مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

مسالك التفكير الإنساني ما بين هذه الحشرات الثلاثة – م.محمد نبيل كبها

صورة لرجل يرتدي بدلة رسمية مع نظارات، يجلس في مكتب ويبدو بتركيز.

في سعينا نحو فهم أنفسنا وفهم الكون الموضوعي من حولنا، فإن الإنسان يقلّد إحدى هذه الحشرات الثّلاثة “العنكبوت، النّملة، النّحلة”.

حيث نجد العنكبوت تمثّل العقلانيّة والانعزالية المتولّدة عن الفكر المحض، لأنها تعتمد فقط على الداخل باتكالها على نفسها، ولا تستند بما هو في الخارج، فتنسج بيتها من مادتها، ولا تستعين بمن هم حولها، وهذا الذي يجعل بيتها واهن وحياتها هشّة. وهذا هو النوع الأول، وهو الشخص الدوغمائي، حيث يكون متزمّت لمبدأ ما أو فكرة ما من غير وجود أدلّة كافية، فيكون منطوي على أفكاره ومعتقداته الخاصة، والتي تنطلق من ذاته وعمقه الداخلي، منعزلاً عن الواقع والمراجع الخارجية.

أما النملة فهي تُمثل المنطقية والتجريبية المرتكزة على جمع التجارب كما هي، ولا تُلحقها أو تُتممها بأشياء جديدة، أو تعتاض بها حاجات أخرى، فهي تعتمد فقط على الخارج، وتبحث وتجمع طعامها ثم تكدسه وتستهلكه، وهذا هو النوع الثاني، وهو الشخص الإمبريقي، حيث يقوم بالبحث الدؤوب والاستقراء، ثم يجمع الدلائل التراكمية ويجربها كما هي، دون أن يستبدلها أو يضيف عليها ليخرج بمعطيات جديدة.

أما النّحلة فهي النموذج الأمثل للتفكير الإنساني، لأنها تسير مساراً متوسّطاً تعتمد فيه على الداخل والخارج معاً، حيث أنها تتنقّل في الفضاء من زهرة إلى أخرى، وتجمع ما أخذته في داخلها من رحيق، ولكنها لا تكتفي بتكديسه، بل تمزجه وتضع بصمتها الإبداعية والابتكارية ليتخلّق لنا عسلاً لذيذاً ونافعاً وشفاءً للناس.

إنني أعتقد أن التفكير الإنساني يسلك مسالك هذه الحشرات الثلاثة، إما العنكبوت أو النّملة أو النّحلة، لكني أجد أن مُعظم طرق اشتغال العقل الإنساني محصورة ما بين “العنكبوت أو النّملة” فقط، ومن هنا نستنتج أننا أمام نوعين من الأنظمة والنماذج الفكرية، إما التعصب والجمود الفكري، أو معرفة مقصورة ومُكدّسة، وهذا هو سبب سطحيّة الفكر الإنساني أنّه لا يَصْدر عنه الإبداع! ولقد تحدث الفيلسوف الإنجليزي “فرانسيس بيكون” أن الفيلسوف إما كالعنكبوت، أو النملة، أو النحلة.

ولا عجب أن الله سبحانه ذكر في مصحفنا ثلاثة سور باسم هذه الحشرات الثلاثة “سورة العنكبوت، وسورة النمل، وسورة النحل”، والتي تمثّل بالنّسبة لي الفلسفة الحقيقية نحو فهم أنفسنا وسعينا في فهم الوجود الموضوعي من حولنا.

حيث أن نهج البشر له علاقة بها، فالعنكبوت تمثل الانحباس المعرفي واستخلاصه من الذات فقط، والنملة تمثل التراكم المعلوماتي الكفيف، بينما النحلة تمثل المنهج الأفضل من حيث حشد الادلة من الطبيعة وإنتاج معرفة ناجعة.

ولقد جاء في كتابنا الكريم قوله تعالى في سورة النحل: “وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ”، ثم جاء في ختامها قوله تعالى: “إنَّ في ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”؛ وهى حث على التأمل العميق في سلوك النحل، والذي تبين أنه يصدر ذبذبات لتحفيز الأعضاء المتثاقلين على العمل عبر عملية هندسية بالغة الدقة تعتمد على استهلاك الشمع بحكمة متناهية، لبناء أكبر عدد من الغرف على شكل هندسي سداسي بزاوية دقيقة تبلغ 120 درجة تحديداً لتخزين العسل المُخلق.

مع العلم أن التفكير الإنساني يتفوق على سلوك النحل بأنه يبني في خياله قبل أن ينقل هذا البناء الى حيز الوجود، بينما النحل يفعل ذلك غريزيّاً، وهذا هو الفارق الحقيقي بين الإنسان والحيوان، مع وجود تشابه ظاهري في التنظيم والبناء الهندسي.

ولقد وصف الفيلسوف الشهير “كارل ماركس” هذا التباين قائلاً: “إن النحلة تُخجل ببنبتها المعمارية الكثير من المهندسين، ولكن ما يميز أسوأ مهندس بشرى عن أفضل نحلة، هو أن المهندس يبني المبنى في خياله قبل أن يبنيه في الواقع”.

لذلك.. إن فشلت في أن تكون إنساناً فكن كالنّحلة على الأقل في مؤسسة اجتماعية منظمة، تقوم بمهمتك المتزامنة مع جميع المهام للوصول لأفضل وأجود انواع العسل. ولكن تذكر أن حياة النحل لم تتغير منذ آلاف السنين، فهي تبني الخلية بنفس الطريقة منذ أن خلقها الله سبحانه. بينما الإنسان نجح في أن يبني برج تورليتيس في عرض البحر!

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading