نغمات الضباب/عارف عبد الرحمن

وشاحُ الضبابِ الفضيّ،
والدخانُ الضبابيّ
يتلوّى فوق الأسطح اللامعة،
فيُعتم دهليز المرايا،
ويمضي كأصابع خفيّة
تمشّط أعالي الحقول،
ثم ينام على أوردة الأنهار البعيدة،
ناشرًا نغماته الهادئة
في عتمة المساء.
كهمس عاشقةٍ
تُرفرف رموشُها الملوّنة
أمام طيفٍ داهية،
مراوغٍ كليلٍ لا يُفشي أسراره،
فتنساب نغماتها
لتداعب زرقة العتمة،
وتوقظ في جسد الليل
رجفةً قديمة.
الحقول معلّقة بالضباب،
سُكارى من سديم الزفير،
تتمايل تحت وطأة الصمت،
كأنها تسمع نداءً
قادمًا من وراء النهر.
والموج،
كقلبٍ أضناه الانتظار،
ينحسر عن الشواطئ
لبرهة،
ثم يعود مثقلًا
بما لم يقله.
يستعيد الليل هدوءه،
ويُرخي ستارَه على الأشياء،
إلى أن يأتي الفجر
بخطاه الخجولة.
وتظلّ النغمات
معلّقةً بين الليل والفجر،
متأرجحةً، مترنّحةً،
كأرواحٍ فقدت طريق العودة،
حتى تغمدها العتمة
في طيّات القلب الصامت.
هناك،
حيث لا يصل الضوء،
ولا يسمع أحد
ارتعاش الذاكرة…
تنام النغمات،
ويبقى القلب
مكسورًا.



