مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

لا يوجد قنفذ أملس!؟د.محمد نبيل كبها

Untitled 3 150x150 1

أما عن الغطاء الشوكي الذي يكسو ظهره فإنه يمثل تحدياً فيزيائياً وبيولوجياً لأي كائن حي يحاول الاقتراب منه أو لمسه، وعلى رأسهم الإنسان، فهل يستطيع الإنسان أن يلمس سطح القنفذ؟ بالطبع “لا”، وهذا ما يجعل بيننا وبينه فاصلة زمكانية.

حتى القنفذ نفسه لا يستطيع لمس قنفذ آخر بسبب الأشواك، وهذا ما يُعرف  ب”معضلة القنفذ” للفيلسوف الألماني “أرتور شوبنهاور”، ومختصرها أن مجموعة من القنافذ في ليلة مُثلجة وباردة، يدفعها الصقيع الشديد للدنو والاقتراب من بعضها ابتغاء الحماوة وطلباً للدفء، لكن حالما تحركت واقتربت من بعضها، فإن أشواكها تنغرس وتنزرع ببعضها البعض، مما يُرغمها أن تبتعد عن بعضها، فيقرصها البرد مرة أخرى، فترجع لتقترب تارة أخرى من بعضها، ولكن تمنعها الأشواك مُجددا من الاستدفاء، وهكذا تتواصل المسألة بين وجع شك ونخْس الأشواك، وعقاب وشقاء الزمهرير.

ومعضلة شوبنهاور تتجلى في الإنسان الحديث، حيث يعيش إنسان القرن الحادي والعشرين في مفارقة غريبة، فبينما لا يكتمل وجودنا ولا يتحقق إلا من خلال “الآخر”، نجد ان الانسان الحديث صنع بنية صلبة وباردة وشائكة، يرفض من خلالها اي امتداد ثقافي أو اجتماعي لا يخدم فكرته المركزية، مما ولد شكلاً من أشكال “عنصرية وراديكالية واحادية القنفذ” تجاه كل ما هو مغاير. فاختار أن يعيش البشر المعاصرين كقنافذ معزولة؛ بضمان الأمن الفردي تحت ما يُعرف ب”المسافة الآمنة”، لكنهم يدفعون الثمن برداً عاطفياً، واغتراباً اجتماعياً، وتفتتاً في النسيج الإنساني المشترك.

إن الإنسان الحديث قُنفذ بطبعه، ولا يوجد قنفذ “أملس”، وكلما اقتربت من الذات الإنسانية المعاصرة، ستجد تلك المدببات الصغيرة تنغرس في لحمك.

وهذا هو تقنفذ الإنسان الحديث، الذي يسعى الى الانكفاء الاجتماعي وتسطيح العلائقية، مع الأخذ بالاعتبار أن الانسان بطبعه كائن سياسي “اجتماعي” كما وصفه فيلسوف الواقعية “أرسطو”، لكن الانسان الحديث أجبر الانسان على مغادرة المجتمع هربا من برده، وولوجه في علاقة حميمة مع نفسه باحثاً فيها عن الدفئ؟! يهرب من حكم جائر يصدر بحقه، من تأطيره وتصنيفه داخل قالب سياسي جاهز، من اختزال تاريخه واغتيال مشاعره، وبدلاً من عناء فهم تفاصيله، يضعه الآخرون في “علبة” أيديولوجية، أو اجتماعية، أو سياسية جاهزة.  

الفيلسوف هيجل كتب مرة يقول: “لم يفهمني من البشر الا واحد، وقد أساء فهمي هو الآخر!!”.

في عالم الانسان الحديث هناك صخب لا يُدفئ أحد، لأنه استحال الى كرة شوكية تحمل أشواكاً مسمومة وسرائر خبيثة لا يُبحث من خلالها عن الاستدفاء، وإنما عن نكز وغرس الأشواك لا غير!

لقد أصبح البشر على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأعراقهم وأجناسهم وأديانهم، متشابهين في كثير من مواطن القنفذة، بدءاً باختفاء القيم، مرورا بالخلافات الأيدلوجية والتناحرات السياسية، انتهاءاً الى غياب الإنسانية، واصبح الأناسي كالقنافذ تختلف في طولها وعرضها وشكلها ووزنها وجلودها، ولكن تتشابه كلها في الأشواك على الإطلاق، واذا لم يتم ترميم وتصحيح البانوراما البشرية، فسنبقى كالقنافذ بانعزالية و بأيديولوجيا أحادية، فكما قال الفيلسوف السياسي “إشعياء برلين”: الثعلب يعرف أشياء كثيرة، لكن القنفذ يعرف شيئاً واحداً كبيراً”.

وهنا نقع أمام تصنيفين للإنسانية الحديثة، فنجدها إما كالثعلب، براجماتي تعددي يتكيف مع المتغيرات اليومية دون التزام بأيديولوجيا محددة.

أو كالقنفذ، يمتلك رؤية فكرية واحدة، متعصب وصارم، يختزل العالم من منظورمركزي مطلق.

ختاماً..

يبقى القنفذ حيوانا محايدا أخلاقياً، لأن أفعاله تحركها الغرائز الفطرية واحتياجات البقاء، ولا يمتلك الوعي الذاتي بالخطأ والصواب، لذلك لم يحدث ولو مرة واحدة أن وصفنا قنفذاً بأنها خلوق! أو آخر على أنه صادق! بخلاف الإنسان القابل للملكات الأخلاقية، وعليه يُوصف بأنه أخلاقي أو غير أخلاقي. لكن عندما يتصرف الانسان بطريقة لا أخلاقية فإنه يصبح قنفذ، ولا يوجد قنفذ أملس!

بقلم الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني د.محمد نبيل كبها

عضو الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، والعرب، ومنتدى الكتاب العربي، والاتحاد الدولي للمثقفين العرب، والاتحاد الدولي منظمات السلام العالمية، والاتحاد الدولي جامعات العلوم والبحوث والثقافة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة