صانعُ الخطى ومرمّم الانكسارات/غدير حميدان الزبون

فلسطين 
كانت بيوتُنا في طفولتنَا الأولى تمارسُ طقساً أسبوعياً يُشبهُ العيدَ، لكنهُ عيدُ الأشياءِ الصامتةِ، إذ كنَّا نجمعُ الأحذيةَ التعبةَ من تحتِ الأسِرّةِ وخلفِ الأبوابِ، تلكَ التي خاضت معنَا معاركَ الركضِ في الزواريبِ وقفزت فوقَ الحصى، لِنُعدَّها لرحلةِ “الإحياءِ” الكبرى عندَ الإسكافيِّ. بالنسبةِ لقلبي الصغيرِ كانت تلكَ السلةُ الممتلئةُ بالأحذيةِ أسراراً تنتظرُ العودةَ إلى الحياةِ، وكان الإسكافي في عينيَّ البريئتينِ ساحراً أسطورياً مقيماً في دكانِهِ الضيقِ، يتكئُ على سندانِهِ الحديديِّ كأنهُ ملكٌ يجلسُ على عرشِ الترميمِ.
أتذكرهُ جيداً…كانَ رجلاً وقوراً، تخطُّ الجبهةُ منهُ حكاياتِ الزمنِ، وتستقرُّ على أنفهِ نظارةٌ طبيةٌ ذاتُ إطارٍ سميكٍ تنزلقُ قليلاً كلما انحنى على حذاءٍ، ليرفعَها بإبهامِهِ المضمخِ برائحةِ الصمغِ والعرقِ الشريفِ.
كانت عينايَ الصغيرتانِ تتسعانِ بذهولٍ وأنا أرقبُ بنظراتٍ مبهورةٍ كيفَ يمتلئُ فمهُ بالمساميرِ الصغيرةِ، يمسكُها بشفتيهِ دونَ أن تبتلعَها كلمةٌ واحدةٌ، ليلتقطَها بمهارةٍ خاطفةٍ ويطرقَها بمطرقتِهِ فوقَ الكعبِ بنقرٍ موزونٍ يُشبهُ إيقاعَ موسيقِيٍّ بارعٍ.
وكانَ يسعدهُ شغفي البادي في عينيَّ، فيحبُّ أن يمازحني ليطردَ الصمتَ، فينظرُ إليَّ بنظرةٍ دافئةٍ من فوقِ عدستيهِ، ويمتدحُ ذكائي ونباهتي وأنا أسألهُ عن سرِّ كلِّ أداةٍ، ثم يلتفتُ إلى ضفائري المشدودةِ بعنايةٍ، ويقولُ لي بضحكةٍ مجعدةٍ تحسُّ فيها حنانَ الجدِّ: “ما أطولَ هذهِ الضفائرَ يا غدير! إنها متينةٌ وطويلةٌ إلى حدٍّ يصلحُ لأنْ نجعلَ منها خيوطاً متينةً نُخيّطُ بها أصلبَ النعالِ!”، فأدُسُّ رأسي في ثياب أمي خجلاً ومرحاً، وأنا أتحسسُ ضفائري متسائلةً ببراءةِ الأطفالِ عما إذا كانت شعيراتي قادرةً حقاً على شدِّ الأحذيةِ كما تفعلُ خيوطهُ المشموعةُ.
منذُ ذلكَ الحينِ علمتني تلكَ اللحظاتُ فلسفةً مبكرةً بأنَّ كلَّ ما انكسرَ في هويتنَا أو أقدامِنَا يمكنُ إصلاحهُ إذا وُجدت اليدُ الصادقةُ التي تعرفُ سرَّ التماسكِ.
فالأحذيةُ بصمات تحكي تاريخَ الرحيلِ، ووثائقَ تؤرخُ الشقاءَ والعزةَ.
وفي عمقِ هذا التاريخِ المطويِّ على غرزِ الخيوطِ ورائحةِ المطاطِ والشمعِ يقفُ الإسكافيُّ شخصيةً مركزيةً في المخيلةِ العربيةِ؛ فهو صانعُ الخطى ومرمّم الانكساراتِ.
ولعلَّ أبرزَ ما يحضرُ في الذاكرةِ العربيةِ الموثوقةِ عند استحضارِ الإسكافيِّ ذلكَ الخبرُ الشهيرُ المشهودُ في معاجمِ الأمثالِ حينما اجتمعَ الدهاءُ بالإسكافةِ في قصةِ “حُنينٍ الإسكافيِّ” في الحيرةِ. تروي الرواياتُ التراثيةُ أنَّ أعرابياً ساومَ حنيناً في خفينِ حتى أغضبهُ، فلما ارتحلَ الأعرابيُّ على بعيرهِ سبقهُ حنينٌ فألقى أحدَ الخفينِ في الطريقِ، ثم ألقى الآخرَ في موضعٍ أبعدَ.
فلما مرَّ الأعرابيُّ بالخفِّ الأولِ قالَ: “ما أشبههُ بخفِّ حنينٍ! ولو كانا اثنينِ لأخذتهُما”، ومضى.
فلما رأى الخفَّ الثانيَ ندمَ، وعادَ ليأخذَ الأولَ بعدَ أن عقلَ بعيرَهُ، فانتهزَ حنينٌ الفرصةَ وسرقَ البعيرَ بما عليهِ.
فعادَ الأعرابيُّ إلى قومهِ ليسَ معهُ سوى الخفينِ، فقالوا: “بمَ جئتَ من سفرِكَ؟” قالَ: “جئتُكُم بخفيَّ حنينٍ”.
فكانت قصّة حنين الطريفة دلالةً نفسيةً ثقافيةً عميقةً تكشفُ عن طبيعةِ هذهِ المهنةِ؛ فالإسكافيُّ ليسَ مجردَ عاملٍ يدويٍّ، فهو شخصٌ يمتلكُ فراسةً بالغةً في النفسِ البشريةِ، ويعرفُ مناطقَ الضعفِ والقوةِ في خطواتِ الناسِ.
كما حفلَ التراثُ الإسلاميُّ بقصصِ الإسكافيينَ الصالحينَ الذينَ اقترنت مهنتهُم بالزهدِ والورعِ كأولئكَ الذينَ كانوا يكسبونَ قوتهُم من عرقِ جباهِهِم بينَ غرزةٍ وأخرى، ويرمونَ مثاقيلَ الدنيا جانباً، ويخيطونَ نعالَهُم زاهدينَ في بهرجِ السلاطينِ.
في الحارةِ العربيةِ القديمةِ، كما في أزقةِ المشرقِ والمغربِ وجنوبِ المتوسطِ لم يكن دكانُ الإسكافيِّ يقتصر على خيمةٍ أو حجرةٍ خشبيةٍ صغيرةٍ تضيقُ بصاحبِها، لقد كان صندوقَ أسرارِ الحيِّ.
كان الإسكافيُّ يقعدُ منحنياً عاماً بعدَ عامٍ حنوَّ الأبِ على أطفالهِ، يطأطئُ رأسهُ لترتفعَ رؤوسُ الآخرينَ كريمةً مرفوعةً لا يطؤُها حفاءٌ ولا يذلُّها عرجٌ.
وتتميزُ هذهِ الشخصيةُ بمزيجٍ فريدٍ من الصبرِ والعزيمةِ بأدواتها الحادة البسيطةٌ من إفريز صغير، ومقص يدوي، ومطرقة ثقيلة الرأسِ، وسندان حديدي، وبكرات من الخيوطِ المشموعةِ التي تقاومُ البللَ والزمنَ.
ويتعاملُ الإسكافيُّ في الغالبِ معَ الفقراءِ والبسطاءِ، أولئكَ الذينَ لا يمتلكونَ رفاهيةَ استبدالِ الأشياءِ كلما نالَها التلفُ، فهم يحملونَ نعالَهُم التعبةَ إليهِ كما يحملُ المريضُ جسدهُ إلى الطبيبِ، ويطلبونَ منهُ ترميمَ القَدَرِ الذي شقَّ الحذاءَ.
