شرح ديوان المتنبي: قافية الهمزة /عبد الرحمن البرقوقي
هوامش
(١) وهذه هي أبيات أبي ذر المذكور، وكان شيخ سيف الدولة:
(٢) الضمير في مائه يعود على الجفن، وضمير جفنه يعود إلى القلب، وإضافة الجفن إلى القلب؛ لأنه أمير الأعضاء المهيمن عليها جميعًا، والمراد بمائه دموعه يقول: القلب أدرى منك أيها اللائم بدائه، وما أدركه من برح الهوى، فهو يلتمس شفاءه في البكاء، ويأمر الجفن به. وَإِنَّ شِفَائي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ. والقلب حقيق بأن يطاع؛ لأن له السلطان الأكبر، وأنت أيها العذول خليق بأن تعصى، ولا اكتراث لنهيك.
(٣) الفاء للعطف والواو للقسم، يقول: بحق من أحبه، وبحق حسنه، ونور وجهه لا أطعتك أيها اللائم فيه.
(٤) الاستفهام في أأحبه إنكاري. يقول: لا أجمع بين حبه وبين النهي عن حبه؛ لأن الملامة معناها النهي عن حبه، وقد ناقض بذلك قول أبي الشيص:
أَجِدُ الْمَلَامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيذَةً
حُبًّا لِذِكْركِ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ
وقال الواحدي: معنى قوله: إن الملامة فيه من أعدائه، أن صاحب الملامة أي اللائم هو من أعداء هذا الحبيب حين ينهى عن حبه، ومن أحب حبيبًا عادى عدوه، وهذا تكلف لا موجب له. فالمتنبي يقول: إن اللوم من أعداء حبيه، فلا يجمع بينه وبين حبه إياه؛ أي إنه لا يصغي للوم اللوام ولا يقبله.
(٥) وقولهم عطف على اللحاة، والوشاة جمع واشٍ، وهو النمام؛ لأنه يشي الكذب أي يزخرفه وينمقه من وشي الثوب، واللحاة جمع لاحٍ وهو العاذل أي اللائم. يقول: ليس هناك إلا واشٍ أو لاحٍ، فاللحاة يقولون دع هذا الحب الذي لا تطيق كتمانه، والوشاة يتعجبون من قولهم هذا قائلين إذا لم يطق كتمانه كان عن تركه أعجز. يعني: إنني وإن كنت ضعفت عن إخفاء هذا الحب بيد أنني لا أتركه.
(٦) الخل والخليل: الصديق، والطرف: العين، وسوى إذا قصرته كسرته وإذا مددته فتحته. يقول: ليس الصديق إلا من لا فرق بيني وبينه فإذا وددت فكأني أود بقلبه، وإذا نظرت فكأني أنظر بعينه، والمعنى صديقك من وافقك في كل شيء فيود ما وددت ويرى ما ترى، أو تقول: ما خليلي إلا الذي يبلغ الغاية من المودة فكأنه يود بقلبي، وقال بعضهم: المعنى: ليس لك خليل إلا نفسك، وهو كقوله:
خَلِيلُكَ أَنْتَ لَا مَنْ قُلْتَ خِلِّي
وَإِنْ كَثُرَ التَّجَمُّلُ وَالْكَلَامُ
(٧) الصبابة رقة الشوق، والأسى الحزن، والإخاء الأخوة، وربها أي صاحبها والضمير للصبابة. يقول: إن العاذل أراد أن يعينه على الصبابة، ويخلصه منها مستعينًا على ذلك باللوم والزجر فأحزنه بذكر ما يسوءه وكان أجدر في إعانته بأن يرحمه ويرثي لحاله ويؤاخيه في بلواه، أو تقول: إن الذي يعين على صاحب الصبابة بإيراد الحزن عليه بلومه إياه أولى بأن يرحمه فيشفق عليه ويؤاخيه، ويحتال في طلب الخلاص له من ورطة الهوى، وهذا في عراض قول أبي ذر المتقدم.
إِنْ كُنْتَ نَاصِحَهُ فَدَاوِ سِقَامَهُ
وجعل إيراده الحزن عليه عونًا على معنى أنه لا معونة عنده إلا هذا كقولهم: عتابك السيف، وحديثك الضرب، وقال الواحدي: يجوز أن يكون معنى قوله على الصبابة مع ما أنا فيه من الصبابة كقول الأعشى يمدح رجلًا:
تَضَيَّفْتُهُ يَوْمًا فَقَرَّبَ مَقْعَدِي
وَأَصْفَدَنِي عَلَى الزَّمانَةِ قَائِدَا
(الزمانة: العاهة.) أي أعطاني مع ما كنت أقاسيه من الزمانة قائدًا يقودني.
(٨) يقول: دع اللوم أيها اللائم فإني سقيم، واللوم يزيدني سقمًا على سقم، وترفق في لومك فإن السمع — والمراد الأذن — من أعضائي فلا تسمعها ما يزيدها سقمًا.
(٩) هب أي احسب، والكرى النعاس، والسهاد الأرق. قال ابن جني. المعنى اجعل ملامتك إياه في التذاذكها كالنوم في لذاذته فاطردها عنه بما عنده من الأرق والبكاء أي لا تجمع عليه اللوم والسهاد والبكاء أي فكما أن السهاد والبكاء قد أزالا نومه فلتزل ملامتك إياه، وقال الواحدي تعقيبًا على ما ذهب إليه ابن جني: هذا كلام من لم يفهم المعنى إذ ظن زوال الكرى من العاشق، وليس على ما ظن، ولكنه يقول للعاذل هبك تستلذ الملامة كاستلذاذك النوم وهو مطرود عنك بسهاد العاشق وبكائه فكذلك دع الملام فإنه ليس بألذ من النوم؛ أي فإن جاز ألا تنام جاز ألا تعذل «وأما بعد» ففي الحق أن البيت من مشكلات الأبيات، ومن ثم اضطربت فيه كلمة الشراح. قال بعض المحققين: وذلك أن تفسير ابن جني قوله مطرودة بقوله فاطردها لا يستقيم، وشتان بين الأمر والوصف، ولا يقال: إنه تناول معنى الأمر من قوله هب على تقدير هبها مطرودة؛ لأن هب على تفسيره قد استوفى مفعوليه من صدر البيت فلم يبقَ له دخل فيما يليه، وبقى قوله مطرودة حالًا عن الملامة، وإن شئت جعلته خبرًا عن ضميرها محذوفًا أي وهي مطرودة، وعلى كليهما يكون في معنى شبه جملة أو جزء جملة خبرية لا في معنى جملة طلبية، وقول الواحدي وهو مطرود أي النوم مقتضاه جعل مطرودة حالًا عن الكرى، والكرى مذكر لأنه مصدر كرى، ولفظ مطرودة مؤنث فلا يصح كونها حالًا عنه. على أن جعل ملام العاذل في قول ابن جني أو نومه في قول الواحدي مطرودًا بسهاد العاشق وبكائه مما يشكل وجهه، وما أرى المتنبي إلا أنه قد غلط في هذا البيت بأن سبق وهمه إلى أن الكرى يؤنث على حد الهدى مثلًا، أو أراد أن يقول مطرودًا فسبق خاطره إلى التأنيث باستدراج الوزن؛ لأن المقام يقتضي أن يكون قوله مطرودة جاريًا على الكرى كما هو تفسير الواحدي، ويكون المعنى على نحو ما قال ابن جني أي احسب ملامتك لذيذة عند العاشق كمنامه، والمنام مطرود عنه بالسهاد والبكاء؛ أي فلتكن ملامتك كذلك.
(١٠) لا: ناهية، ويروى لا تعذر فتكون نافية. يقول: لا تلم العاشق حتى تحب مثل ما يحب، وهذا من قول البحتري:
إِذَا شِئْتَ أَنْ لَا تَعْذُلَ الدَّهْرَ عَاشِقًا
عَلَى كَمَدٍ مِنْ لَوْعَةِ الْبَيْنِ فَاعْشَقِ
(١١) مضرجًا في الموضعين نصب على الحال، والمضرج الملطخ بالدم من ضرجت الثوب إذا صبغته بالحمرة. جعل دموع العاشق كالدماء، والعاشق كالمقتول تهويلًا لأمر الهوى يقول: إن القتل إنما هو باستنزاف الدم، فمن استنزف دمه من طريق الدمع كمن استنزف دمه من طريق الجراحات.
(١٢) المبتلى العاشق الذي امتحن بالحب، والحوباء النفس، والواو في قوله وينال واو الحال. يقول: إن العشق حلو القرب كقرب المعشوق وإن كان ينال من نفس العاشق أي يتلفها؛ أي إن العشق قاتل وهو مع ذلك مستعذب.
(١٣) الدنف ذو الدنف أي المرض الملازم، وأغرته أي بعثته على الغيرة، وقوله بفدائه أي بفدائك إياه فأضاف المصدر إلى المفعول. يقول: لو قلت للدنف ليت ما بك من برح الهوى بي؛ لغار من ذلك ضنًّا بمحبوبه، وخشية أن يحل أحد محله برغم ما يلاقيه.
(١٤) وقى أي وقاه الله، والبأس الشجاعة، والسخاء البذل. يدعو له بالسلامة من الهوى؛ لأنه ليس مما يزال بالشجاعة والبذل، والأمير وإن كان من الشجاعة والجود بحيث يدفع كل أمر شديد بيد أن الهوى ألطف من ذلك.
(١٥) يستأسر أي الهوى يجعله في الأسر، والبطل: الشجاع، والكمي لابس السلاح، والعزاء التجلد، يقول: إن الهوى يأسر البطل الشجاع المستلئم سلاحه بمجرد نظرة فيملك عليه أمره، ويعصف بصبره وجلده على الرغم من بطولته فلا يترك بين فؤاده والعزاء سبيلًا، وهذا ينظر إلى قول جرير.
يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبِّ حَتَّى لَا حَرَاكَ بِهِ
وَهُنَّ أَضْعَفُ خَلْقِ اللهِ أَرْكَانَا
(١٦) النوائب الشدائد، وسامعها سيف الدولة، والأكفاء جمع كفء وهو القرن والنظير. يقول: إني دعوتك لدفع الشدائد عني، ولست بهذه الدعوة أدعوك إلى نظرائك لجلادها؛ لأنك فوق الشدائد وأشد بطشًا منها.
(١٧) المتصلصل الذي له صلصلة وحفيف من وقع الحديد، وقد طابق بين فوق وتحت وأمام ووراء يقول: دعوتك لدفع نوب الزمان عني فأحطت به دوني، وحلت بينه وبين الوصول إلي وحميتني بذلك منه، وهذا قريب من قول أبي نواس:
تَغَطَّيْتُ مِنْ دَهْرِي بِظِلِّ جَنَاحِهِ
فَعَيْنِي تَرَى دَهْرِي وَلَيْسَ يَرَانِي
(١٨) ضمير تكون للسيوف أي بأن تكون السيوف سميها؛ أي مثل سميها، وتقول: من له بكذا أي من يتكفل له به أو من يضمنه له ونحو ذلك، وفرند السيف جوهره ووشيه، وهو ما يرى فيه شبه مدب النمل أو شبه الغبار، استعاره هنا للممدوح وهو سيف الدولة، والمراد مكارمه ومحاسنه والأصل النجار والحسب والوفاء معروف. يقول: من يكفل للسيوف التي شاركت سيف الدولة في التسمية بأن تكون مثله في أصله ومناقبه وفعاله وفي وفائه، وهذا كقوله:
تَظُنُّ سُيُوف الْهِنْدِ أَصْلكَ أَصْلهَا
(١٩) طبع الحديد فعل ونائب فاعل، واسم كان ضمير يعود إلى الحديد، ومن أجناسه جار ومجرور في موضع نصب خبر كان، وعليٌّ مبتدأ والمطبوع صفة له، ومن آبائه في موضع رفع خبر، والمطبوع المصنوع، وعلي اسم سيف الدولة وهو علي بن أبي الهيجاء بن حمدان التغلبي. يقول: إن السيوف مصنوعة من الحديد فهي تنزع إلى أصلها الذي صنعت منه، أما سيف الدولة الشريف ابن الشريف المعرق له في الكرم فإنه ينزع إلى أصله في المجد والفعال، فهي وإن شاركته في الاسم تخالفه في الأصل، وشتان ما بينهما.
