برنامج خلف القلم يستضيف غدير حميدان الزبون في حلقة ترسم من الكلمة حكاية، وتصنع من الإبداع صوتا

يسعدنا اليوم أن نستضيف الأديبة والباحثة
غدير حميدان الزبون، لنبحر معها في رحلتها الأدبية والفكرية، ونتعرّف إلى الإنسانة خلف القلم، وإلى الحكايات والتجارب التي صنعت ملامح إبداعها.
أهلًا وسهلًا بضيفتنا الكريمة، وشكرًا لتلبيتها دعوتنا.
السؤال الأول
بدايةً، من هي الدكتورة غدير حميدان الزبون بعيدًا عن الألقاب والشهادات الأكاديمية؟ وكيف تحبّين أن يتعرّف إليك قرّاء المجلة؟
في مدخل هذه الحلقة الشجية، وتلبيةً لدعوةٍ كريمةٍ أثيرة زفّتها “المجلة العلمية الثقافية” عبر برنامجها الرائد “خلف القلم” يطيب لي بدايةً أنْ أصوغ أسمى آيات الامتنان والعرفان لمهندس هذه النافذة الفكرية ومبدعها الأستاذ الأديب جمال جمعة مؤسس المجلة ورئيس تحريرها، والذي لم يزل يبني بفكره الشاهق وقلمه الرفيع جسوراً ناصعةً بين الباحثين وصنّاع المعرفة.
إنّ هذه الدعوة هي لفتةٌ ثقافية باذخة تُحسب لمنارةٍ آلت على نفسها أنْ تظل قنديلاً يضيء عتمة المسافات، ويرعى الحرف الأصيل، ويحتفي بالكلمة التي تبني الوعي وتصون الذاكرة.
عندما تتنحى الألقاب جانباً وتتوارى العباءات الأكاديمية تنبثق البذرة الأولى لإنسانة تشكّل طينها من ثرى هذا الوطن، وتنفس هواؤه أول الخفقات.
أنا ابنة المدائن العتيقة التي يمشي فيها التاريخ على قدمين، وفراشة القرى المفعمة برائحة الميرمية والزعتر، الطفلة التي كانت تسترق السمع إلى حكايات الجدات وترتيل الريح بين أغصان الزيتون، هناك صِيغَ وجداني وتبلور شغفي.
فأنا يا سادتي القرّاء، سليلةُ أرضٍ تتنفس التاريخ، لم أستعر شغفي بالكلمة من الرفوف، فقد استمددته من سموّ الشاهقات وصمود الجذور في تراب الوطن.
إنني القارئة التي ترى في كلّ نص أدبي حجةً على جمال هذه الحياة، والباحثة التي تُدرك أنّ الكلمة إنْ لم تكن درعاً للهُوية، وملاذاً للذاكرة الوطنية، ومشعلاً للطموح غدت لغواً عابراً.
أحبّ أن يلمس القارئ بين سطوري نبض الإنسان الأصيل، ذاك الذي يحمل الوطن في حدقات عينيه، ويجعل من القلم جسراً يربط أصالة الأمس بأحلام الغد.
كما أحبّ أنْ يرانِي القارئ روحاً تهيم في رحاب الضاد، تبحث عن سرّ الإنسانية في انسياب الحرف، وتؤمن بأنّ العطاء الأسمى هو ما نتركه في أفئدة الناس من أثر جميل وكلمة طيبة تشبه ظل الشجرة العتيقة في ظهيرة صيفية.
السؤال الثاني
كيف بدأت رحلتك مع الأدب والكلمة؟ ومتى أدركتِ أن الأدب ليس مجرد شغف بالقراءة والكتابة، بل طريق علمي وفكري يستحق أن تكرّسي له جانبًا من حياتك؟
انبثقت الرحلة من شغف قديم أشبه بالنداء الداخلي، يوم كانت مكتبة الطبيعة ملاذي الأثير، وكان المجلد العتيق يفتح لي عوالم تتجاوز حدود الزمان والمكان.
غير أنّ اللحظة الحاسمـة التي تجلّى فيها الوعي هي تلك التي أدركتُ فيها أنّ الكلمة هي بناء فكري وثقافي يُشَيَّدُ به الوعي التراكمي للأمم.
رأيتُ كيف تُخاط حضارات الشعوب بغرز الحروف، وكيف تصون الشعوب هويتها وذاكرتها عبر النص.
