برقية الى الله – محمد نبيل كبها

عالق في هذا العالم الخيالي الذي صنعته لي إزاء المفترس الفائق، أمام احتفالاته التي يقيم بها طقوسه الدينية الغامضة، محاولا تحطيم ما تبقى من مدينتي الفاضلة.
لقد كانت ميليتس موطن الفلسفة الطبيعية، وإفيسوس مركز الفلسفة الهرقليطية، وإليفسينا كانت مَرْفأ ترتطم فيه الأسئلة التليدة بالصيرورة الفيزيقية، وعندما سَقَطَت كنت أشتم رائحة عطر هناك.
تتبعت رائحة العطر بلهفة ودون اللهفة، كنت مسودة عريقة فيها، كنت ألمس جرحي العتيق فيها، كنت أتناولني وليمة قديمة فيها، كنت أتلوى كرقصة بولندية فيها، كنت أتجاوز سرديتي اللاهوتية فيها.. كنت وكنت وكنت، حتى أرشدتني روحي الى المقهى.
رأيتك بجانب المقهى، فدخلت اليه، كانت ترنيمة هوميروس تنتشر في المكان، الجالسون يتمايلون فوق بلاط المجون، وأنا أذوب في جرح من الخيالات لم يُرسم بعد.
وفي لحظة شبق سيكسولوجية سار الجميع في موكب تقودهم فيه عشتار، بينما أنا كنت متورطاً في ملحمة أخرى.
أرسلت خلف النادلة، وكانت كالميثولوجيا الكلاسيكية القادمة من العالم السفلي، طلبت القهوة، وذهبت النادلة للصلاة.
في الواقع لم أكن أحب القهوة، ولكنها جاءتني على هيئة راقصة غجرية، ارتشفت رشفة منها أثارت خيالات جامحة، فرأيتك بين ملحمتي هوميروس الشهيرتين “الإلياذة والأوديسة”.
نفضت رأسي.. وقلت لنفسي: “القهوة الغجرية.. جلبت بصحبتها أشياء غير عاديّة!! فكيف هيئ لي أني رأيتك؟! أم أنني أصبحت لست عاديّاً!!”، هربت نحو الجريدة التي بين يدي، وإذا بأحرفك تعترضني في كل مكان فيها!
خرجت الى الشارع هربا منك وإليك دون تفكير، دون جنون، دون أمل يومض، وحزن يفور. وأينما استوقفتني غيمة أو نحلة، طفلة أو زهرة، ورقة أو صخرة رأيتك فيها!
أعييت بلوثة تسريحة أحرفك، وجلست بجانب الصخرة أنظرك متلبكاً! فأنا لم أختر هذه الحكاية، وأشعر بالذنب لكتابة هذه البرقية. لكني أريد فقط أن أعبر لك عما أشعر به تجاهك. هُيام لن أشفى منه إلا حينما أراك، وأعلم يقيناً أن هلاكي سيكون حينها، لكن ماذا أصنع ببقعة في ناسوتي لا يملؤها إلا أنت..
بقلم عبدك يا جليس قلبي ومن علّم بالقلم..
إلهي.. حبيبي.. ومولاي.. عندما تناديني يوم الحساب، أرجوك أن تحقق لي غايتي وترفع الحجاب..
ارفعه يا ودادي.. ارفعه يا روحي فيما بيني وبينك لأنظر إليك.. واشف صدر عبدك الذي مات في الدنيا شوقاً إليك..





