📰 آخر الأخبار
رئيس الشرطة/كينجي ميازاوا-ترجمة هدى العليروب السلام/وليام سدني بورتر-ترجمة عبد الله يحيى عبد المؤمنشرح ديوان المتنبي:قافية الزاي/عبد الرحمن البرقوقيرحل النهار/ بدر شاكر السيابحكاية البَغيِّ إيفيلين رو/برتولت بريختصباح ممطر - قصيدة للشاعر الامريكي جيمس وايتكومب ريلي/ترجمة سالم الياس مدالوحميد/بدر شاكر السيابأناهيت العالم/خزعل الماجديمديح العتمة/عارف عبد الرحمنالعولمة والثقافة/حميد المصباحيNightingale And Canary Of Luck By Salim Elias Madaloثمن الرصاصة/جليل إبراهيم المندلاويEfi Chantzouli/WHITE MORNING-Athensحكاية معادة / بقلم: جواني عبدالنهاية عظيمة/محمد مركحأزمات بنيوية وإسقاطات نوعية/حازم الشهابيبين قصيدتي وأنا/خديجة بنانيأصوات! (في جدليَّة الحياة وتراجيديا الأحياء) شِعر: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيشظايا السلطة والمسؤولية/بلعربي خالدرواية "أشيرا" للروائي مروان عبد العال/وفاء حميدمسلسل "الثمن": بين جاذبية الميلودراما وإشكالية المقايضة الأخلاقية/د.ازهر سليمانضباب الحديقة / عبد الرزاق الصغير-الجزائرثلاث قصائد سيجو زن للكوري تشو أوه - هيون /ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالعين ثالثة - نورا عثمانغياب المنطق وغلبة الشاشة/ملفينا توفيق أبو مراد / لبنان
رئيس الشرطة/كينجي ميازاوا-ترجمة هدى العليروب السلام/وليام سدني بورتر-ترجمة عبد الله يحيى عبد المؤمنشرح ديوان المتنبي:قافية الزاي/عبد الرحمن البرقوقيرحل النهار/ بدر شاكر السيابحكاية البَغيِّ إيفيلين رو/برتولت بريختصباح ممطر - قصيدة للشاعر الامريكي جيمس وايتكومب ريلي/ترجمة سالم الياس مدالوحميد/بدر شاكر السيابأناهيت العالم/خزعل الماجديمديح العتمة/عارف عبد الرحمنالعولمة والثقافة/حميد المصباحيNightingale And Canary Of Luck By Salim Elias Madaloثمن الرصاصة/جليل إبراهيم المندلاويEfi Chantzouli/WHITE MORNING-Athensحكاية معادة / بقلم: جواني عبدالنهاية عظيمة/محمد مركحأزمات بنيوية وإسقاطات نوعية/حازم الشهابيبين قصيدتي وأنا/خديجة بنانيأصوات! (في جدليَّة الحياة وتراجيديا الأحياء) شِعر: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيشظايا السلطة والمسؤولية/بلعربي خالدرواية "أشيرا" للروائي مروان عبد العال/وفاء حميدمسلسل "الثمن": بين جاذبية الميلودراما وإشكالية المقايضة الأخلاقية/د.ازهر سليمانضباب الحديقة / عبد الرزاق الصغير-الجزائرثلاث قصائد سيجو زن للكوري تشو أوه - هيون /ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالعين ثالثة - نورا عثمانغياب المنطق وغلبة الشاشة/ملفينا توفيق أبو مراد / لبنان
دراسات أدبية