حينئذٍ تيقنتُ أنّ الأدب رسالة تستوجب المران العلمي، والتمحيص الفكري، والرباط الطويل في محراب البحث والدراسة.
وما زلت أذكر تلك الليلة العتيقة التي انزويتُ فيها في زاوية الغرفة، والمصباح الخافت يلقي بظلاله على مجلداتٍ ورثتها ذائقة البيت عن العمّ الحكيم خليل، إذ كانت القراءة بالنسبة لي يومئذٍ أشبه بغوصٍ في لجج سحيقة بحثاً عن اللؤلؤ المكنون.
كنتُ أشاهد الكلمات تتحول تحت أصابعي إلى كائنات حيّة تتنفس، وتنبض، وتتدافع كجيوشٍ من المعاني. في تلك الأيام البكر من الطفولة تهاوت حدود الورق الأبيض، وأدركتُ بيقينٍ لا يرتدّ أن الأدب هو سيمفونية الوجود التي تُعزف بدم القلب، والمشرط الدقيق الذي يزيل غشاوة الغفلة عن عيون الأمة، والطريق الوعر الذي يستحق أن نذرع أيامه صبراً ويقيناً حتى نصل إلى جوهر الحقيقة.
السؤال الثالث
اخترتِ التخصص في الأدب والنقد حتى نيل درجة الدكتوراه؛ فما الذي جذبك إلى عالم النقد الأدبي تحديدًا؟ وهل كان هذا الاختيار امتدادًا لموهبتك الأدبية أم رغبةً في فهم النصوص من زوايا أعمق؟
انجذبتُ إلى النقد لأنه الضوء الذي يسبر غور العتمة في النص، فالنقد في جوهره ليس خصومة مع النص ولا تعصباً ضده.
هو عينٌ خبيرة تكشف عن الجمال الخبيء بين الثنايا وتستكنه مالم يصرّح به المبدع.
لم يكن اختياري للنقد انفكاكاً عن الموهبة، فقد كان إبرازاً لها وتعميقاً لمساراتها، إذ أردتُ ألا أقف عند حدود الانفعال اللحظي بالنص، وأنْ أمتلك الأدوات الحصيفة التي تمكنني من تفكيك بنيته، واستجلاء دلالاته، وفهم النواميس التي تحكم ولادة الجمال وخلوده.
إنه السعي الدائم للعبور من ضفة الانبهار الشكلي إلى ضفة الفهم الغائر.
ولعلّ اللحظة التي حسَمَت انحيازي للنقد كانت يوم وقفتُ أمام النص الأدبي متسائلةً: ما الذي يجعل بعض الكلمات تخبو بمجرد مواراتها الورق، بينما تتمرّد كلمات أخرى على الموت وتظلّ تشعّ بالضوء عبر القرون؟
هناك أدركتُ أنّ بين المبدع ونصه منطقةً خبيئة من الظلال والأسرار لا يلجها إلا من يمتلك مفاتيح النقد وجمالياته.
إنّ النقد الأدبي بالنسبة لي كان رقصةً فكرية راقية مع النص، ومحاولةً حثيثة لاكتشاف المنهج الغائر في عبقرية اللغة.
لقد جئتُ إلى النقد ملهمةً بالخيال، ومسلحة بالرغبة في برهنة أنّ النص الجميل هو قلعة فكرية وحضارية لا تُفَكُّ رموزها إلا بعينٍ تجمع بين حدس الشاعر وحكمة الفيلسوف.
السؤال الرابع
بين الأديبة والباحثة والناقدة، كيف تتوزع اهتماماتك؟ وهل تستطيع الناقدة داخلك أن تتنحّى جانبًا عندما تكتب الأديبة نصًّا إبداعيًّا، أم أن الحس النقدي يرافقك دائمًا؟
يتعانق هذا الثلاثي في داخلي كما تتآلف أوتار العود لتخرج نغماً واحداً، فما الباحثة والناقدة والأديبة إلا وجوهٌ متعددة لروح واحدة تتنفس بالحرف.
تسكب الأديبة عاطفتها على الورق، فتتوارى الناقدة كظلٍ ظليل لا يُعِيق التدفق البكري للمشاعر، لكنها تظل مرتقبة بعين رفيقة ترعى اتساق البناء وسلاسة السبك دون أنْ تجهض ثورة الفكرة.
فالنقد لا يقتل الإبداع إلا إذا انقلب قسوةً، أما إذا اختلط بروح المبدعة، فإنه يصبح المعمار الدقيق الذي يمنح القاطن في النص راحة واستقراراً، ويحفظ للإبداع ألقه ورصانته.
إنّ الكاتب الذي يجمع بين منصّة الباحث وعاطفة المبدع يخوض تجربةً وجدانية فريدة؛ فالأديبة في داخلي هي تلك المهرة الجموح التي تركض بلا قيود في براري الخيال، تصطاد الدهشة وتسكب الحرارة في جسد النص، في حين تقف الناقدة على ضفة النهر حارسة أمينة تشذب الأغصان الزائدة وتصقل الحصى حتى يشفّ الماء.
إنه ليس صراعاً بين الذاتين، فهو عناقٌ سرمدي بين العاطفة والعقل، فالإبداع بلا نقد يُخشى عليه من التشتت والضياع، والنقد بلا روح أدبية يجفّ ويتحول إلى حطب يابس.
ولعل الجمال الحقيقي يكمن في تلك اللحظة الاستثنائية التي ترتضي فيها الناقدة أنْ تغمض عينيها قليلاً لتدع الأديبة تحلّق بعيداً في سماء التجلي قبل أنْ تعودا معاً لرسم اللوحة بأبهى حُلّة.
السؤال الخامس
ما أبرز أبحاثك أو أعمالك الأدبية والنقدية التي تعتزّين بها؟ وهل هناك دراسة أو تجربة بحثية غيّرت نظرتك إلى الأدب أو كشفت لك جانبًا جديدًا من جماليات النص؟
كلّ نتاجٍ خرج من بين أناملي هو قطعة من الروح، تحمل بذرة من سهري وكَبَدي، بيد أنّ الدراسات التي تتناول أسرار الخطاب الأدبي وتجلي الهوية والذاكرة الوطنية في النص تظل الأقرب إلى قلبي؛ لما فيها من تماس مباشر مع الجذور.
وأتذكر تجربة بحثية وقفتُ فيها على النصوص التراثية بآليات النقد الحديث، فكانت بمثابة إشراق وجداني، إذ انقشعت الحجب وتبدّى لي كيف يمتد الشريان الحياتي من أعمق أعماق التاريخ ليصل بنبضه إلى أقلامنا اليوم. يومها أدركتُ أنّ النص الأدبي كائن حي يتجدد بالمساءلة، وأنه ينطق بجماليات جديدة كلما تغيّرت زاوية الرؤيا وسؤال القارئ.
إنّ البحث العلمي الأكاديمي بالنسبة لي بات حفراً مضنياً في صخر الذاكرة، ورحلة استكشافٍ شاقة بحثاً عن الهوية في تلافيف النص الأدبي.
أعتزّ بتلك الدراسات التي وقفتُ فيها على ثغور الكلمة الوطنية مُبرهنةً أنّ الأدب ليس صدى خافتاً للحياة، فهو الوثيقةُ الأبقى والأصدق التي تحفظ روح الأمة وتصون تاريخها الشفاهي والوجداني من محو الأيام.
ولعل أعظم مكاسبي من هذه التجربة البحثية أنني تعلمتُ ألا أنظر إلى النص كبنية مغلقة أو جثة هامدة على طاولة التشريح، فهو كائن يمتلك ذاكرةً وجذوراً كلما سقيناها بأسئلة العصر الحارقة، أورقت جمالاً وفكراً لا يذبل.
السؤال السادس
يرى بعضهم أنّ النقد الأدبي يكشف جمال النص، بينما يرى آخرون أنه قد يقيّد حرية الإبداع. كيف تنظرين إلى العلاقة بين الناقد والمبدع؟ وما الصفات التي تجعل النقد بنّاءً وعادلًا؟
العلاقة بين الناقد والمبدع ليست نزالاً في حلبة، بقدر ما هي شراكة في كشف المحجوب وإشاعة النور.
والناقد الصادق هو القارئ الأعمق الذي يعيد رسم اللوحة بكلمات أخرى، يضيء المساحات المعتمة ويشيد بما بَرَع فيه الكاتب.
ولكي يستوي النقد على سوقه ويكون عادلاً ينبغي أنْ يتطهر من الأغراض الشخصية والهوى، وأنْ يجمع بين المحبة العميقة للأدب والصرامة المنهجية الواعية.
وعندما يقترب الناقد من النص بحبٍ وحكمة يصبح النقد جناحين يطير بهما النص نحو أفق أرحب وآفاق أعمق.
إنّ النقد الحقيقي ليس مقصلةً تُشرع فوق أعناق النصوص، فهو ضوءُ شمسٍ دافئة تُساعد النبتة الأدبية على الخروج من ظلمات التراب لتستوي على سوقها. وما كان الناقدُ يوماً خصماً للمبدع إلا عندما تحوّل إلى قاضٍ يزن الإبداع بموازين شخصية جافة، فالنقد البنّاء هو برهان حبة القمح على جودة الأرض. إنّ أبهى أشكال العلاقة بينهما تتجلى حينما يغدو الناقد صديقاً حكيماً للكلمة، يرى في نص المبدع طفلاً واعداً بحاجة إلى رعاية الرؤية وحكمة التوجيه، لا إلى القسوة التي تقطع أجنحته قبل أنْ يحلق.
إنّ النقد الذي يضيف للإبداع هو الذي يفتح للأديب آفاقاً جديدة لم يكن يراها، ويكشف له عن مكامن القوة في قلمه ليواصل مسيرته بثبات ويقين.
السؤال السابع
كيف تقيّمين واقع النقد الأدبي العربي اليوم؟ وهل استطاع مواكبة التحولات التي يشهدها الأدب المعاصر، أم ما زالت هناك فجوة بين الدراسات الأكاديمية والإبداع المنشور على المنصات الثقافية؟
يمرّ النقد الأدبي العربي اليوم بمرحلة تحول دقيقة؛ إذْ تجري في شرايينه دماء جديدة تتوزع بين صرامة القواعد الأكاديمية وسرعة التجليات الرقمية الحديثة.
وعلى الرغم من المنجزات الرصينة التي توجت بها أروقة البحث إلّا أنّ الفجوة لا تزال قائمة بين الدراسة المنهجية القابعة في أبراجها العاجية، وبين الحركة الإبداعية الفائرة على منصات النشر ومنابر الواقع.
إنّ الإبداع اليوم يتسارع بخطى حثيثة، والنقد مطالب بأنْ يخرج من أطره التقليدية، وأنْ يواكب هذا التدفق بأدوات مرنة تُصغي إلى روح العصر دون أنْ تفرط في معايير الجودة والأصالة.
وتتمثّل المعضلة الكبرى في واقعنا النقدي الراهن في ذلك الانفصام غير المحمود بين برج الأكاديمي العاجي، وبين شارع الإبداع الرقمي الفائر، فالأول يغرق أحياناً في تقديس القوالب وتجريد المصطلحات حتى يفقد النص نبضه البشري، والثاني يتدفق كسيول عارمة من الكلمات السريعة التي تفتقر إلى ميزان الصنعة والعمق.
إنّ النقد الحقيقي اليوم هو جسرٌ حيّ وبوصلة حساسة يجب أنْ تنزل إلى ميدان المعركة الثقافية؛ لتأخذ بيد الغثّ فتغربله، وتحتضن السمين فترعاه، ولتخلق لغة نقدية مرنة تستوعب ثورة العصر الرقمي دون أنْ تفرط في ثوابت الأصالة والجمال الأدبي.
السؤال الثامن
في ظلّ الانتشار الواسع للكتابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كيف يمكن التمييز بين النص الأدبي الناضج والكتابة العابرة؟ وهل ترين أن المنصات الرقمية أفرزت مواهب حقيقية تستحق الدراسة والاهتمام النقدي؟
إنّ الفضاء الرقمي اليوم شبيهٌ بالمحيط، يمتلئ بالزبد العابر كما يحوي في أعماقه اللؤلؤ المكنون.
ويكمن التمييز بين النص الراسخ والخواطر العابرة في مدى قدرة الحرف على البقاء، فالكتابة السطحية تومض كشهاب عابر ثم يطويها نسيان الصفحة، أما النص الإبداعي الناضج فهو الذي يمتلك عمقاً دلالياً، ورصانة لغوية، وسبكاً يستبدّ بألباب القراء وتستعصي على محوها الأيام.
ولا مراء في أنّ هذه المنصات قد أتاحت الفرصة لأقلام واعدة ومواهب فذة كانت ستظل طليقة السرائر لولا هذه النوافذ، وهي أقلام تستحق بلا شك الرعاية والتقويم والنظر النقدي الجاد.
إنّ الخطر الأكبر الذي يواجه الإبداع في العصر الرقمي هو شبهة الاستسهال، واختلاط الزبد بالحباب، حيث غدت الشاشة الزرقاء تمنح الجميع حق الصراخ، وتغري الكاتب بالرضا عن النص البكري قبل أنْ ينضج على نار النقد والتأمل.
غير أنّ العقل النقدي الحصيف يُدرك أنّ النص الأصيل كالشجر الضارب بجذوره في أعماق التراب لا تهزه رياح الإعجابات الخاطفة، ولا يذوب في طوفان التدوين السريع، فالمنصات الرقمية هي مجرد منخلٍ عصري تسقط منه الكتابات الشفافة العابرة التي وُلدت لمناسبة لحظية، بينما ينثقب الجدار لتبقى النصوص التي شُكّلت بدم السهر، وتدثرت بالعمق اللغوي، واستطاعت أنْ تعبر الشاشة لتستقر في أفئدة القرّاء وحافظة الذاكرة الأدبية.
السؤال التاسع
ما الذي يمثله لك حضورك في المجلة العلمية الثقافية؟ وكيف ترين دور المنابر الثقافية في التقريب بين الباحث الأكاديمي والأديب والقارئ، وفي تشجيع الحوار والنقد الراقي؟
إنّ الحضور في هذا المنبر المعطاء هو الجسر الذي نصل به الفكر بالأفئدة، ونعبر عليه من معتكف البحث إلى رحاب القارئ الشغوف.
فالمجلات الثقافية الجادة هي المرافئ التي تلتقي فيها سفن الفكر والإبداع، والمساحات التي يُعاد فيها الاعتبار للحوار الهادئ الرصين.
من خلال هذه المنصات يتجسر الخلاف، ويلتقي الباحث بالأديب والشاعر والقارئ في حلقة نقاشية تثري المشهد، وتغرس في الوعي الجمعي الذائقة السليمة والنقد البنّاء الذي يبني العقول ويرتقي بالوجدان.
إنّ الوقوف في أفياء “المجلة العلمية الثقافية” وأمام منصة “خلف القلم” هو سدنةٌ للوعي وثباتٌ على العهد، إذْ يتجلى لي المنبر الثقافي الأصيل كالمشعل فوق القمم، يقود السالكين في عتمة المتغيرات، فالمنصات الثقافية الجادة تعيد للكلمة هيبتها وسلطانها، وتصنع ذلك اللقاء الروحي النبيل بين فكر الباحث الأكاديمي الشاهق، وعاطفة الأديب المتدفقة، ووعي القارئ الشغوف.
إنها الجسور الحية التي نبني بها الذاكرة الوطنية، ونحمي بها الذائقة العربية من التسطيح والانجراف؛ لتظل الثقافة قلعتنا الحصينة، ويظل الحوار الراقي والنقد المنصف هما السبيل الوحيد لبناء أمةٍ تقرأ، فتفكر، فتبدع.
السؤال العاشر
وختامًا، سؤالنا الذي نتركه لضيوف “خلف القلم”: لو مُنحت الدكتورة غدير حميدان الزبون سطرًا واحدًا فقط ليبقى منها في ذاكرة الأجيال القادمة، فماذا ستكتب؟
سأخطّ بمداد الوفاء والتمسك بالجذور:
عِشْ للحقيقةِ بالكلمةِ الصادقة، واجعلْ قلمَكَ خافقاً بحُبِّ الوطنِ والجذور، فإنّ الجمالَ يزولُ والألقابَ تتوارى، ولا يَبقى في ذاكرةِ الترابِ إلا الأثَرُ الجميل.
في ختام لقائنا، نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير إلى ضيفتنا الكريمة الأديبة والباحثة غدير حميدان الزبون، التي أضاءت بحضورها جوانب جميلة من عالم الأدب والفكر والإبداع.
شكرًا لضيفتنا على هذا الحوار الثري، ولكم أعزّاءنا المتابعين على حضوركم وتفاعلكم.