(٢٠) يعني بالتائه نفسه، وعذل العواذل مبتدأ، وحول قلب التائه خبر، والعذل اللوم، والعواذل جمع عاذلة أما العاذل فجمعه عذال وعذل، والتائه المتحير، وسوداء القلب وسويداؤه العلقة السوداء التي في جوفه كأنها فلذة كبد، يقول: إن لوم اللوام حوال قلبي وهوى الأحبة قار في سويدائه، وإذن لا يصل اللوم إلى قلبي، وهذا المعنى ينظر إلى قول بعضهم:
تَغَلْغَل حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرَابٌ
وَلَا حُزْنٌ وَلَمْ يَبْلُغْ سُرُورُ
وقد روي بدل قلب التائه قلبي التائه على أن التائه صفة لقلبي، وليس هناك؛ لأنه لا يقال تاه قله، وقال قوم: المعنى أن قلبي يتيه على عذلهم، من التيه بمعنى الكبر، قال الواحدي: ليس بمستحسن، هذا وقد قال العكبري: عيب على أبي الطيب قوله التائه والقصيدة مهموزة كلها، واعتذر له قوم بأنه لم يرد التصريع (التصريع تقفية المصراع الأول مأخوذ من مصراع الباب. قال العلماء: المصراعان بابا القصدية بمنزلة المصراعين اللذين هما باب البيت قالوا: وإنما وقع التصريع في الشعر ليدل على أن صاحبه مبتدئ إما قصيدة وإما قصة) لأن الهاء في القافية أصلية، وقد جعل قوم ممن رتبوا الديوان على الحروف هذه القطعة في حرف الهاء؛ لجهلهم القوافي، وقد جعلها ابن جني والخطيب التبريزي في أول حرف الهمزة فاقتدينا بفعلهما، والقوافي خمس يجمعهما سكبرف كل حرف لقافية، وهي متكاوس ومتدارك ومتراكب ومتواتر ومترادف، فالمتكاوس — مأخوذ من تكاوس النبت والشجر التف وتراكب لكثرة الحركات فيه كأنها التفت — أربع حركات بين ساكنين كقوله:
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الْإِلَهُ فَجَبَرْ
(هو للعجاج، والجبر خلاف الكسر يقال جبر العظم والفقير واليتيم وجبر العظيم بنفسه، وقد جمع العجاج في هذا بين المتعدي واللازم) والمتدارك (قال ابن سيده: والمتدارك من الشعر كل قافية توالى فيها متحركان بين ساكنين، وهي متفاعلن ومستفعلن ومتفاعلن وفعل إذا اعتمد على حرف ساكن نحو فعولن فعل، فاللام في فعل ساكنة، وفل إذا اعتمد على حرف متحرك نحو فعول فل اللام من فل ساكنة، والواو من فعول ساكنة، سمي بذلك؛ لتوالي حركتين فيها، وذلك أن الحركات من آلات الوصل وأماراته فكأن بعض الحركات أدرك بعضها، ولم يعقه عنه اعتراض الساكن بين المتحركين) حركتان بين ساكنيْنِ كما في هذه القصيدة، والمتراكب (المتراكب كل قافية توالت فيها ثلاث أحرف متحركة بين ساكنين، وهي مفاعلتن ومفتعلن وفعلن؛ لأن في فعلن نونًا ساكنة، وآخر الحرف الذي قبل فعلن نون ساكنة، وفعل إذا كان يعتمد على حرف متحرك نحو فعول فعل اللام الآخرة ساكنة، والواو في فعول ساكنة) ثلاث حركات بين ساكنين كقول المتنبي:
بِمَ التَّعَلُّلُ لَا أَهْلٌ وَلَا وَطَنُ
والمتواتر (المتواتر كل قافية فيها حرف متحرك بين حرفين ساكنين نحو مفاعيلن وفاعلاتن وفعلاتن ومفعولن وفعلن وفل إذا اعتمد على حرف ساكن نحو فعولن فل وإياه عنى أبو الأسود بقوله:
وَقَافِيَةٍ حَذَّاءَ سَهْلٌ رَوِيُّهَا
كَسَرْدِ الصَّنَاعِ لَيْسَ فِيهَا تَوَاتُرُ
أي ليس فيها توقف ولا فتور) حركة واحدة بين ساكنين كقوله — أي المتنبي: صِلَةُ الْهَجْرِ لِي وَهَجْرُ الْوِصَالِ
والمترادف (المترادف كل قافية اجتمع في آخرها ساكنان، وهي متفاعلان ومستفعلان ومفاعلان ومفتعلان وفاعلتان وفعلتان وفعليان ومفعولان وفاعلان وفعلان ومفاعل وفعول، سمي بذلك لأن غالب العادة في أواخر الأبيات أن يكون فيها ساكن واحد رويًّا مقيدًا كان أو وصلًا أو خروجًا، فلما اجتمع في هذه القافية ساكنان مترادفان كان أحد الساكنين ردف الآخر ولاحقًا به) اجتماع ساكنين كقوله — أي المتنبي:
لَا تحْسُن الْوَفْرَةُ حَتَّى تُرَى
مَنْشُورَةَ الضفْرَيْنِ يَوْمَ الْقِتَال
أقول: وهذا كله من العكبري؛ لأنه أورد هذه الأبيات قبل الأبيات السالفة ظنًّا منه أنها هي التي قالها المتنبي بادئ ذي بدء حين طلب إليه سيف الدولة إجازة أبيات أبي ذر، ولكن الذي تحقق لدينا هو أن المتنبي قال الأبيات السابقة أولًا، ثم أردفها بهذه الأبيات التالية، وإذن ينهار هذا المأخذ الذي توركه بعضهم على المتنبي، وانهار معه الدفاع عنه.
(٢١) البرحاء: الشدة، وتباريح الشوق: توهجه، وتقول: لقيت منه برحًا بارحًا أي شدة وأذى، ويقال للمحموم الشديد الحمى أصابته البرحاء. يقول: إن اللوم يشكو حرارة قلبي إلى اللوائم كأنه يقول لهن: لا تبعثنني إليه؛ لأني أخشى برحاء قلبه، وإذا لمنني أعرض اللوم عن قلبي خشية أن تلفحه ناره، يعني بذلك أن قلبه لا يقبل اللوم، واللوم لا يطيق أن يصل إلى قلبه؛ لما يضطرم فيه من حرارة الحب. فالضمير في حره وبرحائه للقلب في البيت السابق، وليس يخفى ما في هذا البيت من لطف التخيل وبديع التمثيل.
(٢٢) الباء في بمهجتي للتفدية، والملك يجوز فيه الرفع والنصب؛ إذ لك أن تجعل بمهجتي خبرًا مقدمًا والملك مبتدأ، ولك أن تجعل الملك مفعولًا لفعل محذوف تقديره أفدي، ويريد بالملك سيف الدولة، والمهجة الروح، وأراد بقوله: يا عاذلي يا من يعذلني فليس لك أن تقول كان ينبغي أن يقول يا عاذلتي؛ لأنه قال العواذل في الأول؛ إذ المراد كما قلنا يا من يعذلني، ومن تقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وهذا اقتضاب عدل به عن النسيب إلى المديح. يقول: إني يا لائمي أفدي بنفسي الملك الذي لم أسمع فيه لوم من هو أشد لومًا منك فلم أتركه وآت غيره، وأسخطت لوامي جميعًا في سبيل مرضاته.
(٢٣) الباء في بأرضه بمعنى مع يقول: غير عجيب أن يملك هذا الملك القلوب، ويستولي حبه عليها ما دام قد ملك الزمان بما يحتويه من الكائنات يصرفه على مشيئته، وقال بعضهم: أراد بالسماء الأفلاك التي تنسب إليها السعود والنحوس؛ أي إن ذلك يجري على مقادير مشيئته؛ لأنه يجعل أصحابه في السعود، وأعداءه في النحوس.
(٢٤) والنصر من قرنائه؛ أي إنه أينما توجه فهو منصور والسيف من أسمائه؛ لأنه يعرف بسيف الدولة.
(٢٥) الخلال جمع خلة وهي الخصلة، والإباء أن يأبى الذل ولا يرضاه، والثلاثة الشمس والنصر والسيف، يقول: أين حسن الشمس من حسنه؟ وأين النصر من إبائه؟ أي إنه أشد إباء للذل من النصر؛ لأن النصر حليفه وصاحب النصر يأبى الذل، وأين مضاء السيف من مضائه؟
(٢٦) يقول: لم يأت الزمان بمثله فيما مضى فلما أتى عجزت الدهور عن أن تأتي له بنظير، ولا يروعنك مثل هذه الأبيات فإن الشعر يجب أن يكون أسمى من أن يسف إلى مثل هذا الغلو، والمتنبي كثيرًا ما يلجأ في شعره إلى الإفراط، شأنه في ذلك شأن كثير من الشعراء.
(٢٧) الاستفهام للتعجب، وإسحاق مصروف للضرورة، والإخاء المصادقة، وتحسب تفتح عينه وتكسر؛ أي تظن، والماء والإناء استعارة للقول، والقائل يقول متعجبًا: أتنكر مؤاخاتي إياك وتظن أن ما هجيت به صادر مني؟
(٢٨) الهجر: القبيح من الكلام، ويقال: هجر الرجل إذا هذى، وأصله ما يقوله المحموم إذا نالت منه الحمى؛ يقول: لا أنطق فيك القبيح بعد علمي أنك خير الناس، وهذا مبالغة.
(٢٩) أكره وأمضى معطوفان على خير في البيت السابق، وطعمًا تمييز، وذباب السيف حده. يقول: وأنت أكره طعمًا على العدو من طرف السيف، وأنفذ فيما تريد من الأمور من القضاء، وهذا من مبالغات المتنبي المعروفة.
(٣٠) ما حرف نفي، وأربت زادت، والسن العمر، ومللت سئمت. يقول: وما زادت سني على العشرين فكيف أمل طول البقاء بالتعرض لهجائك؛ إذ إني بتعرضي لهجائك ألقي بنفسي إلى التهلكة.
(٣١) وما عطف على ما قبله، واستغرقت استوفيت، يقول: ولم أستوفِ إلى الآن أوصاف مدحك فكيف أنقصها بهجائك بل أنا باستتمامها أولى مني بالأخذ في الهجاء.
(٣٢) يقول: وقدر أنني هجوتك، وكأنني بذلك كمن يقول هذا النهار ليل فكيف يتأتى هذا وفعالك لا يخفى على أحد كضياء الشمس، وهل يعمى العالمون عن الضياء.
(٣٣) مرء لغة في امرؤ. يقول: تصغى إلى الحساد، وتنزل على تهمتهم إياي بهجائك، وأنت أسمى من أن يهجوه مثلي؛ لأني فداء له لما له من الأيادي، أما هؤلاء الحساد فهم فداء لي؛ لأني أولى بالبقاء منهم وهم ممن لا غناء فيهم، وقد ذهب الشراح أكثرهم إلى أن جملة جعلت فداءه دعائية جعلت وصفًا لمرء وهو نكرة على تقدير محذوف؛ أي مستحق لأن أسأل الله أن يجعلني فداءه على حد قول الراجز:
مَا زِلْتُ أَسْعَى بَيْنَهُمْ وَأَخْتَبِطْ
حَتَّى إِذَا جَاءَ الظَّلَامُ وَاخْتَلَطْ
جَاءُوا بِضَيْحٍ هَلْ رَأَيْتَ الذِّئْبَ قَطْ
هذا الرجز لم ينسبه أحد من الرواة إلى قائله، وقيل: هو للعجاج، وقد رواه المبرد في «الكامل» على هذا الوجه:
بِتْنَا بِحَسَّانَ وَمِعْزَاهُ تَئِطْ
مَا زِلتُ أَسْعَى بَيْنَهُمْ وَأَخْتَبِطْ
حَتَّى إذَا جَنَّ الظَّلَامُ وَاخْتَلَطْ
جَاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأَيْتَ الذِئْبَ قَطْ
وروى بعضهم بعد قوله: بتنا بحسان ومعزاه تئط هذا البيت:
تَلحَسُ أُذْنَيْهِ وِحينًا تَمتخطْ
في سَمَنٍ مِنْهُ كَثِيرٍ وَأقِطْ