شرح ديوان المتنبي: قافية الهمزة /عبد الرحمن البرقوقي

وحسان: اسم رجل. والمعزى من الغنم: خلاف الضأن، والضمير فيه لحسان. وتئط: مضارع أط أي صوت جوفه من الجوع، ويقال: امتخط وتمخط أي استنثر. وفي سمن: متعلق بقوله: تتمخط، والسمن بسكون الميم وفتحها هنا للضرورة، والأقط: اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل، والضمير في بينهم لحسان باعتبار حيه وقبيلته، وأسعى بينهم: أي أتردد إليهم، وأختبط: أي أسأل معروفهم من غير وسيلة، وهذا يدل على كمال شحهم حيث كان ضيفًا عندهم لم يشبعوه مع أنه يعرض لمعروفهم. أما ألتبط في الرواية الأخرى فمعناه أعدو، يقال: التبط البعير؛ إذا ضرب بقوائمه الأرض. وقوله: حتى إذا جن الظلام واختلط، غاية لقوله: أسعى وألتبط. يريد ستر الظلام كل شيء. وصفهم بالشح وعدم إكرامهم الضيف، وبالغ في أنهم لم يأتوا بما أتوا به إلا بعد سعي، ومضى جانب من الليل ثم لم يأتوا إلا بلبن أكثره ماء.
أي جاءوا بضيح يقول من رآه: هل رأيت الذئب قط؟
(الضيح: اللبن المخلوط شبه لون الضيح بلون الذئب، والذئب يقال له أبو مذقة؛ لأن لونه يشبه لون المذق وهو الضيح.)

(٣٤) من لم يميز مبتدأ مؤخر، وهاجي نفسه خبر مقدم، والهراء الكلام الساقط الذي لا خير فيه. قال ذو الرمة:

لَهَا بَشَرٌ مِثْلُ الْحَرِيرِ وَمَنْطِقٌ

رَخِيمُ الْحَوَاشِي لَا هُرَاءٌ وَلَا نَزْرُ

يقول: إن من لم يفرق بين كلامي وبين كلامهم الساقط فإنما يهجو بذلك نفسه، وأنت أفطن من ألا تميز بينهما وإلا كنت قد هجوت نفسك.

(٣٥) أن تراني مُؤَوَّل بمصدر اسم أن، ومن العجائب جار ومجرور خبرها، وتعدل عطف على تراني، وأقل صفة لموصوف محذوف أي شيئًا أقل من الهباء، وعدله به ساواه، وأقل أخس، والهباء ما يرى في شعاع الشمس من دق الغبار، قال الشاعر:

بَرَانِي الْهَوَى بَرْيَ الْمُدَى وَأَذَابَنِي

صُدُودُكَ حَتَّى صِرْتُ أَنْحَلَ مِنْ أَمْسِ

فَلَسْتُ أَرَى حَتَّى أَرَاكَ وَإِنَّمَا

يَبِينُ هَبَاءُ الذَّرِّ فِي أَلقِ الشَّمْسِ

يقول: من العجب أن تراني وتعرفني، ثم تسوي بيني وبين خسيس أدق من الهباء يريد غيره من الشعراء.

(٣٦) سهيل نجم تزعم العرب أنه إذا طلع وقع الوباء في الأرض وكثر الموت، والزنا يمد ويقصر، يقول: ومن العجائب أن تنكر موت حسادي وأنا الطالع عليهم بموتهم كما يطلع سهيل، ومن ثم يموت أولاد الزنا حسدًا لي.

(٣٧) قال بعض أفاضلنا المعاصرين في فصل من كتاب له ما ملخصه: «هذه القصيدة تنبئنا بأن الشاعر قد أقبل يمدح أبا علي الأوراجي من بعيد وقد جاز إليه جبل لبنان … وأكبر الظن أن الأوراجي هذا كان متصلًا بعمل من أعمال ابن رائق قريبًا من بدر بن عمار في طبرية أو بعيدًا عنه بعض الشيء في دمشق. فأقبل المتنبئ من شمال الشام إلى جنوبها بعد أن جلت عنه جنود الإخشيد حتى انتهى إلى صاحبه هذا فمدحه بقصيدتين؛ إحداهما: هذه الهمزية، والأخرى: أرجوزة طردية» انظر الأرجوزة التي يقول في مطلعها:

وَمَنْزِلٍ لَيْسَ لَنَا بِمَنْزِلِ

وَلَا لِغَيْرِ الْغَادِيَاتِ الْهطل

وللهمزية فيما أرى مكانة خاصة من شعر المتنبي فهي القصيدة الوحيدة التي يعمد فيها الشاعر إلى المذهب الرمزي؛ ليرضي ممدوحه الذي كان يذهب مذهب التصوف، وهي من هذه الجهة قيمة؛ لأنها تبين عن علم المتنبي — في الخامسة والعشرين من عمره — بمذاهب المتصوفة في الكلام، ومنهجهم في الرمز والإيماء، ولأنها تظهر لنا الشاعر الفتى وقد ملك ناصية الفن حقًّا، إلى أن قال: ولست أدري أكان الأوراجي هذا قريبًا أم بعيدًا من بدر بن عمار، ولكن المتنبي أقام معه حينًا على كل حال كما تدل على ذلك طرديته، ثم اتصل من طريق الأوراجي هذا فيما أرى ببدر فلا تسل عن فرحته وابتهاج نفسه بالغبطة والرضى. ا.ﻫ ملخصًا.

(٣٨) أمِنَ فعل، والرقباء فاعل، وازديارك مفعول مقدم، وإذ تعليلية، وأنت ضياء مبتدأ وخبر أضيفت حيث الظرفية إلى جملتهما، ومن في من الظلام للبدل، ويروى: إذ حيث كنت … قال الواحدي: فتكون ضياء مبتدأ محذوف الخبر؛ أي ضياء هناك، وكان تامة في معنى حصلت ووقعت فليس لها خبر، وقال آخرون ضياء مبتدأ، وحيث كنت من الظلام خبره، وإذ مضافة إلى هذه الجملة، ومن الظلام حال من حيث تقديره إذ ضياء بمكان كونك وحصولك من الظلام، ويجوز رفع حيث على الابتداء ونقله عن الظرفية … والازديار افتعال من الزيارة، والدجى الظلمة، يقول: إن الرقباء قد أمنوا أن تزوروني ليلًا؛ لأنك إذا زرتني في الظلام أضاء بك وأنار؛ لأنك ضياء يهتك الظلام، وإذ ذاك تفتضحين، وهذا ينظر إلى قول علي بن جبلة العكوك:

بِأَبِي مَنْ زَارَنِي مُكْتَتِمًا

حَذِرًا مِنْ كُلِّ وَاشٍ فَزِعَا

طَارِقًا نَمَّ عَلَيْهِ نُورُهُ

كَيْفَ يُخْفِي اللَّيْلُ بَدْرًا طَلَعَا

رَصَدَ الْخَلْوَةَ حَتَّى أَمْكَنَتْ

وَرَعَى السَّامِرَ حَتَّى هَجَعَا

كَابَدَ الْأَهْوَالَ فِي زَوْرَتِهِ

ثُمَّ مَا سَلَّمَ حَتَّى وَدَّعَا

(٣٩) قلق مبتدأ، وهتكها خبره، ومسيرها عطف على قلق محذوف الخبر للعلم به، والواو في وهي مسك وهي ذكاء للحال، والمراد بقلقها اضطرابها وحركتها، والمسك طيب من دم دابة كالظبي تدعى غزال المسك، وهتكها أي انتهاكها، وذكاء اسم للشمس لا ينصرف. يقول: إن المليحة مسك فإذا تحركت انتهك سترها وافتضح بتضوع رائحتها، وهي شمس فإذا سارت ليلًا رآها الناس، ومثل هذا المعنى كثير في شعر المحدثين قال البحتري:

وَحَاوَلْنَ كِتْمَانَ التَّرَحُّلِ فِي الدُّجَى

فَنَمَّ بِهِنَّ الْمِسْكُ حِينَ تَضَوَّعَا

وقال:

وَكَانَ الْعَبِيرُ بِهَا وَاشِيًا

وَجَرْسُ الْحُلِيِّ عَلَيْهَا رَقِيبَا

وقال أبو المطاع ابن ناصر الدولة:

ثَلَاثَةٌ مَنَعَتْهَا مِنْ زِيَارَتِنَا

وَقَدْ دَجَا اللَّيْلُ خَوْفَ الْكَاشِحِ الْحَنِقِ

ضَوْءُ الْجَبِينِ وَوَسْوَاسُ الْحُلِيِّ وَمَا

يَفُوحُ مِنْ عَرَقٍ كَالْعَنْبَرِ الْعَبِقِ

هَبِ الْجَبِينَ بِفَضْلِ الْكُمِّ تَسْتُرُهُ

وَالْحَلْيَ تَنْزِعُهُ مَا الشَّأْنُ فِي الْعَرَقِ

هذا، وقد قال ابن فوزجه: الهتك مصدر متعد، ولو أتى بمصدر لازم بأن قال انهتاكها؛ لكان أقرب إلى الفهم، ولكنه راعى الوزن. قال: وقوله وهي مسك زيادة على كثير من الشعراء؛ إذ لم يجعل هتكها من قبل الطيب الذي استعملته، بل جعل المسك نفسها فكأنه من قول امرئ القيس:

وَجَدْتُ بِهَا طِيبًا وَإِنْ لَمْ تَطَيَّبِ

وقول الآخر:

دُرَّةٌ كَيْفَمَا أُدِيرَتْ أَضَاءَتْ

وَمِشَمٌّ مِنْ حَيْثُمَا شُمَّ فَاحَا

ومثله قول بشار:

وَتَوَقَّ الطِّيبَ لَيْلَتَنَا

إِنَّهُ وَاشٍ إِذَا سَطَعَا

(٤٠) أسفي على أسفي مبتدأ وخبر وخفاء مبتدأ، وبه من فيه جار ومجرور خبره والأسف الحزن، والمدله الذي أذهب العشق عقله وأذهله. يقول: إنني آسف على أن شغلتني عن معرفة الأسف حتى خفي عليَّ ما هو إذ عصفت بلبي يعني: إنني أحزن لذهاب عقلي لما لقيت في هواك من البرح والشدة حتى لقد خفي على حزني الذي إنما يدرك باللب وليس لي الآن لب، أو تقول: إنه كان يتأسف على زمان وصالها فلما أمعنت في الهجر ذهب لبه حتى صار لا يعرف الأسف فأخذ يأسف على ذلك الأسف؛ لأنه كان إذ ذاك عاقلًا، أما الآن فلا عقل له.

(٤١) الشكية والشكاة والشكوى والشكاية واحد. يقول: إنما أشكو عدم السقم؛ لأن السقم إنما كان حين كانت لي أعضاء يعروها السقام فأحسه بأعضائي فإذا طاحت الأعضاء من جراء الجهد الذي أدركني في هواك لم يبق ثم ما ينزل به السقم، وهذا المعنى أوضحه البستي بقوله:

وَلَوْ أَبْقَى فِرَاقُكَ لِي فُؤَادًا

وَجَفْنًا كُنْتُ أَجْزَعُ مِنْ سُهَادِي

وَلَكِنْ لَا رُقَادَ بِغَيْرِ جَفْنٍ

كَمَا لَا وَجْدَ إِلَّا بِالْفُؤَادِ

«وأما بعد» فلا تنس أن أبا الطيب إنما يقول هذه القصيدة لرجل يعرف أنه يذهب مذهب المتصوفة، ومن ثم تراه ينهج منهجهم في العبارة والتفكير وبالحري ما يشبه أن يكون رمزًا وغموضًا.

(٤٢) جراحة مفعول ثانٍ لمثلت أو تمييز، وقوله: فتشابها أي العين والجراحة، ولم يقل تشابهتا حملًا على المعنى كأنه قال فتشابه الأمران كما قال:

إِنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوءَةَ ضُمِّنَا

قَبْرًا بِمَرْوَ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ

ومثلت صورت، والجراحة الجرح، والنجلاء الواسعة، يقول: لما نظرت إلي صورت في قلبي مثال عينك جرحًا واسعًا فتشابهت عينك وذلك الجرح في الاتساع.

