السعادة والفكر / حميد المصباحي

أن تكون سعيدا، فتلك مفارقة، فالكائن ليس إلا بما هو استمرارا لما كانت أشباهه به، ولذلك، فالوجود هو ما يدفع للتفكير في حالة الكائن، الوحيد الذي يتخطى كينونته نحو وجود يصير به موجودا، بالتعالي عما كانه غيره وتجاوز قوانين الكينونة فيه، إنه وعي بمآل، يدرك به أنه عاجز عن الخلود بجسده الذي تطاله الموت والمرض وحتى العجز، وهكذا يكون الجسد فيه، مصدرا للمتعة والألم أيضا، ينضاف لذلك وعيه بهذا التناقض وسعيه اليائس للتغلب عليه، وهو عرضة لهزيمة أخرى يفرضها عليه جسده نفسه، ذاك الحامل للكينونة، غريزة وغضبا وشهوات.
هكذا تكون السعادة، إما انتصارا للجسد وخضوعا له، أو تمردا عليه وتحكما فيه، وبذلك تصير السعادة متنازع حول مفهومها، قربا أو بعدا عن الجسد، والنقيضان اللذان اقتنعا بهذا التصور أو ذاك، مدركان لكونهما لا يحيان بدون الجسد، ولا يمكنهما التفريط فيه، أو التخلي عنه رغم حالات إهماله ومحاولة تجاوزه، زهدا في ملذاته أو تنكرا لها.
السعادة سهل تخيلها والتفكير فيها، إذا ما قورن بأن يحياها الموجود بدون أن يصادف ما يزعج أو يؤلم أو يحزن، وكلما سعى للحكمة لتحقيقها، اكتشف أن الخبرات محدودة مهما طالت، وبذلك فهي ناقصة بتناهيها، لكن الفكر كما هي طموحاته، بالتجريد، يقهر الملموس، وباللانهائي يتناسى النهائي، فيخلق حكمة، بدونها لا يكون الإنسان موجودا، بل مجرد كائن يتعثر بالطبيعة ليطالها بعجزه ويستسلم لها منهارا مستسلما، حالما بأن يظل ذكره قائما، يعزي به عدمه أو يخفف عن نفسه نهاية منتظرة، فرديا، أما جماعيا فالإنسان مستمر مجتمعات وحضارات، والتي طالها الدمار بسبب الحروب وهزات الطبيعة، التي فسرت كانتقام للآلهة، وهو ما نسجت منه الديانات انتقاما ربانيا ممن عصوا الرب بشركهم، وهو مفهوم الطوفان في العهد القديم، والذي تبنته المسيحية والإسلام فيما بعد.
من هنا اتخذت السعادة بعدها اللاهوتي، بما هي ثورة على غواية الجسد الذي ارتبط بالخطيئة، والخلاص كسعادة وخلود، مشروط بالتغلب عليه ومحاولة التحكم فيه لربح الأبدية، رغم أن الوحيد الذي قهر الناسوت هو السيد المسيح بكماله لحلول اللاهوت فيه كما ذهب إلى ذلك المسيحيون القدامى والحاليون، بدون أن يصير أحدهما الآخر، فاللاهوت تجسد في أسمى شكله، تكريما للإنسان في المسيح الفادي للبشرية لحما ودما وعظاما، ولذلك رفع إلى السماء وقام بعد الموت، ليصير الصليب رمزا وأيقونة للذكرى، والسعادة التي بشر بها المؤمنون به والذين يلتقون به في الملكوت ويخلدون معه للأبد.
أما إسلاميا، فإلى جانب الخلود، هناك المتع الجسدية، أطعمة وجنس وظلال وحتى خمور، بل ألبسة حرير وسندس وأساور من ذهب للزينة والتمتع، وهو ما يعتبره اللاهوت الإسلامي امتيازا له إيمانا برسول الإسلام الذي أنكر الصلب من خلال فكرة التشبيه الواردة في القرآن والمكفرة لمن اعتبروا المسيح تجسيدا للإله رغم اعترافهم بكونه كلمة الله وروحه.
لكن الحضارات القديمة، الفرعونية مثلا، في كتاب الأموات، آمنت بعالم آخر تصله الأرواح وتسعد فيه سعادتها الخالدة، بل تأخذ معها الروح كنوزها وأحيانا حتى نساءها وعبيدها ليخدموها هناك، والأمر نفسه مع اختلافات بالنسبة لحضارات الرافدين وما بين النهرين، من أشوريين وبابليين.
حضارات الشرق الصينية والهندية، أو ما يمكن تسميته الناسوت الحكمي، يؤكد بحكمته على السعادة الآنية بشحن الذات بما هو روحي لتحيا به هنا قاهرة الجسد ومتعالية عليه، كما تفعل البوذية والطاوية وما تفرع عنهما من مذاهب واتجاهات، ربما من هنا انفصل مفهوم السعادة عما هو لاهوتي بدون أن يفقد روحانيته بغرابة، صعب تفهمها، مما مهد لظهور مفهوم فلسفي للسعادة من خلال اعتبارها حالة إنسانية يحققها الفكر كوعي له غايات، فيها الفردي والجماعي وحتى السياسي، فهي قهر لكل ألم ومتعة يتداخل فيها الجسدي مع الروحي أو لنقل الرمزي بكل أبعاده، الوجدانية والعقلية الأخلاقية العاملة على استحضار الإنساني والاحتفاء به ، بعدم اختزاله في متع جسدية أو التنكر لها كحاجات أساسية للبشر، رغم ميل الحضارات البشرية المعاصرة، إما لتغليب الروحي والاحتجاج به، أو استحضار المادي للتمتع به وقهر الغير به من خلال القهر والتغلب العنيف، المعلن أو الخفي.
فكيف تتحقق السعادة وهل يمكن اعتبارها هي كل ما يوقف الآلام ويتصدى لها؟؟
السعادة فكرة منفلتة معانيها متأثرة بما يعرفه الشخص من تحولات، وكذلك المجتمع الذي ينتمي إليه والفئة وطبيعة التربية التي تلقى، وهي مجردة ومعاشة في الوقت ذاته، إنها غاية مفارقة وبؤرة لتلاقي تناقضات، صعب حصرها، يهتدى إليها بالفكر أو السلطة أو حتى بالعبث واليأس وشقاء الوعي، قد تكون عصية على التعريف، وإن عرّفت تتحول، وإن تحولت لا نستطيع تحديد وجهتها وأي مركب عليه تحمل أو تنحمل، إنها ما نحن عليه إن قبل، وما لا نريد إن كان مرفوضا، هي أفق وواقع، حلم وحنين لما كان ولم يعد.
فمن هو الشخص السعيد وكيف يحيا سعادته ويديم وجودها؟؟
هنا يكون الجواب ممكنا، بل ربما مقبولا، فما سر ذلك؟؟
البؤرة هنا تضيق وتبتهج الأنفس بما يشبه انتظار موعظة، وربما حكمة موجهة، أو حتى خلاصا لاهوتيا، وليكون الجواب فاعلا وحافزا على الحرية والتأمل برفض الجاهز، يجيبك باختصار، أن سعادتك هي ما تحققه من امتثال لما تعتقد أنه حقيقي وأنه يبهجك ويريحك بدون أن تضر بغيرك وتسئ إلى نفسك، جسدا ووعيا وحتى ذكرى.
حتما سوف يبدو ذلك غير مقنع لك، فابحث عما يقنعك، هنا سعادتك وابتهاجك بما تصل إليه مختبرا قدرتك ومعايشا حريتك ووجودك.



