبَ التَّوَى١٣٢
وَكُلُّ طَرِيقٍ أَتَاهُ الْفَتَى
عَلَى قَدَرِ الرِّجْلِ فِيهِ الْخُطَا١٣٣
وَنَامَ الْخُوَيْدِمُ عَنْ لَيْلِنَا
وَقَدْ نَامَ قَبْلُ عَمًى لَا كَرَى١٣٤
وَكَان عَلَى قُرْبِنَا بَيْنَنَا
مَهَامِهُ مِنْ جَهْلِهِ وَالْعَمَى١٣٥
لَقَدْ كُنْتُ أَحْسِبُ قَبْلَ الْخَصِيـْ
ـيِ أَنَّ الرُّءُوسَ مَقَرُّ النُّهَى١٣٦
فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَى عَقْلِهِ
رَأَيْتُ النُّهَى كُلَّهَا فِي الْخُصَى١٣٧
وَمَاذَا بِمِصْرَ مِنَ الْمُضْحِكَاتِ
وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالْبُكَا١٣٨
بِهَا نَبَطِيٌّ مِنَ اهْلِ السَّوَادِ
يُدَرِّسُ أَنْسَابَ أَهْلِ الْفَلَا١٣٩
وَأَسْوَدُ مِشْفَرُهُ نِصْفُهُ
يُقَالُ لَهُ أَنْتَ بَدْرُ الدُّجَى١٤٠
وَشِعْرٍ مَدَحْتُ بِهِ الْكَرْكَدَنَّ
بَيْنَ الْقَرِيضِ وَبَيْنَ الرُّقَى١٤١
فَمَا كَانَ ذَلِكَ مَدْحًا لَهُ
وَلَكِنَّهُ كَانَ هَجْوَ الْوَرَى١٤٢
وَقَدْ ضَلَّ قَوْمٌ بِأَصْنَامِهِمْ
فَأَمَّا بِزِقِّ رِيَاحٍ فَلَا١٤٣
وَتِلْكَ صُمُوتٌ وَذَا نَاطِقٌ
إِذَا حَرَّكُوهُ فَسَا أَوْ هَذَى١٤٤
وَمَنْ جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ
رَأَى غَيْرُهُ مِنْهُ مَا لَا يَرَى١٤٥
وعاب قوم عليه علوَّ الخيام، فقال١٤٦:
لَقَدْ نَسَبُوا الْخِيَامَ إِلَى عَلَاءِ
أَبَيْتُ قَبُولَهُ كُلَّ الْإِبَاءِ١٤٧
وَمَا سَلَّمْتُ فَوْقَك لِلثُّرَيَّا
وَلَا سَلَّمْتُ فَوْقَكَ لِلسَّمَاءِ١٤٨
وَقَدْ أَوْحَشْتَ أَرْضَ الشَّامِ حَتَّى
سَلَبْتَ رُبُوعَهَا ثَوْبَ الْبَهَاءِ١٤٩
تَنَفَّسُ وَالْعَوَاصِمُ مِنْكَ عَشْرٌ
فَتَعْرِفُ طِيبَ ذَلِكَ فِي الْهَوَاءِ١٥٠
وقال يهجو السامري١٥١:
أَسَامِرِيُّ ضُحْكَةَ كُلِّ رَاءِ
فَطِنْتَ وَأَنْتَ أَغْبَى الْأَغْبِيَاءِ١٥٢
صَغُرْتَ عَنِ الْمَدِيحِ فَقُلْتَ أُهْجَى
كَأَنَّكَ مَا صَغُرْتَ عَنِ الْهِجَاءِ١٥٣
وَمَا فَكَّرْتُ قَبْلَكَ فِي مُحَالِ
وَلَا جَرَّبْتُ سَيْفِي فِي هَبَاءِ١٥٤