(٤٣) نفذت أي العين، والسابري الدرع المحكمة الدقيقة النسج نسبة إلى سابور، ويقال للثياب الرقيقة سابرية، قال ذو الرمة:

فَجَاءَتْ بِنَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ كَأَنَّهُ

عَلَى عَصَوَيْهَا سَابِرِيٌّ مُشَبْرقُ

(مشبرق: ممزق.)
والصعدة القناة التي تنبت معتدلة فلا تحتاج إلى تقويم يقول — إذا كان يريد بالسابري الدرع — اخترقت عينك الدرع إلى قلبي فلم تحصنه الدرع من نظرتها مع أنها تحصنه من الرمح، وإذا كان المراد بالسابري الثياب يكون المعنى أن عينك نفذت إلى قلبي فجرحته، وربما كان الرمح يندق قبل وصوله إلي لمكاني من الشجاعة والشجاع موقى والأول أظهر.

(٤٤) صخرة الوادي في العادة صلبة بما يتعاورها من السيول، ومن ثم جعلت مثلًا في الثبات؛ لأن السيول تجرف ما حولها ولا تستطيع اقتلاعها، والجوزاء من أبراج الفلك، يقول: إذا زوحمت لم يقدر على إزالتي عن موضعي كصخرة الوادي، وإذا نطقت كنت في علو المنطق كالجوزاء، وقال الواحدي: ويقال إن الجوزاء بيت عطارد فيكون المعنى: مني تستفاد البراعات ويقتبس الفضل كما أن الجوزاء تعطي من يولد فيها البراعة والنطق.

(٤٥) الغبي: الغافل القليل الفطنة، وقوله فعاذر؛ أي فأنا عاذر فهو خبر عن محذوف، والمقلة: العين، يقول: إذا خفي مكاني على الغبي فلم يعرف قدري، ولم يقر بفضلي، فأنا عاذر له؛ لأنه كالأعمى الذي لا يرى الأشياء والأعمى معذور فكذلك الغبي الجاهل، وهذا المعنى ينظر إلى قول ذي الرمة يمدح عمر بن هبيرة:

حَتَّى بَهَرْتَ فَمَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ

إِلَّا عَلَى أَكْمَهٍ لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا

(قبله:

مَا زِلْتَ فِي دَرَجَاتِ الْأَمْرِ مُرْتَقِيًا

تَنْمَى وَتَسْمُو بِكَ الْفَرْعَانِ مِنْ مُضَرَا

قال ابن بري: الذي أورده الجوهري وقد بهرت، وصوابه حتى بهرت أي علوت كل من يفاخرك فظهرت عليه، وقوله على أحد: أحد ها هنا بمعنى واحد؛ لأن أحدًا المستعمل بعد النفي في قولك: ما أحد في الدار لا يصح استعماله في الواحد.)

(٤٦) صدري يريد أصدري، فحذف همزة الاستفهام لدلالة أم البيداء عليها، والبيداء الفلاة سميت كذلك؛ لأن الشأن فيمن سلكها أن يبيد، والشيمة العادة، وشككه حمله على الشك، وأفضى من الفضاء وهو الاتساع، يقول: عادة الليالي أن تبعد علي طلبتي فترميني بطول الأسفار حتى تحمل ناقتي على الشك في، أصدري بها لو جعل مكان البيداء أم البيداء أفضى؟ لما ترى من سعة صدري، وأناتي، وتجلدي، وصبري على المشقات والأسفار، وهذا المعنى هو الظاهر، وهو ما ذهب إليه ابن جني، ولكن الواحدي كما قال العكبري نقلًا عنه لم يرتضه، قال: هذا إنما يصح لو لم يكن في البيت بها، وإذا رددت الكناية «أي الضمير في بها» إلى الليالي بطل ما قال؛ لأن المعنى: صدري بالليالي وحوادثها وما تورده علي من مشقة الأسفار وقطع المفاوز أوسع من البيداء، وناقتي تشاهد ما أقاسي من السفر وصبري عليه فيقع لها الشك في أن صدري أوسع أم البيداء، وعلى هذا أفضى أفعل كما يقال أوسع، وقال قوم: إن الكناية تعود على الناقة، ومعنى أفضى بها أي أدى بها إلى الهزال صدري أم البيداء؟ فمرة تقول؛ أي الناقة لولا سعة صدره من حيث الهمة وبعد المطلب، لما أتعبني بالسفر، ومرة تقول البيداء هي التي تذهب لحمي، وتودي بي إلى الهزال، وعلى هذا أفضى فعل، ويجوز أن يكون اسمًا وإن عادت الكناية إلى الناقة، والمعنى: أن ناقتي قوية نجيبة يضن بمثلها، وهي ترى إتعابي إياها، واستنادي عليها في الأسفار فتقول صدري أوسع بي حيث طابت نفسه في إهلاكي أم البيداء؟ أي لولا أن له صدرًا في السعة كالبيداء لم تطب نفسه بإهلاكي. قال الواحدي: والقول هو الأول وهو رد الكناية إلى الليالي «هذا» وتشبيه الصدر بالبيداء في السعة معنى قد اعتوره الشعراء. قال أبو تمام:

وَرَحْبُ صَدْرٍ لَوَ انَّ الْأَرْضَ وَاسِعَةٌ

كَوسْعِهِ لَمْ يَضِقْ عَنْ أَهْلِهِ بَلَدُ

وقال البحتري:

كَرِيمٌ إِذَا ضَاقَ الزَّمَانُ فَإِنَّهُ

يَضِلُّ الْفَضَاءُ الرَّحْبُ فِي صَدْرِهِ الرَّحْبِ

(٤٧) الإسآد إدمان السير أو سير الليل خاصة والنيي الشحم والسمن، والإنضاء مصدر أنضاه ينضيه إذا هزله، والمهمه الصحراء، ومسئدًا حال من ضمير تسئد العائد على الناقة وهو اسم فاعل فاعله الإنضاء، وأسآدها مفعول مطلق عامله مسئدًا، وتقدير البيت: تبيت هذه الناقة تسئد مسئدًا الإنضاء في نيها إسآدًا مثل إسآدها في المهمه، يقول: تبيت ناقتي تسير سائرًا في جسدها الهزال مثل سيرها في الصحراء، وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام:

رَعَتْهُ الْفَيَافِي بَعْدَمَا كَانَ حِقْبَةً

رَعَاهَا وَمَاهُ الرَّوْضِ ينَهَلُّ سَاكِبُهْ

(٤٨) الأنساع جمع نسع، وهو سير كهيئة العنان يشد به الرحل، والمغط المد، وذلك كناية عن عظم بطن الناقة حين امتدت أنساعها فطالت، وخفافها منكوحة أي مثقوبة بالحصى، وكنى بهذا عن وعورة الطريق، ومنكوحة أي مدمية من الحصى، واستعار النكاح؛ لوطئها الأرض وإدماء الحصى إياها، وطريقها عذراء أي لم تسلك قبلها، وأصل العذراء التي لم تفتض، ومن طريف ما ذكره الشراح هنا ما أورده العكبري قال: قال الشيخ أبو محمد عبد المنعم بن صالح النحوي عند قراءتي عليه هذا الديوان ومذ وصلت إلى هذا البيت: سألني الملك الكامل أبو المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب ملك الديار المصرية والشام والحرمين عن هذا البيت في قوله وطريقها عذراء فقلت له: يريد أنها صعبة لم تسلك، فقال لي: هذا يدل على أن الممدوح لا يعرف، ولا له ذكر ولا نائل؛ لأن الطريق إليه عذراء لم تطرق، والممدوح إذا كان له عطاء وذكر ويعرفه القصاد، كانت الطريق إليه لا تنقطع … ولقد أحسن في هذا النقد.