إنَّ فلسفةَ الإسكافيِّ تقومُ على الصمودِ وجبرِ الخاطرِ؛ فهو يعلمُ أنَّ هذا الحذاءَ المتآكلَ كانَ شاهداً على سعيِ حمالٍ، أو ركضِ طفلٍ نحوَ مدرستهِ، أو خطواتِ فلاحٍ في أرضهِ.
لذلكَ لم تكن صنيعتهُ مهنةً جافةً، فقد كانت فعلاً إنسانياً نبيلاً يعيدُ إحياءَ المواتِ، ويمنحُ الأشياءَ فرصةً ثانيةً للحياةِ.
وقد شكلت مهنةُ الإسكافيِّ حضوراً كثيفاً في التراثِ الشفهيِّ والأمثالِ الشعبيةِ العربيةِ، وهي أمثالٌ لم تأتِ من فراغٍ، فقد صاغتها التجربةُ الاجتماعيةُ عبرَ العصورِ.
ومن أشهرِ هذهِ الأمثالِ المتداولةِ في المشرقِ والمغربِ: “إسكافيٌّ والحفاءُ شيمتُهُ” أو “حافي يخدمُ على النعالِ”.
تحملُ هذهِ الأمثالُ أبعاداً فلسفيةً ومفتاحيةً في فهمِ المزاجِ المجتمعيِّ، ومنها مفارقةُ الإيثارِ قسراً أو خياراً، فكيفَ لمن يصنعُ الحمايةَ للآخرينَ أن يكونَ هو المجردَ منها؟ إنها المفارقةُ الذاتيةُ التي تجسدُ حالةَ العاملِ المحرومِ الذي يبني القصورَ ويسكنُ الخيامَ، ويصنعُ الأحذيةَ ويمشي حافياً.
هذا إلى جانبِ رمزيةِ الكفافِ، فالإسكافيُّ في ثقافتِنا الشعبيةِ لم يكن يُنظرُ إليهِ على أنه صاحب ثروةٍ، فهو صاحب سترٍ، وتعبرُ أمثالُنا عن قناعتهِ وارتضائهِ بالقليلِ في مقابلِ المحافظةِ على كرامةِ الصنعةِ.
ولعلَّ أجملَ ما كُتبَ أدبياً في تعميقِ هذا البعدِ الإنسانيِّ للإسكافيِّ هو ما دوَّنهُ الأديبُ الفلسطينيُّ الكسيرُ جبرا إبراهيم جبرا في سيرتهِ الروائيةِ الخالدةِ “البئر الأولى” إذْ يستحضرُ جبرا ذاكرةَ طفولتهِ في بيت لحم، ويرسمُ ببراعةٍ أدبيةٍ أخاذةٍ صورةَ الإسكافيِّ، ذلكَ الحرفيَّ الذي كان في عينِ الطفلِ الأديبِ رمزا للصمودِ والإبداعِ العصاميِّ وسطَ العوزِ.
ويروي جبرا كيفَ كانت رؤيةُ الإسكافيِّ وهو يعملُ بمطرقتِهِ وأزاميله الصغارِ، ويدسُّ المساميرَ في فمهِ ليتناولَها واحداً تلو الآخرِ بسرعةٍ وإتقانٍ تثيرُ في نفسهِ دهشةً فلسفيةً مبكرةً عن معنى “خلقِ الشيءِ من اللاشيءِ”، وكيفَ تحولَ دكانُ الإسكافيِّ في حارتهِ إلى ملاذٍ إنسانيٍّ يفيضُ بالدفءِ والتكافلِ الاجتماعيِّ، حيثُ يُصلحُ الحذاء المتهرئ ليصونَ كرامةَ صاحبهِ الفقيرِ، ويُعيدُ لهُ قدرتهُ على المشيِ مرفوعَ الرأسِ في المأثورِ اليوميِّ.
ولم يغفل الأدبُ العربيُّ والعالميُّ عن خصوبةِ شخصيةِ الإسكافيِّ؛ فجعلَ منها رمزاً أدبياً وفلسفياً شاهقاً كما تجلى عندَ جبرا وغيرهِ.
ففي الأدبِ يتحولُ الإسكافيُّ من صانعٍ للجلدِ إلى مرهمٍ ومجملٍ للزمنِ، إنهُ حارسُ الخطى الذي يصلحُ ما أفسدهُ الرحيلُ.
وفي الروايةِ العربيةِ المعاصرةِ نجدُ الإسكافيَّ يبرزُ في بؤرةِ الهامشيينَ الذينَ يديرونَ العالمَ من الخلفِ، إذْ كان الأدباءُ يستحضرونَ دكانَ الإسكافيِّ ليكونَ مسرحاً للمحاوراتِ الفلسفيةِ عن الوجودِ، حيثُ تلتقي العبرةُ بالضحكِ، والفقرُ بالكبرياءِ.
كما جسدت بعضُ النصوصِ الشعريةِ يدَ الإسكافيِّ كيد ثائرة كالمحاريثِ، يد تعرفُ تضاريسَ الأرضِ كما تعرفُ تضاريسَ أقدامِ المساكينِ.
إنَّ الكتابةَ عن الإسكافيِّ في الأدبِ هي في الجوهرِ كتابةٌ عن فلسفةِ الأثرِ؛ فالحذاءُ القديمُ المكتوبُ عليهِ العرقُ والغبارُ يصبحُ عندَ الأديبِ نصاً بصرياً مقروءاً، والإسكافيُّ هو الناقدُ الذي يقرأُ حياةَ صاحبِ الحذاءِ من خلالِ درجةِ اهترائهِ من المنعطفاتِ أو المصاعبِ.
عندما أعودُ إلى أرشيفِ الذاكرةِ الذاتيةِ يحضرُ لديَّ مشهدُ الزيارةِ الأولى لدكانِ الإسكافيِّ في أزقةِ المدينةِ القديمةِ.
كنتُ طفلة تساقُ ببراءةٍ بينَ يدي أمي، نحملُ حذائي المدرسيَّ الأولَ الذي انفتحت شفتهُ الأماميةُ إثرَ ركضةٍ طائشةٍ في الحارةِ.
ما زلتُ أتذكرُ الرائحةَ التي لم أعرف لها نظيراً منذُ ذلكَ الحينِ، رائحةٌ هبّت من مزيجِ الجلدِ الطبيعيِّ المعتقِ، وصمغِ السيليسيونِ، وشمعِ العسلِ الذي يُسكنُ بهِ الخيطُ.
كان الإسكافيُّ يلتفُّ بمئزرٍ جلديٍّ أسودَ قد انمحت حدودهُ، يمسكُ المرفاضَ ويغرزهُ بهدوءٍ وثباتٍ كأنهُ يجري جراحةً دقيقةً لقلبٍ كسيرٍ.
لم يكن ذلكَ الحذاءُ الرخيصُ قطعة من المطاطِ، فقد كان جزءاً من هويتي وفرحي.
وعندما استلمتُهُ منهُ بعدَ دقائقَ مرمماً ومصقولاً بمادةٍ سوداءَ براقةٍ شعرتُ أني أعودُ بدرعٍ جديدٍ يسمحُ لي بمتابعةِ شغفِ العيشِ والركضِ بلا خوفٍ.
هكذا صارَ الإسكافيُّ في عينيَّ منذُ ذلكَ العهدِ ساحراً يجعلُ القديمَ جديداً، ويهبُ الأملَ للأشياءِ المائسةِ.
تقودُنا هذهِ الاستعاداتُ الوجدانيةُ والتاريخيةُ إلى موقفٍ حجاجيٍّ حاسمٍ نطرحهُ أمامَ المشهدِ الثقافيِّ المعاصرِ: هل الإسكافيُّ حرفيٍ ينقرضُ بفعلِ الزمنِ، أم أنهُ يمثلُ رمزاً لهويةٍ ثقافيةٍ وإنسانيةٍ تجبُ صيانتُها وتوثيقُها؟
إنَّ المناصرينَ للنمطِ الرأسماليِّ الحديثِ قد يرونَ في مهنةِ الإسكافيِّ حفرياتٍ زمنيةً صارت عبئاً على الاقتصادِ حيثُ الأحذيةُ الرخيصةُ التافهةُ التي تُصنعُ بالملايينِ لتُستهلكَ في أشهرٍ ثم تُرمى في سلالِ المهملاتِ.
هذا المنطقُ يستبدلُ فلسفةَ الترميمِ بثقافةِ الإلقاءِ والاستبدالِ.
لكننا نشهدُ اليومَ زيفَ هذهِ الحداثةِ العابرةِ، إذ إنَّ الاستغناءَ عن الإسكافيِّ هو في العمقِ استغناءٌ عن ثقافةِ الاحتفاظِ والتأملِ.
الإسكافيُّ من وجهة نظري هو الرادعُ الأخلاقيُّ لجشعِ الاستهلاكِ.
إنهُ الذي يقولُ لنا كلَّ يومٍ: إنَّ الأشياءَ التي رافقتنا تستحقُّ العناءَ، وأنَّ الذاكرةَ لا تُعوَّضُ بشراءِ المزيدِ.
إنَّ صيانةَ صورةِ الإسكافيِّ في المشهدِ الثقافيِّ العربيِّ، وتوثيقَ مهاراتهِ وأدواتهِ، وتسجيلَ حكاياهُ الشفهيةِ تُعدُّ مسؤوليةً أنثروبولوجيةً ومفصلاً هوياتياً.
إنهُ بقايا الزمنِ الأصيلِ الذي كان فيهِ المرءُ يحترمُ ما يمتلكهُ، ويرى في قطراتِ عرقِ الصانعِ جزءاً من كرامتهِ الشخصيةِ.
يبقى الإسكافيُّ شاهداً حياً على تاريخٍ يتسارعُ نحو المحوِ.
إنه مؤرخٌ للخطى التي مشت بها الأجيالُ على هذهِ الأرضِ المباركةِ.
إنَّ نداءَنا هذا هو دعوةٌ للالتفاتِ إلى هذهِ الكنوزِ البشريةِ قبلَ أن يطويَها النسيانُ.
فلنوثق أزقتَهُم، ولنستمع إلى حكاياهُم، ولنحفظ أدواتِهِم في متاحفِ التراثِ الشعبيِّ، فعندما نكرمُ الإسكافيَّ نحنُ في الحقيقةِ نكرمُ الصبرَ، ونحيي بريقَ الشرفِ في يدِ العاملِ البسيطِ الذي يعملُ بصمتٍ ليظلَّ العالمُ يمشي على أقدامٍ ثابتةٍ.
وكلما مررتُ اليوم بأحدِ أزقةِ المدينةِ القديمةِ، ولمحتُ دكاناً صغيراً تفوحُ منهُ رائحةُ الجلدِ المعتقِ وشمعِ النحالينَ تتوقفُ خطايَ رغماً عني، وألتفتُ بعفويةٍ لأبحثَ عن تلكَ المطرقةِ الصداحةِ والسندانِ الصادقِ.
تتراءى لي ضفائري القديمةُ، ويترددُ في مسامعي صوتُ الإسكافيِّ الشفيقِ وهو يمازحُ طفولتي.
أدركُ حينها أننا كنا دونَ أنْ ندري نُدربُ أرواحنَا على صيانةِ الوفاءِ للأشياءِ وللناسِ، كنا نتعلمُ كيفَ نثبتُ فوقَ الأرضِ، وكيفَ نواصلُ السيرَ دونَ أنْ يكسرَنا حفاءُ الزمنِ.
فسلامٌ على أسيادِ الترميمِ، وحراسِ الخطى، أُولئك الذين خَاطُوا انكساراتِ حاراتِنَا لنمشي نحنُ إلى الحياةِ بكرامةٍ وثباتٍ.



