مسبحة الوزير؟! “لماذا يثور الشارع على المظاهر ويهادن المعضلات؟” /د.محمد نبيل كبها

جسّدت واقعة المسبحة لوزير الأوقاف الفلسطيني “الدكتور محمد نجم”، نقطة ارتكاز إبستمولوجية أعادت تفكيك بنية الوعي الجمعي ومحدداته في الفضاء العام الفلسطيني والعربي. حيث إن التحول الدراماتيكي من طقس ما ورائي تقليدي (غمس المسبحة في الماء لترقية طفلة) إلى فعل (إقالة سياسية تحت وطأة النقد الرقمي الساخر) يعكس صداماً حاداً بين البنى التقليدية للموروث الثقافي وبين المعايير العقلانية الحديثة التي باتت الجماهير تحاكم بها السلطة السياسية.
حيث تحولت الحادثة من مجرد سلوك فردي إلى مختبر سوسيولوجي يكشف عن شروط “الشرعية” وصيرورة الغضب العام في مجتمع يتأرجح بين الميتافيزيقيا الشعبية واستحقاقات الدولة العقلانية البيروقراطية أمام مسبحة وزير الأوقاف الفلسطيني التي وضعها في كوب ماء لترقية طفلة، والتي أرغمته على مغادرة موقعه الوزاري مدفوعاً بأمواج صاخبة من الاستهجان والسخرية التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي.
لكن المفارقة الإبستمولوجية العجيبة بالنسبة لي، والتي تستدعي التفكيك النقدي تكمن في تلك المقارنة البنيوية الحتمية المتمثلة في سؤال: (لماذا يمتلك طقس “غمس المسبحة” طاقة رمزية فائقة تنجح في تثوير الوعي الجمعي الفلسطيني لإسقاط وزير في غضون ثوانٍ سياسية خاطفة، في حين يُصاب هذا الوعي بالبلادة والجمود السلوكي أمام تغلغل الفساد المالي والأخلاقي والإداري الكارثي لبعض المسؤولين؟!).
إنها مفارقة تكشف كيف يثور المجتمع ضد قضايا، ويتهاون في أخرى عظيمة تساهم في تدمير العقد الاجتماعي والاقتصادي! حيث تطفئ الجاذبية المشهدية القادرة على تحفيز الأدرينالين الرقمي للوعي أمام كوارث وفساد وترهلات تنخر جسد المؤسسات دون حسيب؟!
أنا أعلم تماماً أن ماهية وزير الأوقاف لا تكمن في حدود الوظيفة التكنوقراطية البيروقراطية، بل هو الحارس الحصري للشرعية الدينية للدولة. فالمجتمع ينزع نحو إسقاط تطلعاته العقلانية على هذا الفضاء الفوقي، منتظراً منه هندسة الوعي، وتقويض الميثولوجيا الشعبية، وصناعة تنوير ديني. وحين يتورط رأس الهرم الديني في ممارسة تُصنف سوسيولوجياً ضمن (الميتافيزيقيا البدائية، أو الخرافة، أو استغفال العقول باسم الدين، أو أي كان السبب)، يحدث زلزال إبستمولوجي يضرب صدقية المنظومة الرسمية في مقتل، ويحيل ركائزها الروحية إلى موضع شك بنيوي. لكن على الضفة المقابلة، ما بال المقصلة الأخلاقية للجماهير تُصاب بالجمود والتعطيل أمام الفساد الأخلاقي العابر للمؤسسات؟ أين هذا الاستنفار العام والتهكم الشعبي من شبكات المصالح التي تمارس الاستغلال النفوذي، والاختلاس الممنهج لثروات المجتمع، والافتراص الأخلاقي والسياسي؟
إن إشكالية هذا “الارتكاس الانتقائي للشارع ” للغضب، تكمن خلف تفاعل عدة ديناميكيات، أهمها “الخوف من الأثمان والملاحقة”، ولهذا تتجلى حالة من الاغتراب والتهكم الشعبي المكتوم ويُترك الفاسدون الحقيقيون دون تسليط الضوء عليهم!
تغدو إقالة وزير الأوقاف الفلسطيني إثر ممارسة فلكلورية لا تتسق مع المعايير الحداثية والدينية للوظيفة العمومية خطوة لا غنى عنها لترميم جدار الصدقية الأخلاقية للدولة. لكن، إذا كانت “إيماءة طقسية عابرة” تملك القدرة على هدم النفوذ السياسي لوزير خلال ساعات، فإن الأزمات المصيرية المعطلة، والنزيف المالي والإداري والأخلاقي المستمر، واستغلال النفوذ الهيكلي تفرض حتماً ثورة إبستمولوجية في آليات الرقابة؛ تتجاوز ملاحقة الرموز الفردية لتجتث البنى العميقة للترهل الإداري والأخلاقي في المؤسسات.