(٤٩) الخريت الدليل، سمى خريتًا لاهتدائه في الطرق الخفية كخرت الإبرة كأنه يعرف كل ثقب في الصحراء، والتوى الهلاك، والحرباء دويبة على شكل سام أبرص ذات قوائم أربع دقيقة الرأس مخططة الظهر تستقبل الشمس وتكون معها كيف دارت وتتلون ألوانًا بحر الشمس. يقول: إن هذه الأرض طريقها صعبة يتلون الدليل فيها خوف الهلاك كما يتلون الحرباء، ويتغير لونه، فهو يدور يمينًا وشمالًا لطلب الطريق، وفي هذا المعنى يقول هدبة:

يَظَلُّ بِهَا الْهَادِي يُقَلِّبُ طَرْفَهُ

مِنَ الْهَوْلِ يَدْعُو وَيْلَهُ وَهْوَ لَاهِفُ

ويقول الطرماح:

إِذَا اجْتَابَهَا الْخِرِّيتُ قَالَ لِنَفْسِهِ

أَتَاكَ بِرَحْلِي حَائِنٌ بَعْدَ حَائِنِ

(٥٠) شم الجبال: بدل من «قوله مثله»، ونصب مثلهن على الحال؛ لأنه نعت للنكرة المرفوعة فقدم عليها فنصب على الحال كقولك: فيها قائمًا رجل، وكقول ذي الرمة:

وَتَحْتَ الْعَوَالِي وَالْقَنَا مُسْتَظِلَّةً

ظِبَاءٌ أَعَارَتْهَا الْعُيُونُ الْجَآذِرُ

يقول: بيني وبين هذا الممدوح جبال مرتفعة مثله، ورجاء عظيم كهذه الجبال.

(٥١) وعقاب عطف على شم الجبال، وعقاب جمع عقبة وهي المرتقى الصعب من الجبل، والباء في بقطعها متعلقة بمحذوف تقديره: وكيف أقوم بقطعها أو كيف الظن مثلًا، وكيف استفهام في المعنى الإنكاري، وواو «وهو الشتاء» للحال والضمير ضمير الشأن، يقول: وكذلك بيني وبينه عقاب جبل لبنان، وكيف أستطيع قطعها والوقت شتاء وصيفها مثل الشتاء فكيف شتاؤها؟!

(٥٢) لبس الشيء ولبسه عماه، قال تعالى: وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ والضمير في بها للعقاب، والضمير في كأنها للثلوج أو للمسالك وباء ببياضها متعلقة بمعنى كأن أي التشبيه، يقول: إن الثلوج في هذه الجبال أخفت على طرقي فلم أهتد؛ لكثرتها وبياضها، فكأنها اسودت اسوداد الليل إذا ضللت فيها؛ لأن الأسود لا يهتدي فيه، وهذا معنى حسن كما ترى.

(٥٣) النضار الذهب، والنضار أيضًا الخالص من كل شيء، وقام الماء جمد، ومعنى هذا البيت متصل بالذي قبله؛ لأنه يقول بياض الثلوج يعمي فقام مقام السواد، والبياض إذا عمل عمل السواد فقد نقض العادة كذلك الكريم إذا أقام ببلدة نقضت العادة، فيكون الذهب سائلًا والماء جامدًا، وإنما قال هذا؛ لأنه أتاه في الشتاء عند جمود الماء. يقول: إن الكريم إذا أقام ببلدة أعطى المال وتخرق في الكرم حتى لكأن المال ماء سائل، فلما رأى الماء هذا الكرم وقف متبلدًا متلددًا جامدًا، وهو تخيل بديع.

(٥٤) الأنواء فاعل رأته، ويجوز أن ترتفع الأنواء برأت وبهتت، وتتبجس على التنازع، وفاعل ترى يعود على القطار، ويروى بدل ترى رأى؛ أي القطار، ولكن ترى أحسن؛ لأن القطار مؤنثة، والقطار جمع قطر، وقطر جمع قطرة وهي المطر، وبهتت دهشت وتحيرت، وتتبجس تتفجر، والأنواء جمع نوء وهو سقوط نجم من الغرب وطلوع رقيبه من الشرق، وهي منازل القمر، والعرب تنسب إليها الأمطار يقولون: سقينا بنوء كذا، ويريد بجمود القطار الثلوج، يقول: إن المطر جمد لما رأى كرم هذا الممدوح ولو رأته الأنواء كما رآه المطر؛ لتحيرت ودهشت ولم تتفجر فلم تأت بمطر استعظامًا لما يأتيه وخجلًا من جوده.

(٥٥) المداد الحبر، والأهواء جمع هوى بالقصر وهو صبوة القلب يصفه بحسن الخط، يقول: كأن مداده من أهواء الناس فهم يحبون خطه ويميلون إليه شغفًا به وافتتانًا بحسنه، ويجوز أن يكون هذا كناية عن وصفه بالجود، يقول: لا يوقع إلا بالنوال ولذلك يهفو الناس إلى خطه، ويجوز أن يكون ذلك كناية عن طاعة الناس له أي إن كتبه تقوم مقام الجيوش؛ لأن الناس ينقادون إليه غريزة وطبعًا، ولعلَّ الأقرب أن الناس لحبهم إياه وشغفهم برؤيته يتهافتون على كل ما يكتبه؛ لأن فيه بعض ما يشتهون على حد قولهم: المكاتبة نصف المشاهدة.

(٥٦) قرة العين كناية عن السرور، قرت عينه بردت، ودمع الفرح بارد، والأقذاء جمع قذى وهو ما يقع في العين والشراب من تراب ونحوه، والمغيب الغيبة، يقول: كل عين تسر بقربه ورؤيته وتتأذى بغيبته فكأن غيبته قذى للعيون.

(٥٧) من بمعنى الذي خبر ضمير محذوف يرجع إلى الممدوح، وتقدير البيت: هو الذي يهتدي في الفعل إلى ما لا يهتدي الشعراء إليه في القول حتى يفعل هو، فضمير يفعل يعود إلى من، والشعراء فاعل تهتدي، يقول: إنما يقتدي الشعراء فيما يقولون من المدائح بأفعاله من المكارم والمساعي العظام، فإذا فعل هو تعلموا من فعله القول فحكوا ما فعله.

(٥٨) القافية القصيدة لأن بعضها يقفو بعضًا أي يتبعه أو تسمية للكل باسم البعض، يقول: إن الشعراء تتوارد عليه بالمدائح بالتوالي فهو لا ينفك عن الإصغاء حبًّا للشعر وارتياحًا إلى إعطاء الشعراء.

(٥٩) إغارة عطف على جولة، وما احتواه أي جمعه واقتناه من مال، والفيلق الكتيبة من الجيش أنثه فقال شهباء باعتبار معنى الجمع وكل جمع مؤنث، والشهباء التي غلب بياضها على سوادها، يعني صافية الحديد، يقول: وللقوافي كل يوم إغارة على ماله حتى لكأن كل بيت كتبية تنهب ما احتواه.

(٦٠) من بمعنى الذي خبر مبتدأ محذوف تقديره هو الذي يظلم … إلخ، واللئيم الخسيس الأصل والنفس ضد الكريم، ويصبحوا هنا تامة والجملة بعد حال، والأكفاء النظراء والأمثال، يقول: إن اللئام يحاولون التشبه به حسدًا له وهم لا يقدرون على ذلك فكأنه ظلمهم، إذ كلفهم أن يماثلوه ولكنهم لم يستطيعوا، قال الواحدي ما معناه: ليس في هذا كبير مدح ولقد كان أبلغ في المدح أن يقول: الكرماء بدل اللؤماء على أن مثل هذا المعنى وهو أنه أفضل من اللؤماء ولا يقدرون أن يكونوا، مثله مما لا يليق بمذهبه في إيثاره المبالغة، وروى الخوارزمي نظلم بالنون، وقال: إذا كلفنا اللئام أن يكونوا أكفاء له فقد ظلمناهم في تكليفهم ما لا يطيقون.

(٦١) ذامه كذمه، وقوله ونذيمهم مما يؤنس ما ذهب إليه الخوارزمي في روايته البيت السابق من نظلم بالنون، يقول المتنبي: ونحن نذم اللئام ولولاهم ما عرفنا فضله؛ لأن الأشياء إنما تتبين بأضدادها فلو كان الناس كلهم كرامًا لم يعرف فضله، وهذا المعنى قد تعاوره كثير من الشعراء قال بشار:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية