الانتظار في انتظار كودو/ د.ازهر سليمان

لم تحظَ مسرحية مثل في انتظار جودو بجدل نقدي حول مغزاها ولغتها وبنيتها. كتب الكثيرون نقداً يقع بين الحط من مستوى المسرحية الفني والأدبي وبين اعتبارها عملاً حديثاً يعبر عن مكنونات الصراع الإنساني المعاصر، سيما في ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية. ومما لا شك فيه أن بيكيت قد وظّف أسلوباً درامياً جديداً يتلاءم مع الصراعات الإنسانية المعاصرة من ضياع وغربة وقهر.
تدور أحداث المسرحية حول استراجون وفلاديمير، وهما شخصيتان مهرجتان شكلاً وفلسفيتان مضموناً. يقضي هذان المتشردان المسرحية برمتها في انتظار شخص ما لا يعرفان سوى اسمه، جودو. يظنان أن قدومه سيخلصهما من عذاباتهما كلها. ينتهي الفصل الأول وجودو لم يأتِ بعد، ويبدأ الفصل الثاني وينتهي وما جاء جودو. هكذا هي عبثية الحياة وعبثية الانتظار عند بيكيت.
قبل موت بيكيت بأشهر في 22 ديسمبر 1989، كانت هناك رواية تدور في النوادي الأدبية الباريسية مفادها أن امرأة طاعنة في السن رأت بيكيت يتمشى في أحد شوارع باريس، فتنهّدت وقالت لزميلة بجانبها: “هذا هو بيكيت صاحب في انتظار جودو!” كان بيكيت ذو سمع جيد حتى في ذلك العمر فسمع ما قالت فأجابها: “نعم أنا هو وما زلت أنتظر”. وإن صحت هذه الرواية فإنما تدل على أن بيكيت قد حافظ على قواه وحواسه حتى في الثمانين من عمره. بقي ينتظر الموت كشخوص مسرحيته، فنحن نموت يومياً آلاف المرات وحينما يأتينا الموت الحقيقي لا نكاد نميّزه. وكما يقول فلاديمير: فإن أكبر قاتل لنا هو العادات التي تصبح بعدئذ قوانين تسيرنا في الحياة.
لقد حمّل النقاد والباحثون تفصيلات لا حد لها من التطرف في تحليلهم لنص المسرحية. فلقد كان التيار النقدي في الخمسينات والستينات والسبعينات يميل إلى تصنيف المسرحية على أنها نمط من أنماط العبثية أو كما يحلو للبعض تسميتها باللامعقول. ثم تلاها مباشرة نزعة قوية في ربط هذه العبثية بالفلسفة الوجودية. وأخيراً، وحينما نضبت كلمات هذه المدارس النقدية، اتجه البعض في الوقت الحاضر إلى الضد تماماً. فقد نشرت بحوث تميل إلى نقض ما قيل سابقاً عن المسرحية، فلا يجد هؤلاء أية نكهة عبثية أو وجودية فيها، بل على العكس فإن بيكيت يثبت لنا بأنه رجل متدين يعرف ماذا يقول ليعبر عن مكنونات وإرهاصات إنسان العصر روحياً.
مهما يكن من أمر، فإن مسرحية في انتظار جودو جاءت لتفتح آفاقاً جديدة في الحياة الإبداعية المسرحية. وهذه المسرحية تحديداً تضم معظم عناصر دراما العبث. فما هي هذه العناصر؟ إذا ما تأملنا في المسرحية فلن نجد ذكر امرأة واحدة على الإطلاق. ورب قائل يقول إن مسرحيات عبثية أخرى تضم بين شخوصها نساء مثل مسرحية إدوارد ألبي “من يخاف فرجينيا وولف”. فمارثا هي زوجة جورج لكنها عاقر. إذن تمثل المرأة استمرارية الحياة وخصب الوجود، وهو موضوع لا ينسجم مع الفلسفة العبثية في عقم الوجود والحياة. كما أن حالات مثل السعادة والفرح والزهور والأمل والزواج هي عبارات تتقاطع مع هذه الفلسفة، وإن ذكرت فإنها تذكر مبتورة وناقصة ومشوهة.
أما العنصر الآخر لمسرح العبث فهو بحث الشخصيات الدائم عن هويتهم وكياناتهم الضائعة دونما جدوى. ففلاديمير واستراجون يحاولان فهم الأشياء حولهما لكنهما بدلاً من اكتشاف الحقائق يغوران عميقاً شيئاً فشيئاً في أوهام لا قعر لها. وكلما أوغلا بحثاً ازدادا ظلمةً وجهلاً ويصلان النهاية، حيث لا نهاية لمعضلتيهما، وهما غير مدركين ما كانوا عليه أو ما هم عليه.
تتحرك الشخصيات في محيط جامد، لا حركة فيه. يقول فلاديمير لزميله: “أن نرحل”، فيجيبه صديقه بالإيجاب والموافقة لكنهما يبقيان في ذات المكان ولا يتحركان مطلقاً، وغالباً ما نشاهدهم جالسين. فشخوص مسرح العبث هم إما معوقون جسدياً أو متخلفون عقلياً وذلك لكي ينسجم انتماؤهم لعالم العبث ذاته. وتقدم كل هذه الشخصيات بشكل تراجيكوميدي.
تفتقد لغة حوار مسرح العبث أبسط عناصر اللغة، ألا وهو هدفها الاتصالي. يخاطب أحدهما الآخر ولكن لا يفهمان ما يقولان. ولا نجد أي تطور في عملية الحوار من خلال السؤال والجواب بين الشخوص. وتعتمد لغة المسرحية على أسلوب التكرار، إما تكرار كلمات معينة أو جمل معينة خلال النص. مثال ذلك:
استراجون: ماذا نفعل الآن؟
فلاديمير: ننتظر جودو.
استراجون: آه!
يفيد أسلوب التكرار في التركيز على عنصر الرتابة والذي يمثل أداة أسلوبية في خلق جو من الملل عند الجمهور، مما يجعلهم يتآلفون مع موضوع العبث المتنامي داخل النص. كما يكرر بيكيت صوراً معينة داخل النص تؤدي ذات وظيفة التكرار اللغوي. فمثلاً تأخذ صورة “العري” أشكالاً مختلفة للتعبير عن فراغ الإنسان العقلي والثقافي والحضاري.
نفهم أن مشكلة الإنسان هي مشكلة وجوده أو لا وجوده. كيف يمرر الإنسان الزمن ضمن محيط عبثي غير معقول، معطيات عقيمة، علاقات سقيمة، وتطلعات مشلولة. كيف يمرر الإنسان الزمن كيما يصل إلى النهاية: الموت. لا يملك الإنسان اليائس إلا الانتظار قناعاً أو وسيلةً لكشف العبثية. وحتى الكلام ما هو إلا وعاء فارغ لا يفضي إلى شيء إطلاقاً. فتفقد اللغة زخمها التواصلي لتصبح الكلمات والعبارات شرخاً يصدع الرأس من خلال اللامعنى واللاترابط بينها فيضيع الإنسان.
ولعل الإنسان العربي يفيد من هذه التجربة الأدبية الخلّاقة باستنطاقه لأفكارها وعباراتها الدرامية والتي تقول: لا تبحث عن مخلّص أو منقذ خارج ذاتك.. كل شيء ينبع من داخلك.. فقط حاول.



